أحزاب الموالاة تحوّل الاتحاد الأوروبي من شريك إلى متآمر

الخبر: رغم أن بعثة الاتحاد الأوروبي للجزائر كانت مبرمجة منذ مدة، في إطار علاقاته العادية بموجب اتفاق الشراكة الموقع عليه عام 2005، غير أنه وجد نفسه محشورا في الحراك السياسي الدائر بين أحزاب السلطة والمعارضة، وبشكل يعطي الانطباع بأن ممثلي الاتحاد الأوروبي دخلوا إلى الجزائر “حراڤة” وليس من المطار ضمن بعثة رسمية. لقد استعملت أحزاب السلطة الوفد الأوروبي الذي قال إنه “جاء للاستماع فقط” وأجرى لقاءات معلنة مسبقا، كمعول لضرب المعارضة واتهامها بجلب التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للبلاد وبـ”الاستقواء” بالأجنبي ضد السلطة، وما إلى ذلك من التهم الجاهزة التي كانت تلصق بالمعارضة، ولكن في لقاءاتها في الخارج وليس بالداخل، ومع شريك وقع مع الدولة “اتفاق” شراكة يخص السياسي والاقتصادي والأمني والاجتماعي والثقافي وله ممثلية دبلوماسية دائمة تعرف كل كبيرة وصغيرة في البلد.

السلطة توقع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وتخوّن المعارضة لتعاملها معه
لا وجود لقانون يمنع الأجانب من الالتقاء بالأحزاب
عاد، مرة أخرى، خطاب التخوين، ضمن أوراق أحزاب الموالاة، ومن ورائها السلطة، بعد لقاءات وفد الاتحاد الأوروبي مع أحزاب المعارضة، والمسألة بقدر ما هي مهمة بالنسبة لسلطة استقبلت لتوها أهم مطلب منذ بدء تحرك “التنسيقية”، ويتعلق بتنظيم انتخابات رئاسية مسبقة، بقدر أهمية معرفة حدود تحرك الأحزاب، من الناحية القانونية، فإذا كانت الأحزاب التي التقت وفد الاتحاد الأوروبي لم تخرق القانون المنظم لها، فما خلفية “هجمة” الموالاة ضدها على وتر التخوين؟ وإذا كانت خرجت عن القانون، ماذا تنتظر النيابة العامة لتحريك الدعوى ضدها؟
المسألة مرة أخرى، تطرح من الناحية القانونية، وهي تتشابه مع العديد من المسائل التي كانت محل تجاذب بين السلطة والمعارضة، فيما سبق، حينما غاب المحتكم القانوني الصريح والواضح، فتحولت التجاذبات إلى “سياسية” بالدرجة الأولى، وفيما يتعلق بلقاء أحزاب “تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي”، و”القطب الوطني - علي بن فليس”، و”الأفافاس”، بالبعثة الاستطلاعية للمفوضية الأوروبية بالجزائر، لم تجد الأجهزة القائمة على الوظائف السياسية للسلطة ما تدين به من التقوا بعثة الأوروبيين، لأن القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية للعام 2012، لا يتضمن مادة صريحة تدين قادة الأحزاب المعنيين بحملة “العمالة والتخوين”، ويفتح هنا قوس كبير، عما إذا كانت الحكومة قد غفلت عن هذه النقطة في قانون الأحزاب الذي سن في ظرف سياسي جد حساس “الاضطرابات العربية والإقليمية”، وهي بالذات ”الاضطرابات” التي مازالت تحرك غريزة الموالاة ضد كل من يتحادث مع “أجنبي”، وصار ذلك كافيا لتصنيفه ضمن “العملاء”.
وتطرح تساؤلات حيال ردود فعل “هستيرية” إزاء “فعل سياسي” لم تمانعه الحكومة لما سارعت إلى المصادقة على اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، العام 2005، الذي وبموجب هذا الاتفاق صار من حقه أن يطلع على الوضع في البلد الشريك، وتسعى الحكومة حاليا إلى نيل رضا وسطاء منظمة التجارة العالمية للانضمام إلى هذا الفضاء، رغم وصف أطراف هذا الانضمام بـ”القرار غير الوطني”، ومنهم خبراء اقتصاديون، مع أن نفس الشروط تقريبا، من الناحية السياسية المفروضة بالنسبة لاتفاق الشراكة، يتكرر فرضها مع المنظمة العالمية للتجارة، خاصة ما تعلق بحقوق الإنسان، وبما أن الحق في العمل السياسي والنقابي، بما في ذلك “حق المعارضة”، يدخل ضمن “حقوق الإنسان” بمعناها المعاصر، وهو مكفول في اتفاق الشراكة، لا يمكن تبرير تخوين من يلتقي وفد الاتحاد الأوروبي إلا إذا كانت السلطة وروافدها السياسيون لا يعترفون بما تم إبرامه في السابق، ووفقا لما هو مدون في المواد 3 و4 و5 من نص الاتفاق، الذي يتحدث عن الحوار السياسي المتواصل والشامل بين الشركاء بشأن مختلف القضايا، وهو ما صادق عليه البرلمان ووقعه الرئيس.
وحتى بالنسبة لقانون الأحزاب، فإنه لم يتضمن ما يمنع لقاءات الأحزاب مع الأجانب، إذ اكتفى المشرع فقط بـ”يمكن للحزب السياسي ربط علاقات مع أحزاب سياسية أجنبية، غير أنه لا يمكنه ربط علاقات تعاون أو علاقات مع حزب سياسي أجنبي على أسس تتعارض وأحكام الدستور أو القوانين المعمول بها”، مثلما يرد في المادة 51 من القانون العضوي المتعلق بالأحزاب، والتي تضيف: “.. كما لا يمكنه (الحزب) القيام بأعمال في الخارج لغرض المساس بالدولة ورموزها ومؤسساتها ومصالحها الاقتصادية والدبلوماسية، أو القيام بأي ارتباطات أو علاقات من شأنها أن تعطيه شكل فرع أو جمعية أو تجمع سياسي أجنبي”، بينما لم يتطرق القانون إلى أي نوع من “علاقات” بين الحزب السياسي وأطراف أجنبية في الداخل، على غرار لقاءات أحزاب المعارضة مع البعثة الأوروبية.
وأكثر من ذلك، فإن مكمن الاستغراب يتمثل في اتهام حزب تحادثت قيادته مع بعثة الاتحاد الأوروبي، لأحزاب أخرى بالعمالة لأنها تحادثت مع نفس البعثة؟ بينما قراءات من هنا وهناك تشير إلى رغبة “الأفالان” ربما، في أن يكون الوحيد الذي يلتقي الأوروبيين، دون المعارضة، لكن هكذا تخوينات واتهامات بالعمالة تعاود نفسها في مشهد متكرر، كان عبد الله جاب الله، رئيس “جبهة العدالة والتنمية”، وأبو جرة سلطاني، الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم، أحد صناع فصوله لما استقبلوا السفير الأمريكي قبيل تشريعيات ماي 2012، واتهموا بالعمالة للخارج.

محسن بلعباس وجهيد يونسي يردان على تصريحات سعداني
“المعارضة نجحت في نقل السلطة إلى موقع رد الفعل”

أفاد محسن بلعباس، رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، بأن “السلطة تعاني من حالة ارتباك تام، بفعل الوتيرة القوية التي فرضتها المعارضة في المدة الأخيرة”. وفي هذا الإطار يمكن تصنيف، حسبه، تصريحات الأمين العام لجبهة التحرير الوطني، عمار سعداني، “المخونة” للمعارضة بسبب لقائها وفد الاتحاد الأوروبي.
وقال محسن بلعباس، لـ”الخبر”، إن “تصريحات سعداني تكشف أن السلطة في الجزائر فقدت تماما القدرة على تقدير الموقف”، مشيرا إلى أن “السلطة وأحزاب الموالاة وجدت نفسها لأول مرة في الجزائر، في موضع رد الفعل وليس الفعل”. وأضاف: “فرضنا عليهم وتيرة قوية بخطابنا السياسي واقتراحاتنا، وجعلنا هذه السلطة في موقع ضعف تتابع فقط ما نفعله، وهذا ما يفضح أنها سلطة فاقدة للرؤية المستقبلية، لا تعرف ماذا تريد ولا أين تريد الوصول”.
وأوضح بلعباس، الذي ينتمي حزبه إلى تنسيقية الانتقال الديمقراطي، أن المعارضة في الجزائر خطابها واضح أمام الجميع، وهي تردد أمام الاتحاد الأوروبي ما سبق وأن ذكرته للجزائريين والسلطة. لافتا إلى أن التنسيقية “تتبنى ممارسة السياسة في النور وترفض كل العلاقات المشبوهة في الداخل أو الخارج”. بدوره، ذكر جهيد يونسي، رئيس حركة الإصلاح الوطني، أن “غمز المعارضة في الجزائر بالتعاون مع جهات أجنبية، هو تهمة ساقطة، لأن السلطة بذاتها تتعامل مع الاتحاد الأوروبي، وهذا الوفد جاء في إطار منظم ينص عليه اتفاق الشراكة بين الجانبين”. وأبرز يونسي، الذي ينشط حزبه في إطار قطب التغيير المنبثق عن مجموعة الأحزاب المساندة لعلي بن فليس في الرئاسيات السابقة، أن “هذه التهمة تبرز أن مطلقيها فاقدون للحجة ويمارسون سياسة الهروب إلى الأمام أمام واقع التغيير الذي بات يفرض نفسه بإلحاح”. وأضاف يونسي أن المعارضة في الجزائر حريصة على أن الأزمة ينبغي أن تحل بين الجزائريين بالطرق السلمية، من خلال الحوار بين السلطة الحقيقية والمعارضة”.

المستشار بمصلحة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي إيلي كلين لـ “الخبر”
“زيارة الوفد الأوروبي الأحزاب ليست تدخلا في الشأن الجزائري”
مصدر من البعثة الأوروبية لـ “الخبر”: سعداني كان غاضبا من لقاء الوفد بالتنسيقية وبن فليس
رفض إيلي كلين، المستشار السياسي بمصلحة السياسة الخارجية والأمن لدى مفوضية الاتحاد الأوروبي، اعتبار زيارة الوفد الأوروبي الأخيرة للأحزاب الجزائرية “تدخلا في الشأن الجزائري الداخلي”. وقال إن ذلك يندرج في إطار “اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي”، والذي يشمل في محاوره “مواضيع تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني”.
وأوضح إيلي كلين، في تصريح لـ”الخبر”، أن “الوفد الأوروبي الذي زار الجزائر، ضم لجنتين فرعيتين، الأولى مختصة بقضايا الداخلية والعدالة، والثانية تتعلق بالقضايا الاجتماعية، بالإضافة إلى مجموعة العمل للحوار الاقتصادي، وكانت تحوي أجندة هذه اللجان، التي أعدت مسبقا، لقاءات مع ممثلي الأحزاب والمجتمع المدني”. وأبرز كلين أن “محاور اللقاءات التي جمعت الوفد الأوروبي بالأحزاب، كانت تتعلق بالوضع الداخلي في الجزائر، إلى جانب التعاون الأمني بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى موضوع اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي”. وأضاف: “أعطينا معلومات للأحزاب السياسية عن تقدم مسار الشراكة بين الجانبين”.
وبشأن المواضيع السياسية التي تناولتها اللقاءات، ذكر كلين أنها “لم تنحصر في مواضيع محددة، وتناولت القوى السياسية الناشطة في الجزائر، إلى جانب تعديل الدستور، وحالة المجتمع المدني في الجزائري”. وقال كلين إن “الاختيار وقع على تنسيقية الانتقال الديمقراطي والقطب الذي شكله رئيس الحكومة السابق علي بن فليس، إلى جانب جبهة القوى الاشتراكية وحزب جبهة التحرير الوطني، لإجراء هذه اللقاءات”.
وردا على سؤال يتعلق بمدى تطبيق الجانب الجزائري التوصيات الواردة في تقرير بعثة الاتحاد الأوروبي في تشريعيات 2012، قدم كلين إجابة ديبلوماسية قائلا: “هذا أمر يخص الدولة الجزائرية، وأعتقد أنها تقوم بعملها. نحن لا نتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، وما قدمناه كان مجرد توصيات”.

التوقيت لم يخدم زيارة الوفد الأوروبي للجزائر
من جانب آخر، أوضح مصدر من بعثة الاتحاد الأوروبي في الجزائر، أن الأمين العام للأفالان نبه الوفد الأوروبي، في بداية لقائه معهم، قائلا: “حذار، ليس لكم الحق في التدخل في شؤوننا”. وبدا سعداني، حسب المصدر الذي رفض الكشف عن اسمه، في البداية، مستفزا من الوفد الأوروبي الذي التقى قبله المترشح الرئاسي السابق علي بن فليس، وتنسيقية الانتقال الديمقراطي.
وجاء رد الوفد الأوروبي، الذي كان على رأسه برنار سفاج، رئيس قسم “المغرب” بمصلحة السياسة الخارجية والأمن، مرفوقا بسفير البعثة الأوروبية في الجزائر، ماراك سكوليل (التقى سعداني للمرة الثانية في ظرف أسبوع)، بأن هذه اللقاءات تندرج في إطار اتفاق الشراكة الموقع بين الجانبين، وأنها تمت مع أحزاب كلها معتمدة وقانونية.
لكن سعداني، وفق المصدر، تجاوز حالة الانفعال التي انتابته في بداية اللقاء، ثم استرسل مع الوفد في الحديث عن الشأن السياسي الجزائري، خاصة ما تعلق بمبادرة جبهة القوى الاشتراكية والحوار بين أحزاب السلطة والمعارضة، وفق الشرط المعروف الذي يضعه حول عدم المساس بشرعية الرئيس.
وخلافا لسلوك سعداني تجاه الوفد الأوروبي، قال المصدر إن الحكومة الجزائرية لم تتطرق أبدا لموضوع اللقاءات التي أجراها الوفد الأوروبي مع الأحزاب السياسية، ولم توجه أي ملاحظة يفهم منها عدم رضاها بشأن ما بدر من الوفد مدة مكوثه في الجزائر التي استمرت ثلاثة أيام. وحسب المصدر، فإن الضجة التي أثيرت حول لقاء الوفد الأوروبي بالأحزاب، كانت بسبب توقيت الزيارة الذي تزامن مع الحديث عن صحة الرئيس ومطالبة المعارضة بتنظيم رئاسيات مسبقة، وهو ما جعل القراءات السياسية تربط بشكل سلبي بين هذه اللقاءات وتفاعل الأحداث في الجزائر، في حين كانت اللقاءات مبرمجة منذ مدة في إطار اتفاق الشراكة بين الجانبين.
ونفى المصدر أن تكون هذه اللقاءات سابقة في علاقة الاتحاد الأوروبي والجزائر، مشيرا إلى أنه قبيل الانتخابات التشريعية لسنة 2012، التقى سفير البعثة الأوروبية كبرى الأحزاب في الجزائر، على غرار الأفالان والأرندي والأفافاس والأرسيدي، واستمر الحديث بعد ذلك في الدعوات والمناسبات التي تنظمها بعثة الاتحاد الأوروبي في الجزائر.

النشرة الالكترونية

عاجل

x