الرياض .. الحرب ضد «الإرهاب» أولوية إقليمية

الاقتصادية: أنهى الرئيس الأمريكي باراك أوباما زيارته للسعودية، التي كانت غير مجدولة، لكن دفع في اتجاهها تصاعد حدة الخلاف حول رؤى الأمن الإقليمي والاستراتيجي للمنطقة.

الرياض التي تملك تساؤلاتها القلقة حول ما إذا كانت واشنطن تقرأ بالفعل في ذات "كتاب المشكلات" في منطقة الشرق الأوسط. بينما تبدو العاصمة الأمريكية أكثر تردداً في محاربة "الإرهاب" الذي لف المنطقة بشكل غير مسبوق بعد مرور ثلاث سنوات مما اصطلح عليه "الربيع العربي".

زلازل "الربيع العربي" التي باركتها الولايات المتحدة الأمريكية وأيدت فيها جماعات "الإسلام السياسي" الراديكالية، التي تتبنى في أدبيتها العنف المسلح، بشقيها السني والشيعي.

الرياض التي لطالما كانت الحليف الأبرز لواشنطن في الحرب، ليس على موجات الإرهاب التي عصفت بالعالم فقط، بل تجاه كل حركات التطرف الأخرى بما فيها "الشيوعية" إبان العهد السوفياتي، فضلاً عن علاقات متجذرة أخرى على مستوى أسواق الطاقة.

يقول مايكل لاينش، المتخصص في تحليل أسواق البترول في مجلة "فوربز" عن زيارة أوباما أخيراً "العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية لم تكن قط حول النفط فقط. فالحرب الباردة، والعداء السعودي ضد الكتلة السوفياتية، والمصالح الجيوسياسية في كثير من الأحيان تأخذ أولوية. والآن، هناك توازن جديد للصراع بين اللاعبين والأيديولوجيات في المنطقة. يجب أن تتجه الولايات المتحدة إلى إيلاء مزيد من الاهتمام للقضايا الإقليمية. في جميع الاحتمالات، فإن مسألة الطاقة لن تظهر على السطح خلال زيارة أوباما. لأن هذه المشاكل هي أكثر صعوبة بكثير من سياسة الطاقة".

"الامتعاض" السعودي الذي عبرت عنه الرياض في محافل مختلفة من خلال وزير خارجيتها الأمير سعود الفيصل، كان دافعه تهاون واشنطن في تحمل مسؤولياتها السياسية والأخلاقية تجاه حالات العنف والتنظيمات والأنظمة التي تقف خلفه. سواء كان النظام السوري بقيادة بشار الأسد الذي بلغ عدد ضحاياه ما يزيد على 140 ألف سوري قتلى، إضافة إلى ملايين المهجرين، أو بما اتخذت واشنطن من مواقف مترددة تجاه التحول المصري المدعوم بحركة شعبية كبيرة في إزاحة "الإخوان المسلمين" عن الحكم، فضلاً عن فتح قنوات تواصل مع طهران الراعي الأبرز ليس للتنظيمات "الشيعية" المصنفة إرهابياً، كحزب الله، بل الراعية لتنظيم "القاعدة" على حد سواء، وهذا بحسب تصريحات رسمية من قيادات أمنية في الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

فقد أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، في شباط (فبراير) الماضي، سلسلة عقوبات جديدة ضد شركات حول العالم بتهمة انتهاك العقوبات المفروضة على إيران، لكن الجديد هذه المرة أن العقوبات طالت شركات على صلة بتسهيل نقل الأسلحة والتجهيزات لمصلحة النظام السوري، إلى جانب شبكة تابعة للقاعدة تنشط من إيران وبعلم سلطاتها وتعمل على تجنيد مقاتلين لمصلحة "جبهة النصرة".

وبحسب قناة "سي إن إن" الأمريكية كان "اللافت للانتباه في قرار العقوبات الأمريكية الجديدة أنه طال من وصف بـ "الشخصية الأساسية في تنظيم القاعدة الموجود في إيران" ويدعى أولمزون أحمدوفيتش صادقييف، الذي قالت إنه يعمل "بعلم السلطات الإيرانية" ويدير شبكة مسؤولة عن نقل الأموال والمقاتلين الأجانب عبر تركيا لمصلحة "جبهة النصرة" والشبكات التابعة للقاعدة في سورية".

وبحسب القرار، فإن صادقييف، واسمه الحركي "جعفر الأوزبكي" عضو في جماعة "اتحاد الجهاد الإسلامي"، وينشط أيضا تحت اسم "جعفر مويدينوف" ويوفر الدعم اللوجستي والتمويل للقاعدة، وعلى صلة بشخصيات أخرى من تنظيم القاعدة على لائحة المطلوبين لواشنطن، وبينهم "ياسين السوري".

ويشير القرار إلى أن صادقييف يقيم في مدينة "مشهد" الإيرانية ويعمل على تهريب المقاتلين عبر الحدود مع أفغانستان المجاورة، وتقوم شبكته بتحريك المقاتلين نحو أفغانستان وباكستان عبر إيران، بينما يقود ياسين السوري شبكة القاعدة في إيران، بعد فترة قصيرة أمضاها قيد الاعتقال نهاية عام 2011.

ويلعب ياسين السوري دورا بارزا في نقل أصحاب الخبرات القتالية من باكستان إلى سورية، كما يسهم في تنظيم شبكات نقل المجندين إلى سورية عبر تركيا، وسبق لشبكة القاعدة في إيران ــ بحسب القرار الأمريكي ــ أن ساعدت على نقل الأموال إلى شبكات أخرى للقاعدة، بينها "جبهة النصرة".

تجاهل عشرات الحقائق على الأرض الدور الإيراني في تعميق مأساة "الثورة" السورية، بالتوازي مع التجاهل الأمريكي لرؤى دول الاعتدال في المنطقة التي تقودها الرياض ودول الخليج، دفع إلى حالة "الجفوة" السياسية بين عاصمتين طالما كانتا حليفتين جادتين في تجفيف منابع الإرهاب، ودعم الاستقرار.

ديفيد أغناتيوس، الصحافي البارز في صحيفة "واشنطن بوست" كتب في زاويته الأسبوعية: "على المدى القريب ينبغي على الولايات المتحدة أن تسرِّع من وتيرة تدريب ومساعدة المعارضة السنية المعتدلة، وهو ما ستكون له فوائد كثيرة، منها معارضة أقوى قادرة على قتال نظام بشار الأسد ودحر «القاعدة» وتوفير ممرات إنسانية آمنة. وربما تتمكن في النهاية من الفوز بوقف إطلاق النار، لكن هذه صيغة للحد من إراقة الدماء لا لتسوية النزاع".

ويضيف أغناتيوس، في مقاله المعنون بـ "إطلالة طويلة على سورية": "لقد أثار وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الدهشة بتأييده لهذا النهج (يقصد الكاتب النهج المعتدل ضد الطائفية بحسب سياق المقال) في ميونيخ، بقوله: "المملكة العربية السعودية وإيران لديهما مصلحة مشتركة في توفير بيئة آمنة؛ فلن يستفيد أي منا من الانقسامات الطائفية، ولن يستفيد أي منا من التطرف". لكن من الصعب قبول تصريحه في وقت تدفع فيه إيران بمقاتلي حزب الله ومقاتلي الميليشيات الشيعية العراقية إلى سورية".

أوباما الذي يواجه حملات نقد قاسية في "الكونجرس" الأمريكي من جراء تهاونه وتردده المُربك في منطقة الشرق الأوسط، وخسارته كل تحالفاته الرئيسة لواشنطن. غادر الرياض أمس، وتسريبات تتحدث عن احتمالية تزويد "الثوار" المعتدلين تحت إمرة الائتلاف السوري بأسلحة تساعدهم على خلق التوازن في القوى على الأرض، وتأهيلهم بتدريب أكبر لمواجهة ماكينة القتل التي يقودها النظام السوري وتمولها إيران.

بينما تبدو الرياض مصرة على إنهاء هذه الأزمة التي وصفها الفيصل بأنها "أكبر الكوارث في تاريخنا المعاصر" في ورقته التي ألقاها في مؤتمر جنيف 2. التي أكد فيها الفيصل أن الحل الفوري الذي تراه الرياض قائم على "الانسحاب الفوري لكل القوات والعناصر الأجنبية المسلحة من الأراضي السورية، بما في ذلك قوات الحرس الثوري الإيراني، وميليشيات حزب الله. ثانيا: وقف القتال وفك الحصار عن المدن والقرى السورية، بما في ذلك القصف الجوي والمدفعي الذي يشنه النظام. ثالثا: إيجاد مناطق وممرات آمنة لإيصال المساعدات للسوريين بإشراف دولي يضمن ذلك. رابعا: إطلاق سراح المعتقلين والمحتجزين لدى النظام السوري".

يذكر أن السعودية أقرت حديثاً تنظيمات وتشريعات قانونية تحاكم وتعاقب بالسجن كل من يثبت مشاركته في أماكن قتال وصراع خارجية، فضلاً عن تمويلها أو تأييدها، في خطوة من ضمن خطوات سابقة لمكافحة موجات التطرف والإرهاب التي ارتفعت بشكل غير مسبوق في السنوات الثلاث الأخيرة.

النشرة الالكترونية

عاجل

x