العنف في "مليونية لا للعنف"

بقلم : نجلاء مكاوي نجلاء مكاوي
السبت 13 شعبان 1434هـ - 22 يونيو 2013م

بصرف النظر عن تسميتها بـ "المليونية"، رغم أن منطقة رابعة العدوية وفقًا لتقديرات المسئولين بهيئة المساحة لا تتسع سوى لـ 30 ألف مواطن كحد أقصى، فإن تظاهرات الأمس التي دعا لها، وشارك فيها العديد من قوى وتنظيمات الإسلام السياسي، تحت شعار "نعم للسلمية .. لا للعنف"، لا يمكن قراءتها إلا كمحاولة أخيرة لاستعراض القوة، والتهديد باستخدام العنف، لا للتحذير من خروج الملايين في تظاهرات 30 حزيران/ يونيو، التي أضحت أمرًا حتميًا يقتضي الاستعداد له، ولما سيؤدي إليه فحسب، ولكن أيضًا صيحة تنبيه أرادوا من خلالها التأكيد لرافضيهم من "القوى الثورية" الحية، المتمردة على النظام القديم الجديد بكل أركانه وأسسه ورجالاته، بأنهم جزء من معادلة ما بعد 30 حزيران/ يونيو لا يمكن تهميشه، وفي الوقت نفسه تصدير خطاب ديني شعبوي لعموم المصريين بأنهم الجزء الذي يمثل الإسلام ويدافع عنه بـ "سلمية"، لكن خانتهم، وانتصرت عليهم، نزعتهم الأصيلة للعنف، التي بدت واضحة في خطاب وممارسات متظاهري جمعة "لا للعنف".

"لا للعنف" العنيف:

دعا الداعون لذلك اليوم في بياناتهم التحضيرية إلى إقرار السلمية، ونبذ العنف والتحريض عليه بكل صوره وأشكاله، وعدم التعدي علي المواطنين كافة، والممتلكات العامة والخاصة، وعدم تهديد السلم الاجتماعي، وحث الخطباء على بث معاني الوحدة والألفة والسكينة بين طوائف الأمة، بينما افترضوا أن 30 حزيران/ يونيو سيشهد عنف وقتل وحرق وتدمير، إلا أنهم ومن بداية اليوم، بدؤوا يلوحون باستخدام العنف، عندما قام شبابهم بأداء تمارين الفنون القتالية في الحديقة المواجهة لمسجد رابعة العدوية، مستعرضين بأسلحة الألعاب القتالية، والصواعق الكهربائية، والشوم، والعصي، مرتدين قفازات التايكوندو وخوذات مغطاة بحاجز بلاستيكي لحماية الوجه، مبررون ذلك بأنه استعداد حتى يمر اليوم بدون عنف! فيما انضمت لهم عصرًا مجموعة أخرى أتت لمؤازرتهم مكونة من 50 فردًا يحملون العصي.

في التوقيت ذاته كان قرناؤهم يشتبكون في ساحة القائد إبراهيم بالأسكندرية مع المعارضين للرئيس، لترديدهم هتافات مناهضة للنظام ولمكتب الإرشاد، فواجههم "الإخوان" الذي حمل بعضهم أسلحة بيضاء، إلا أن قلة عددهم ـ نظرًا لأن معظم المؤيدين استقلوا أتوبيسات دعم السلمية متجهين إلى ميدان "رابعة العدوية" ـ مع زيادة أعداد المعارضين، أدت إلى فرار أنصار الرئيس إلى المسجد يحتمون به.

وفي مشهد سلمي آخر، في جمعة السلمية، قام أنصارها بالاعتداء على خطيب مسجد القدس الذي صلى فيه الرئيس، وذلك لرفض الإمام ترديد هتافات داخل المسجد مؤيدة أو معارضة لسياسة محمد مرسى، وهو ما لم يتقبله المؤيدون، فواجهوه بالتعدي على الإمام، مثلما لم يستطيعوا كبح جماح مشاعرهم العدائية تجاه الإعلام "المضلل"، فانهالوا على أطقم عمل القنوات الفضائية، بعد أن هددوهم في بداية اليوم بعدم الاقتراب أو التصوير، ثم نفذوا تهديداتهم، وحطموا الكاميرات وأجهزة التصوير، واعتدوا بالضرب على مراسلي القنوات، وأخذوا يمشطون المنطقة بحثًا عن أي فريسة منهم، مما اضطر عدد من مراسلي الصحف والقنوات إلى إخفاء هوياتهم، تجنبًا للاعتداء عليهم، من قِبل دعاة السلمية، ونبذ العنف، الذين توعدوا من وقع تحت أيديهم من الإعلاميين بالتطهير الشامل الناجز بعد 30 حزيران/ يونيو.

أما اللافتات والأعلام التي عبرت عن انتهاج السلمية والدعوة إليها، فكان أبرزها لافتة يطرح من خلالها المتظاهرون فكرة تدعو إلى تحويل السلمية من شعار إلى واقع كُتب عليها : "هل توافق على إنشاء حرس ثوري إسلامي سني يحافظ علي الدين والدولة"؟! فيما كان أبرز الأعلام المرفوعة الدالة على "اللاعنف" هو علم تنظيم القاعدة الأسود، المعروف بـ "راية الجهاد والتوحيد".

حديث الدماء:

"الدماء محرمة ومعصومة، وكلها تتكافأ" في البيانات فحسب، لكن في تصريحاتهم، قبل 21 حزيران/ يونيو، وأثنائه، كان الحديث عن الدماء والقتل سيد المشهد، بدءًا من الرؤوس التي رآها عاصم عبد الماجد، القيادى بالجماعة الإسلامية، قد أينعت وحان وقت قطافها، تلك الجماعة التي لم تتحايل، كما فعل غيرها، وطالب بيانها الرسمي بشأن الأحداث، بإعدام بعض الشخصيات العامة "التى تحاول هدم الوطن". أما الجماعة الحاكمة، صاحبة الدعوة والحشد من أجل إظهار السلمية، فلم يستطع أحد قادتها، "محمد البلتاجي"، أن يخزل أو يُضعف همم المستنفرين بالآلاف في ساحات رابعة، فدعاهم ونفسه بحماية الشرعية، ومواجهة المعارضين للنظام بالأرواح والدماء.

وكذلك أبرز حلفائه، حزب الوطن الذي، وفي تصريح واحد، حرّم نائب رئيسه الدماء المصرية، وتوعد الخارجين في 30 حزيران/ يونيو بأنهم "مقدمون على هلاك .. ومندفعون لحتفهم".

وهو ما فعله أيضًا أحد أعضاء الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، صاحبة بيان تحريم الدم، الذي وصم المعارضين بالضلال والخروج على دين الإسلام، بما يوجب دفعهم، وإن لم يندفعوا إلا بالقتل، وجب قتلهم .. مبررًا ذلك "ونحن في هذا ندفع الظلم، ولا نعتدي".

هذا مع كثير من التصريحات التي نضحت بها أفواه قيادات داعمة للرئيس أمس، مثل تهديد طارق الزمر بسحق متظاهري 30 حزيران/ يونيو، وتأكيد صفوت حجازي على أن من "يرش الرئيس بالمياه، نرشه بالدم"، ومطالبة رئيس حزب الأمة السلفي الإسلاميين بالموت حتى القضاء على معارضي الرئيس، وغيرها من التصريحات التي لا تمنع أي عاقل عن وصف الخطاب العام في جمعة "لا للعنف" سوى بالدموية.

من يتحدث باسم الشعب؟

لم يكن مُدهشًا احتكار الحديث باسم الشعب من قبل جماعات تحتكر تمثيل الله والدفاع عن دينه في الأرض، والحقيقة والصواب، خاصة بعد مبايعة جزء منه لهم عبر صناديق الاقتراع (عنوان الديمقراطية ومضمونها) من وجهة نظرهم، التي زادتهم تدشقًا باسم هذا الشعب، إلا أنهم أمس أرادوا أن يلقوا بكرة العنف على قدم الشعب، مدعين أنه هو من سيمارس العنف تجاه "المخربين" المعتزمين التمرد في 30 حزيران/ يونيو، كوسيلة للدفاع عن الشرعية التي منحها لرئيسه "المنتخب"، فوجهوا خطابهم إلى الشعب، الذي له مطالب مشروعة، واعتراضاته على "بعض" سياسات النظام مستساغة، يطالبوه بالحفاظ على مكتسبات ثورته، ومواجهة "الأقلية الضالة" التي تحاول القضاء على الثورة، والتي في معظمها "فلول، وأطفال شوارع، وشيوعيين، وعلمانيين، وأقباط متطرفين"، ورد كيدها، فكلما يُسأل أحدهم عما إذا كانوا سينتهجون العنف، يرد: "للدفاع عن أنفسنا فحسب، وإن كان الشعب سيقوم بنفسه بهذه المهمة".

في الوقت نفسه لم يفت هؤلاء ترهيب الشعب وتحذيره من حمل وزر الخروج على الحاكم، فالمستقر في عقيدة أهل السنة والجماعة، هو طاعته، وعدم الخروج عليه بالعنف أو باستخدام السلاح، لأن ذلك من كبائر الذنوب، التي سيرتكبها متمردو 30 حزيران/يونيو، إذن فالعنف محلل في مواجهة من يواجه الحاكم، ومحرم في الخروج عليه.

وبينما طالب الإسلاميون الشعب أثناء حشدهم أمس بحماية الثورة من"الفلول"، وحثوه على استمراريتها، حتى يتم القضاء على أعدائها تمامًا، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: من هو هذا الشعب؟ وكيف سيواصل ثورته؟ وبأية أدوات؟ حتى يقضي على الشعب الآخر الذي سيلتحف بأرصفة الميادين بعد عدة أيام.

معركة لنصرة دين الله:

اتضح جليًا في مليونية نبذ العنف واستهجانه تقسيم الإسلاميين المسرح السياسي في مصر إلى معسكرين، أحدهما إيمان وخير وتمسك بالشريعة، والآخر كفر وشر ومحاربة لها، ضاربين نموذجًا جديدًا في قواعد وأصول اللعبة السياسية التي تُحسم صراعاتها بقدرات لاعبيها وعناصر قوتهم البعيدة عن كفرهم أو إيمانهم، فحولوا الصراع إلى معركة من أجل نصرة دين الله، الذي جعلوا من رئيس البلاد ممثله، وحامل لوائه، ورافع راياته، ومؤيديه هم الواقفون خلفه حتى تبقى الرايات مرفوعة، أما المعارضون فهم نصارى ، أو ملحدون، أو كارهون للشريعة، والخطورة تكمن في احتمالية إسقاط مرسي التي ستعتبرها قواعد تنظيم الإخوان والتنظيمات الحليفة، نكسة لدين الله تفرض الجهاد من أجل استعادة دولة الإسلام التي طالما أوهمتهم القيادات بتحققها على أيدي هذا الرئيس وجماعته.

والمفارقة أن حلفاء الجماعة الحاكمة الذين انبروا أمس في الدفاع عن رئسيها بصفته حامي الشريعة ومطبقها، هم من انتقدوه لعدم تطبيقه لها سابقًا، وحتى مضمون تصريحاتهم أمس يدلل على قناعتهم بذلك، التي تصدرتها عبارة "إذا أردتموها فوضى فالثورة الإسلامية قادمة"، وهذا معناه أن الثورة الإسلامية من أجل تطبيق شرع الله، وإقامة الدولة الإسلامية، لم تبدأ بعد. لكنهم في سبيل التحشيد في هذه المعركة تخلوا عن إعلان رفضهم بوضوح لسياسات لا علاقة لها من قريب أو بعيد بأية شريعة، حتى أن أعضاء جماعة "أهل السنة والجماعة" أكدوا أنهم "سعداء بسياسة الرئيس مرسي وقراراته وإنجازاته، وأنه هو على الطريق الصحيح".

لم يكن التناقض، وتغليب المصالح، هو سلوك دعاة تطبيق الشريعة فحسب، بل الجماعة الحاكمة أيضًا، التي طالما انتقدت فكر وممارسات الجماعات الجهادية والسلفية، ووصفته بـ "المنحرف"، الذي يأتي بنقيض مقصده، لكنها، وفي المشهد الأخير قبل زلزال مرتقب، تصدرهم للدفاع عنها وعن رئيسها وحكمها، ووكلتهم لترهيب وتهديد خصومها، بما يحمل في دلالته أيضًا هيمنة القطبيين على تنظيم الإخوان الذي احتشد شبابه أمس خلف قيادات التنظيمات المسلحة.

لقد تحولت المعركة السياسية في مليونية السلمية إلى "حرب صليبية"، على حد توصيف أحد داعمي الرئيس وجماعته (وجدي غنيم)، أوجبت الدعوة للرئيس ولسائر المسلمين (المؤيدين) بالنصر على المشركين، وتطمينه وإياهم بأن "من ولاك سيتولاك". وحتى يُحفز المؤمنين المهرولين إلى ساحات ميدان "رابعة العدوية"، أنشدت لهم أناشيد الجهاد حتى يرددوها وتُشحذ الهمم: (في حماك ربنا/ في سبيل ديننا/ فليعد للدين مجده/ أو تراق منا الدماء).

ما حاول الإسلاميون تصديره إلى جموع المصريين هو أنه لو بدا التعصب هو سمة الخطاب الرئيسي، فإنه تعصب من أجل الإسلام، لا من أجل سلطة أو منافع دنيوية، وقد ساعدتهم في هذا قواعدهم المحشودة إلى "رابعة العدوية" الذين أطلقت حناجرهم ما عبر عن قناعات طالما حرص التنظيم على بثها في عقولهم، وتثبيتهم عليها، وتوجيههم للدفاع عنها، مهما كلف الأمر، فقد صاحوا مرددين: "أنا مش باتعصب للإخوان أنا باتعصب للإسلام"، وهو ما يوضح حجم استخدام الدين في توحيد أفراد الجماعة ليس حول قيم مشتركة فحسب، بل أيضًا في إقامة التمايز بين الجماعة الداخلية والخارجية، وغرس الشعور في النفس بالصلاح مقارنة بغير السائرين في ركابهم، واحتكارهم دون غيرهم الحق والحقيقية، وتولي مهمة الدفاع عنهما وعن الدين الذي بالطبع يمثلهما، بكل الوسائل.

في نهاية جمعة "اللا عنف" توعد أنصار الرئيس وجماعته، باستئناف التظاهر في الأيام المقبلة، وأعلنوا أنهم في حالة جاهزية تامة لمواجهات 30 حزيران/ يونيو، حتى يبثوا الخوف في نفوس خصومهم العاقدين العزم على رفع البطاقات الحمراء في وجه الرئيس، والذين شاهدوا عبر الشاشات مليونية "نبذة" عن العنف، وأكملوا استعداداتهم "السلمية" لاستكمال ثورتهم، غير عابئين باستعراض القوة التي أظهر عام من حكم الجماعة خواء عناصرها.

النشرة الالكترونية

كلمات دليلة

عاجل

x