طرابلس: تمرّد مسلّح على الــجيش

الأخبار :

أوقفت استخبارات الجيش مدير مكتب «أهل النصرة» في طرابلس، فاشتعلت المدينة. جُنّ جنون المسلّحين، فتجاوزوا الخطّ الأحمر. تختلف المعركة هذه المرة عن سابقاتها بأن الجيش اتّخذ قراره بمنع إقفال ساحة عبد الحميد كرامي «مهما كلّف الأمر»

هل يتكرر سيناريو شادي مولوي مرة ثانية في طرابلس، أم أن المدينة مقبلة على معركة شبيهة بمعركة عبرا الأخيرة؟ وهل صدر قرار ما باستخدام عاصمة الشمال لإرساء «توازن» في وجه الجيش «ثأراً» لظاهرة الشيخ أحمد الأسير؟ هذه الأسئلة وغيرها طُرِحت بقوة في عاصمة الشمال أمس، غداة ما شهدته المدينة من انفلات أمني وصل إلى حدّ اشتعال اشتباكات متنقّلة بين الجيش والمسلحين الفالتين من أي عقال، على خلفية توقيف استخبارات الجيش غالي حدّارة، الممثّل الوحيد للشيخ أحمد الأسير في طرابلس، حيث يرأس مكتب «أهل النصرة في لبنان» الذي ترتفع عليه صورة عملاقة للشيخ الأسير.

وبحسب المعلومات المتوافرة عن حدارة، فقد ظهر الأخير في مقطع الفيديو الذي جرى بثّه قبل أيام على مواقع «يوتيوب»، يقف إلى جانب المطرب التائب فضل شاكر الذي تبنّى قتل شخصين قيل إنهما جنديان من الجيش اللبناني. وعلمت «الأخبار» أن سبب التوقيف يتعلّق بجريمة عبرا التي استهدفت الجيش وما تلاها من أحداث، لأن الموقوف كان على تواصل مباشر ودائم مع الشيخ المتواري عن الأنظار. غير أن إلقاء القبض على حدارة قوبل بهستيريا جماعية تمثّلت في نزول قادة المجموعات المسلحة ومقاتليهم إلى شوارع مدينة طرابلس، فور شيوع خبر توقيفه، معلنين تضامنهم معه وطالبوا بإطلاق سراحه. وقد بدأ الحشد عبر المساجد ومن خلال دعوات وُجّهت إلى مجموعات سلفية ومسلحي المدينة للنزول إلى الشوارع والساحات وقطعها، علماً بأن هذه الأفعال تكاد تُصبح تقليداً درجت عليه العادة في المدينة الشمالية كتعبير احتجاجي كلما أُوقف أحد المطلوبين. أما سبب تداعيهم للحشد تضامناً مع حدارة، فيرجع إلى كون الأخير مقرّباً من جميع قادة المحاور، إضافة إلى قُربه من مشايخ المدينة.
لم تكد تمر ساعات قليلة على توقيف حدارة، حتى تجاوب العشرات مع الدعوات إلى الاحتجاج، فنزلوا إلى شوارع القبة وباب التبانة وأبي سمراء والزاهرية والملولة والبداوي والمئتين وعزمي وساحتي التل وعبد الحميد كرامي (النور)، مُطلقين النار في الهواء، سواء خلال اعتصامهم في ساحة كرامي التي أطلقوا فيها قذائف «آر بي جي» انفجرت في الهواء، ما أثار أجواء رعب في المدينة، أو خلال تجوالهم فوق دراجات نارية وهم يطلقون النار بكثافة في الهواء ويجبرون أصحاب المحال التجارية على إغلاقها بالقوة.
هكذا بدأت. شادي المولوي، الذي من أجله أشعل المسلحون طرابلس لعدة أيام في أيار 2012 بعد توقيفه بشبه الانتماء إلى تنظيم القاعدة، وقف خطيباً بالمحتشدين. هدّد زاعماً أن (إمام مسجد التقوى وعضو هيئة علماء المسلمين) الشيخ سالم الرافعي فوّض إليه الطلب إلى المحتشدين البقاء في الساحة، قبل أن يوضح كل من الشيخ الرافعي وحسام الصبّاغ المسألة، مناشدين المتجمهرين ضرورة الانسحاب «لأن ذلك ليس من مصلحتنا ويُسيء إلى المدينة».
وتزامن نزول المسلحين، الذين كان أغلبهم ملثماً، مع انسحاب وحدات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي من الشوارع التي انتشروا فيها في الساعات الأربع والعشرين الماضية بهدف إعادة الهدوء إلى طرابلس، تجنباً لحصول احتكاكات بينهم وبين المحتجين والمسلحين.
كذلك قطع المسلحون طريق البحصاص بالإطارات المشتعلة، وطريق البولفار أمام غرفة التجارة والصناعة والزراعة، وأوتوستراد شارع المقاهي والمطاعم في منطقة الضم والفرز حيث أجبروا أصحابها بالقوة على إقفال أبوابها بعدما أطلقوا النار فوقهم ترهيباً، إضافة إلى جلبهم إلى ساحة كرامي فرشاً وخيماً تمهيداً لإقامة اعتصام دائم فيها.
وخشي مسؤولون أمنيون في المدينة من احتمال إقامة اعتصام دائم في الساحة على شاكلة الاعتصامات السابقة، وتدهور الوضع الأمني نحو الأسوأ كما حصل بعد توقيف مولوي، الذي أكّد أن المحتجين لن يخرجوا من شوارع طرابلس وساحاتها قبل أن يفرج الجيش عن الموقوفين.
لكن التطور الأمني الأبرز حصل قرب مستديرة السلام، عند مدخل طرابلس الجنوبي، حيث حصلت اشتباكات بين المسلحين وعناصر من الجيش اللبناني الموجودين في الملعب الأولمبي في المدينة، تبادل خلالها الطرفان إطلاق النار، ما أدى إلى شلّ حركة المرور في المستديرة التي يعبرها من يدخلون طرابلس من جهة بيروت ومن يغادرونها.
ولم يقتصر اشتباك الجيش مع المسلحين على ما حصل قرب مستديرة السلام، بل امتد إلى ساحة كرامي التي حصل فيها تبادل لإطلاق النار بين المسلحين وعناصر الجيش في مركزه في شارع الجميزات المجاور، وهو مركز سابق للحزب السوري القومي الاجتماعي كان قد وضعه في عهدة الجيش منذ أشهر، ما دفع الجيش إلى الرد ودخول عناصره إلى الساحة، مطلقاً قنابل ضوئية في سمائها، ما أجبر المسلحين على الانسحاب إلى الشوارع الداخلية.
ومن أجل تعزيز وجوده وإرساء الأمن في طرابلس، استقدم الجيش اللبناني مساءً أمس تعزيزات من فوجي المغاوير والمجوقل إلى المدينة، حيث عملت على فتح الطريق في محلة البحصاص قبل أن تتقدم باتجاه ساحة كرامي وشارع الجميزات، وباتجاه ساحة الكورة، حيث قامت بتفريق من تجمّع هناك من معتصمين ومسلحين، مستخدمة القنابل المسيلة للدموع والقنابل الدخانية، فضلاً عن تبادل الجيش مع المسلحين رشقات لإطلاق النار في محيط منطقة التل وعلى طريق الميناء، بعدما حاول مسلحون قطعها بالإطارات المشتعلة.
عمليات الكرّ والفرّ هذه التي استمرت حتى وقت متأخر من مساء أمس، دلّت على أن الجيش، وبعد ما جرى في صيدا، لن يقف مكتوف الأيدي أمام أي محاولة لاستباحة المدينة كما كان يجري سابقاً، لكن مع بروز مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى اصطدام الجيش مع المسلحين، وما يحمله ذلك من نتائج كارثية على طرابلس ككل، وخاصة في حال قرر المسلحون المضي في سياستهم ضد الجيش حتى النهاية، أسوة بما فعله الشيخ أحمد الأسير في عبرا. وأكدت مصادر أمنية أن الجيش لن يسمح بسيطرة المسلحين على الشوارع، ولن يرضى باحتلال ساحة عبد الحميد كرامي، «مهما كلّف الأمر».
وتجدر الإشارة إلى أن عدداً من قادة المجموعات المسلحة في طرابلس، وبينهم العقيد المتقاعد عميد حمود، كانوا قد التقوا أمس بمدير مكتب الرئيس نجيب ميقاتي في طرابلس رامي الرفاعي، على مأدبة غداء. وبحسب المجتمعين، فإن اللقاء ركّز على ضرورة التهدئة في المدينة وعدم الانجرار إلى أي استفزاز.
يُذكَر أن الأعمال المسلحة التي تبعت توقيف المولوي قبل 14 شهراً، والتي استهدف معظمها منطقة جبل محسن، انتهت بإطلاق القضاء سراح المولوي الذي حظي برعاية خاصة من الرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي.

النشرة الالكترونية

عاجل

x