الموقف الروسي وسيناريوهات المشهد الأوكراني

بقلم : مازن عباس مازن عباس
الثلاثاء هـ - 25 فبراير 2014م

لم تتوقف التطورات المتسارعة- التي تشهدها أوكرانيا- عند قرار البرلمان الأوكراني"الرادا" بعزل الرئيس فيكتور يانكوفيتش وتحديد الخامس والعشرين من مايو القادم، لإجراء انتخابات رئاسية عاجلة، بعد ان رفض التصديق علي قرار البرلمان بأعادة تفعيل دستور عام 2004 الذي يقلص صلاحيته، وإنما اعلن القائم بأعمال وزير الداخلية الأوكراني ان الرئيس فيكتور يا ناكوفيتش وعدد من اعضاء فريقه الرئاسي ستوجه لهم اتهامات تتعلق بقتل مدنيين أثناء الاحتجاجات الأخيرة وقد تم وضعهم علي قوائم المطلوبين للعدالة.

بداية الأزمة الأوكرانية

 بدأت الأزمة في أوكرانيا آواخر العام الماضي 2013، بعد تراجع الرئيس يانكوفيتش عن توقيع اتفاقية الشراكة مع الأتحاد الأوروبي، لكنها اتخذت منحي اخر منتصف يناير هذا العام، بعد ان صادق البرلمان الأوكراني علي قوانين تنظيم التظاهر وحماية الأمن التي تقدمت بها الرئاسة الأوكرانية، وهو ما اعتبرته المعارضة استمرارا لسياسات حكومة حزب "الأقاليم" الحاكم الساعية لتقييد الحريات وقمع المعارضة.

  ومع تفجر الأحتجاجات الشعبية الواسعة التي شملت عددا من المدن الأوكرانية، وعلي رأسها العاصمة كييف، بات واضحا ان ازمة نظام الرئيس يانكوفيتش لا تقتصر علي قراره بتجميد الأنضمام للأتحاد الأوروبي والذي اتخذه تحت ضغوط روسية، وانما لأسباب أخري أعمق من مجرد تراجعه عن القرار المذكور، كانت في مقدمتها الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها البلاد وانتشار الفساد في اجهزة الدولة الأوكرانية، حيث انضمت للحراك الشعبي الرافض لسياسات حزب" الأقاليم" قطاعات واسعة لا تنتمي لأحزاب المعارضة،ولا تري فيها بديل افضل لأدارة شؤون البلاد.

  وحدث الصدام، بين الثوار والدولة، فشهدت العاصمة الأوكرانية كييف علي مدار عدة أيام صدامات دامية واعتصامات في ميدان العاصمة، مما أسفر عن مصرع نحو 80 مواطن وعنصر أمن، وإصابة المئات بجراح، كما قامت اجهزة الأمن باعتقال مئات المتظاهرين واتهمتهم بالأرهاب واستخدام الأسلحة ضد قوات الأمن لإثارة القلاقل وزعزعة الأستقرار في البلاد.

 واتهم الرئيس يانكوفيتش جماعات المتطرفين القوميين القادمين من غرب أوكرانيا، بالعمل علي نشر الفوضي عبر محاصرة المؤسسات الحكومية ومراكز الشرطة، وإطلاق النار علي رجال الشرطة الذين يعملون علي حماية الأمن المجتمعي– بحسب الرئيس الأوكراني- دون أن يحملوا أسلحة نارية، وكالعادة في مثل هذه السياقات اعتبر الرئيس المخلوع يانكوفيتش مايحدث مؤامرة ضد اوكرانيا تنفذ بدعم خارجي، تستخدم فيها الجماعات المتطرفة وفق السيناريو الذي يطبق في سوريا ومصر وغيرهما من دول التي تم نشر الفوضى فيها.

من جهتها اتهمت المعارضة الأوكرانية نظام يانكوفيتش بقمع للحريات، وتدمير مصالح اوكرانيا ليس فقط عبر دعم وحماية انصاره من المسؤولين الحكوميين الفاسدين، الذي ينهبون ثروات البلاد، وانما ايضا عبر تجميد شراكة اوكرانيا مع اوروبا التي تعتبر المعارضة انها ستفتح ابواب البلاد للأستثمارات الغربية القادرة علي النهوض بالأقتصاد الوطني وانقاذه من ازماته المتلاحقة.

الموقف الروسي وشراكة الأوروبي

 جاء تراجع الرئيس الأوكراني عن توقيع اتفاقية الشراكة مع الأتحاد الأوروبي، التي كانت تهدف لإقامة منطقة تجارة حرة بين الجانبين، بعد مشاروات مكثفة بين موسكو وكييف، اعتبر فيها الكرملين ان هذه الاتفاقية تضر بالمصالح الروسية، وتفسح المجال لدخول البضائع الأوروبية إلي السوق الروسي عبر اوكرانيا مستفيدة من التسهيلات والإعفاءات المتفق عليها بين كييف وموسكو، وهو ما سيجبر روسيا علي التراجع عن العديد من اتفاقات التعاون والتسهيلات والأعفاءات التي منحتها لأوكرانيا.

هدد الموقف الروسي الرافض أو المتحفظ على الاتفاقية، بخسائر اقتصادية تصل إلي عشرات المليارات من الدولارات، والتي لن تغطيها المساعدات والقروض التي سيقدمها الأتحاد الأوروبي لأوكرانيا، إضافة إلي ان اتفاقية الشراكة التي تعتبر خطوة نحو انضمام اوكرانيا إلي عضوية الأتحاد الأوروبي كانت تلزم حكومة كييف بأجراء تعديلات كبيرة وجذرية في البنية التحتية للأقتصاد الأوكراني، ما يحتاج لميزانيات حكومية تزيد عن 70 مليار دولار،وهي غير متوفرة، ولا تبشر الأوضاع بإمكانية توفيرها من عائدات خزينة الدولة.كما انها تلزم حكومة كييف بإصلاح قوانين الانتخابات والمنظومة القضائية، بما فيها الوضع المتعلق بيوليا تيموشينكو(رئيسة الوزراء السابقة)، باعتبار أن هذه الاتفاقية معنية ليس بالاقتصاد ورفاهية الشعب الأوكراني فحسب، بل وبالقيم الأوروبية المشتركة أيضا.

هذا بالإضافة إلي أن الغرب لم يقدم تنازلات أو تسهيلات لأوكرانيا التي كانت تسعي لاستئناف التعاون مع صندوق النقد الدولي، للحصول علي قرض بقيمة 15 مليار دولار في إطار برنامج تمويل جديد، فقد اشترط الصندوق لتقديم القرض زيادة أسعار الغاز والتدفئة في السوق المحلي بنسبة 40 بالمائة، وتجميد أصول المرتبات، وتقليص بند النفقات في ميزانية الدولة، والإلغاء التدريجي لتسهيلات الضريبية المعمول بها حاليا بالنسبة للمؤسسات الزراعية.

 كما لم يساعد الأتفاق الذي وقعته روسيا مع أوكرانيا، والذي يقضي بتقديم قرض إلي حكومة كييف قيمته 15 مليار دولار، وشراء سندات حكومية بقيمة 2 مليار دولا، وكشفت تقديرات وزارة المالية الأوكرانية أن البلاد تحتاج  لمساعدات المالية تصل إلي نحو35 مليار دولار، تقدم خلال2014-2015، وعقب تصريحات رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الاتحاد الاوروبي إلمار بروك لأن الاتحاد مستعد لتقديم 20 مليار يورو لكييف بعد تشكيل حكومة أوكرانية جديدة لضمان إجراء الإصلاحات في البلاد.

اقترحت وزارة المالية بالإضافة للبنك المركزي ورئيس البرلمان الأوكراني ألكسندر تورتشينوف على الشركاء الدوليين(بولندا والولايات المتحدة)تقديم قرض لأوكرانيا خلال الأسابيع القادمة.وتجدر الشارة إلي ان الأزمة الاقتصادية في اوكرانيا وصلت إلي حد توقفها عن استيراد الغاز الروسي بعد أن تجاوزت ديونها أكثر من مليار دولار لشركة جاز بروم الروسية، وكان يقدر عجز الميزانية الحكومية الأوكرانية أكثر من 6 بالمائة، وبلغ انهيار سعر الجريفن الأوكراني في سلة العملات نحو 10 بالمائة، ما تسبب في ضربة قوية للعملة الوطنية لدول وسط وشرق أوروبا، حيث تراجع الزلوتي البولندي بنسبة 0.5 بالمائة وتراجع سعر صرف فورينت الهنغاري بنسبة 1 بالمائة، وزاد تدهور الوضع في اوكرانيا من حدة تراجع سعر صرف الروبل الروسي.

 

سيناريوهات المشهد السياسي في اوكرانيا

 يسير المشهد السياسي في اوكرانيا نحو عدة سيناريوهات أخطرها علي الإطلاق سيناريو تقسيم اوكرانيا إلي دولة في الشرق واخري في غرب البلاد، إذا ما تصاعدت حدة الصراع السياسي، ولم يتدخل الوسطاء الدوليون لتسوية الأزمة،

حيث تمركز الرئيس يانكوفيتش في مدينة خاركوف شرق البلاد،وأعلن أنه لن يوقع القوانين التي أصدرها البرلمان الأوكراني الخاصة باعادة تفعيل دستور عام 2004 واجراء انتخابات رئاسية عاجلة، معتبرا هذه القوانين غير شرعية. واضاف ان كل ما يحدث في البرلمان جريمة، واصفا المعارضين بأنهم مجرمون، وأكد يانوكوفيتش أنه لا ينوي مغادرة البلاد لأنه رئيس شرعي وقد حصل على ضمانات حماية من قبل الوسطاء الدوليين، مضيفا أنه سيدعو المجتمع الدولي إلى ايقاف المتطرفين.

واعتبر المراقبون أن مؤتمر نواب شرق اوكرانيا ومؤتمر المجالس المحلية، في شرق وجنوب أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، وجاء في بياناتهما باعتبار أن ما جرى في البلاد هو انقلاب مسلح بدعم خارجي، وتكليف السلطات المحلية بان تأخذ على عاتقها مسؤولية صيانة النظام الدستوري وأمن المواطنين في مقاطعاتها، خطوة انقسامية تم اتخاذها برعاية الرئيس يانكوفيتش ما ينذر بانه قد يلجأ لهذا السيناريو اذا لم يتم تنفيذ الأتفاق الذي وقعه مع المعارضة، أو التوصل لتسوية جديدة.

ويسود اعتقاد ان الرئيس يانكوفيتش يراهن علي ان يكون العامل الأقتصادى العنصر الحسم فى الصراع الدائر، باعتبار ان اقاليم الشرق تساهم بأكثر من 70بالمائة من الإنتاج القومي الأوكراني، حيث تضم جزء اساسى من القاعدة الصناعية الأوكرانية التى تقوم بانتاج الفحم والمعادن، والتى تشكل عائداتها حوالى 77 بالمائة من الدخل القومى للبلاد.بعبارة اخري يقدم شرق وجنوب اوكرانيا أربعة أخماس الدخل القومى بينما لا تصل مساهمة غرب أوكرانيا الذي ينتمي له اغلبية زعماء المعارضة لأكثر من 20 بالمائة من الدخل القومى.

  وفي ظل دعوات العديد من السياسيين الروس لإرسال قوات عسكرية من أجل حماية النظام القائم في اوكرانيا وحماية مصالح روسيا في المنطقة، ويبقي عامل الحسم بحسب المختصين في الشأن الأوكراني هو الموقف الروسي الذي قد يدعم يانكوفيتش، وبالتالي يفسح المجال لتمرير سيناريو الأنقسام، لكن العديد من المحللين يعتقد بأن موقف الكرملين الذي يؤسس عادة علي مصالح روسيا الجيوسياسية ونفوذها في الصراع مع الغرب، سيرتبط بشخصية الرئيس المتوقع للبلاد، ولايستبعد هذا الفريق ان تتراجع روسيا عن دعم يانكوفيتش في حال انتخاب يوليا تيموشينكو رئيس لأوكرانيا، بسبب صلاتها وتعاونها الأيجابي مع موسكو خلال توليها رئاسة الحكومة الأوكرانية، والتي سجنت بتهمة سوء استغلال السلطة بتوقيعها اتفاقية لاستيراد الغاز من روسيا عام 2009 ، ولا تزال روسيا تبحث عن مخرج من الأزمة المتفجرة في اوكرانيا عبر مفاوضات مكثفة تجريها مع واشنطن وباريس ووارسو.

النشرة الالكترونية

عاجل

x