تحديات التحول..سلطة الثقافة وثقافة السلطة المطلوبة في مصر

بقلم : صبرى سعيد صبرى سعيد
الإثنين هـ - 13 أكتوبر 2014م

حاول الخطاب السياسى المصرى الدعائى فى الكثير من الاحيان ان يفسر سبل تطور الثقافة العضوى والحى فقادها الى التشوه، جراء الاساليب المعتمدة لتحقيق رؤية احادية تفضى الى شمولية الثقافة. فالثقافة، نظرا لدورها الهام فى حياة البشر وعلاقتها بين المادى والروحى، هى الحركة الحيوية للحياة، وهى تستند الى موروثات اجتماعية وتاريخية تسهم فى تكوين جماعات البشر وانتاج ثقافتهم واعادة انتاجها فى حيز قومى معلوم: لغة واقتصاد وجغرافيا وموقعا وارضا وانماط سلوك ومواصفات متوازنة(1).

وبالاستناد الى هذا المفهوم، فان اعادة انتاج الثقافة بل ورؤية الارث الثقافى، هى ابنة الحاضر.. ولهذا فان عملية اعادة الانتاج من وجهة نظر تاريخ الثقافة هى عملية متصلة لا تنقطع بغض النظر عن الزاوية التى نقيس منها مدى تطور الثقافة فى لحظة ما من لحظات الزمان. فمثلا تمر الثقافة بحالة من الانقطاع، جراء وفود عناصر ثقافية اخرى او جراء ظواهر ركود داخلية او كلا العنصرين معا.

فنحن لسنا بحاجة للتذكير باهمية العامل الثقافى فى التحولات العاصفة الجارية الان على مستوى العالم باسره وعلى المنطقة العربية على وجه الخصوص وعلى مصر بوجه اخص... منذ يناير 2011 وحتى الان... فالانفجار المعرفى المستمر منذ عقود عدة والثورات التقنية فى وسائل الاتصال والتاثير والتمركز الحاد للانتلجنسيا الثقافية فى عدد محدد من البلدان، هذه العوامل وغيرها ساهمت فى بلورة ما يسمى بالثقافة العالمية القادرة على الاختراق والتاثير فى اى رقعة من العالم(2). لذا فهذه التحديات طرحت وتطرح على الثقافات الاخرى ومنها الثقافة المصرية تحدي القدرة على استيعاب هذه المتغيرات او قدرة هذه الثقافات العالمية على اختراق الثقافة المحلية ومدى مقاومة الثقافة الوطنية.

لقد اشتبكت الثقافة بالسياسة او بالمجال السياسى ومثلت - باعتبارها احد اشكال الوعى - عمودا هاما فى طبيعة النظام السياسى والتحولات السياسية وتفاعلت معها تاثرا وتأثيرا. ولعل ما مرت به مصر بعد يناير 2011م وما افرزته من افكار وشعارات وممارسات يفرض مناقشة الثقافة باعتبارها فعل تغيير وتطوير للواقع المعاش، وذلك استنادا الى الطاقات البشرية والمادية القادرة على انجاز ذلك الفعل وهى تتمثل فى توظيف المهارات والخبرات العلمية والتقنية فى اطار مشروع ثقافى يعطى للسلطة المعرفية موقعها الطبيعى من حيث هى سلطة اجتماعية حقيقية الى جانب السلطات الاخرى من سياسية واقتصادية.

ولعل احد اهم الاشكاليات التى يواجهها الباحثون فى جدلية العلاقة بين الدين والقانون والدولة فى ظل تحولات ديمقراطية نتيجة علاقات ديناميكية بين الثقافة والسياسة، هى هل الدين يساعد الديمقراطية ام يعوقها؟ وهل يمكن اخضاع الدين للقانون؟.

أولا: الديمقراطية بين الدين والقانون

ان العامل الاكثر حسما بالنسبة للديمقراطية من مسألة التنظيم الداخلى هو العلاقة بين دين معين ودين الدولة. فكلما كانت العلاقة بينهما اوثق، قل احتمال معاملة اولئك الذين ينتمون الى دين اخر أو اى عقائد اخرى ليس كمواطنين على قدم المساواة أو السماح بالتعبير العام الكامل عن هذا الدين او العقيدة – ايا كانت – المغايرة، وفى الحالات القصوى تنظر السلطات الدينية الى الدولة على انها الهيئة المقدسة المنوط بها الوفاء بمهمة دينية على الارض، وهو ما حاولت جماعة الاخوان المسلمين اثناء توليهم السلطة (يونيه 2012 الى يونيه 2013) ان ترسخه من محاولات هيمة الايديولوجية الدينية (مكتب الارشاد) على مؤسسات الدولة المدنية.

ومن هنا فان السياسة ببساطة شديدة تأخذ طابع حملات عسكرية دينية يجرى فيها المساس بحقوق المواطنين واضطهادهم او على اقل تقدير ممارسة سياسات التمييز او التهميش، وبالتالى تختنق كل انواع حريات التعبير المنصوص عليها فى الدساتير والمواثيق الدولية.

 ولعل التاريخ يذكرنا بالتجارب الاليمة لحملات القمع واعمال العنف والتى كان من نتيجتها أن ولدت الطائفية، ولكن سرعان ما التفتت الدولة المدنية الحديثة لذلك، ومنها انبثقت فكرة التسامح الدينى والعقائدى والايديولوجى .. فحتى ان كنا نعتقد ان ديننا هو الحقيقة الوحيدة التى لا معقب عليها، فان التسامح لا يعنى التخلى عن معتقداتنا، وانما يعنى منح الناس الكرامة الانسانية الاساسية يقررون لانفسهم ويشاركون فى صياغة احلام الوطن...

وجدير بالذكر ان التعصب هو اعتقاد باطل بان الانسان يحتكر لنفسه الحقيقة وان غيره يفتقر اليها، والتعصب له اوجه عدة فهناك التعصب العنصرى والتعصب القومى والتعصب الدينى وكل هؤلاء يشتركون فى سمة واحدة وهى الانحياز الى موقف الجماعة التى ينتمون اليها دون تفكير واغلاق ابواب العقل ونوافذه اغلاقا محكما حتى لا تنفذ اليه نسمة من الحرية. ويجتمع التعصب مع المحتوى الاجتماعى ليجعل من الانسان عدوا لذاته كادحا بالساعد، فى حين تمتلىء رأسه بافكار مستغليه من اصحاب الخطابات الماضوية. (مشاهد متعددة طوال الفترة منذ انتخابات نوفمبر 2011 حتى ثورة 30 يونيو من حرق للكنائس وقتل للبهائيين وغير ذلك من كافة انواع العنف ضد الاقليات).

فاذا كان ارسطو قد عرف الانسان بانه "حيوان ناطق" اى مفكر، فقد عرفه غيره- كما يقول العالم الفيلسوف امام عبد الفتاح امام – بانه "حيوان متدين" حتى إن هيجل نفسه قال ان الانسان وحده هو الذى يمكن ان يكون له دين .. ذلك ان التدين عنصر اساسى فى تكوين الانسان، وان الحس الدينى يكمن فى اعماق كل قلب بشرى .. هذه حقيقة لا مناص منها... ولكن عندما تتحدث عن شكل الدولة أو النظام الاساسى او العلاقات التى تحكم الحاكم والمحكوم.. فان الامر يتجاوز ذلك، لان الجميع – كما افترضنا – فى اعماقه هذا الحس الدينى. ومن هنا كان هناك سؤال قديم ظل مثار حوار طويل للباحثين والاكاديميين، لم يجدوا عنه اجابة بسيطة بنعم ام لا، ذلك ان الكثير بشأنه يعتمد على السياق.. هذا السؤال مفاده هو: هل الدين يساعد الديمقراطية ام يعوقها؟ فليس من الممكن حتى تقسيم ديانات العالم الكبرى الى فئات محكمة الحدود، كديانات داعمة للديمقراطية واخرى محايدة، وثالثة تضعف اثارها الديمقراطية، اذ تشمل جميع الديانات على مجموعة من النزعات المتنافسة .. ووجد الخبراء انه تاريخيا تلاحظ ان الديانة تؤيد الحق الالهى للملوك وتؤيد فى الوقت نفسه المذهب الجمهورى القائم على المساواة.. ونجد فى وقت واحد فى اطار دين واحد جماعات ذات نفوذ تعمل على دعم نظام حكم مستبد، بينما تخاطر جماعات اخرى بحياتها لحماية معارضى هذا النظام او لفضح انتهاكاته لحقوق الانسان.

لذلك فان الثقافة السياسية المعاصرة اكدت على ان سيادة القانون هى المبدأ البسيط القاضى بان يعمل الجميع فى اطاره على اساس السلطات المخولة لكل افراد الامة والمحددة قانونا.. ويمكن ارجاع هذا المبدأ الى فكرة ارسطو بان خير حكومة هى التى تقوم على سيادة القانون لا سيادة الاشخاص... ويمكن ببساطة اعتبار سيادة القانون حجر الزاوية للحرية الفردية وللديمقراطية على السواء... فبدونها لا يمكن ان تكون هناك حماية للحقوق الفردية.

ثانيا: مفهوم القانون ... حماية ضد الطغيان والتحيز

ادى العرف الليبرالى للديمقراطيات الغربية الى وضع دساتير مدونة لتكون بمثابة القواعد الاساسية (لحكم القانون). وكان تجميع وتنسيق الحقوق المدنية فى دساتير مدونة، يعد ضمانا حاسما ضد القهر السياسى .. وبناء على ذلك صحب اى تغيير كبير فى النظام الحاكم ادخال اصلاحات دستورية وصياغة قوانين جديدة مدونة.. 

ولما كانت مصر من اوائل الدول فى منطقة الشرق الاوسط ودول الجوار العربى والافريقى التى عرفت الدساتير المدونة، ابتداء من دستور شريف باشا 1882م وما تلى ذلك فى العديد من الدساتير فى ظل ظروف سياسية واقليمية معينة (دستور "1923" و "1930" ثم عودة دستور "1923" فى ظل الانتداب البريطانى ومصر كانت مازالت لم تكتمل سيادتها السياسية بعد..

 ثم دساتير ما بعد ثورة يوليو 1952م، دساتير 1954، 1956، 1958، 1962، 1971 وهو ما يطلق عليه الدستور الدائم، ثم ما تلا ذلك من تعديلات دستورية كان اخرها تعديلات عام 2005م).. حتى جاءت يناير 2011م وافرزت مرحلة انتقالية مرتبكة واقرت اعلانات دستورية حتى تمت الانتخابات الرئاسية وتم تشكيل جمعية تاسيسية كانت محل خلاف للقوى السياسية المدنية وتيار الاسلام السياسى .. وافرزت دستور كان محل خلاف، والذى يرى العديد من المحللين السياسيين والقانونيين انه كان يتسم بالعديد من العوار لتناقضه مع طبيعة مصر المدنية .. خاصة فيما يتعلق بالمواد التى تستند الى تفسيرات معينة بمبادىء الشريعة الاسلامية، اضافة الى فقدان العديد من المؤسسات الى الاستقلالية التى كانت تتمتع بها من قبل فى الدساتير السابقة..

طوال حكم الاخوان (يونية 2012 – يونية 2013م فى ظل دستور منقوص يتسم بالاعوجاج) فقد سارت الامور عكس مسارها الطبيعى فى مصر، بعد محاولات الانقضاض على السلطة القضائية.. ثم جاء دستور 2014م ليعيد التوازن ويرسخ لمفاهيم الدولة العصرية الى حد كبير... وقبل ان نسرد مفردات هذا الانقضاض يجب ان نحدد اولا مفهوم سيادة القانون:

تقوم سيادة القانون كما يقول جيمس ل. جيبسون على ما يلى:

  • يعد القانون سلطة تعلو كل السلطات وبذلك فهو الحكم وفقا للقانون.
  • يجب ان يكون القانون واضحا ومجددا فى محتواه ومضمونه.
  • يجب ان يعمم تطبيق القانون ويشمل الجميع.
  • يجب ان تتواجد سلطة قضائية مستقلة عن تفسير القانون وتطبيقه، ولأن يكون اللجوء اليها متاحا وميسورا، وحقا لكل من له مظلمة.
  • يجب ان يكون للقانون مضمون اجرائى واخلاقى.

ويطبق مفهوم سيادة القانون بصورة نموذجية على الدولة، فسيادة القانون هى اداة التحكم الشرعية لكل من يتولى اى سلطة ويديرها، وتلتزم بها السلطات التزاما دقيقا وصارما.

وعطفا على ذلك يجب ان تخضع جميع السلطات السياسية والمسئولين فى الدولة للقانون وان تكون لسلطاتهم حدود ضمانا للحقوق والحريات والمبادىء المدنية، وأهم ما فى ذلك انه يأتى بالفصل بين السلطات مباشرة، وتاكيد النص على استقلال السلطة القضائية وضمان عدم صيغ المحاكم بالصيغة السياسية او الدينية..

من المعروف انه فى النظم شبه الاستبدادية او التى يتسم قوامها السياسى بالفساد يتم اخضاع القانون للمصالح الخاصة .. وتصبح تصرفات المسئولين والنظام السياسى برمته يندرج سلوكهم الى "انعدام كيان القانون". ورغم ذلك لا تعلن اى حكومة استبدادية – ايا ما كانت – انكار سيادة القانون طالما كانت سيادة القانون وسيلة قوية وشاملة لاضفاء الشرعية على تصرفات السلطة .. فمن الممكن ان تخدم الشرعية القانونية بعض الطغاة كما تخدم الديمقراطيين على حد سواء.. (كما حدث اثناء فترة حكم محمد مرسى وجماعته يونيه 2012 – يونيه 2013)

ثالثا: مصر وشرعية القانون بعد 2011.

وفى مصر بعد يناير 2011م تحديدا تجذرت عناصر استراتيجية للحكومة لاكتساب الشرعية من خلال استخدام القانون فى محاولة تكوين انطباع أن جزءا على الاقل من الكيان الحاكم وهو النظام القانونى مستقل، وهو ما تنفيه ممارسات السلطة السياسية طوال فترة حكم محمد مرسى (اعلان دستورى – استفتاء على الدستور  دون توافق ورضاء وطنى عام  - تعديل الاعلان الدستورى – اقالة النائب العام وتعيين اخر دون موافقة السلطة القضائية "المستقلة افتراضا" – محاولات لتمرير قانون السلطة القضائية الخاص بسن معاش القضاة) .. وهكذا خاصة اذا اخذنا فى الاعتبار ان بعضا من فئات المجتمع المصرى والقوى الاجتماعية المختلفة رغم تبايناتها الطبقية والتعليمية الا انهم كانوا يولون الثقة الكبيرة فى السلطة القضائية والمؤسسة القانونية بشكل عام، باعتبارها احد ركائز الدولة المعاصرة الهامة التى دونها – وبوعى بسيط لدى رجل الشارع - يتحول المجتمع الى غابة يأكل فيه القوى الضعيف والغنى الفقير، اكثر مما حدث اثناء فترة محمد مرسى بالفعل نتيجة العشوائية الساسية وحالات الانفلات المتكرر.

وهنا يطرح السؤال؟ الى اى حد ترتبط الثقة فى المؤسسات القانونية بتأييد سيادة القانون؟ .. يمكن افتراض ان الذين يثقون فى مؤسسات القانون يؤمنون ايضا بسيادة القانون لايمانهم بأن القانون سيطبق تطبيقا عادلا. وعلى العكس، ربما كان الذين لا يثقون فى المؤسسات القانونية غير مستعدين للالتزام بطاعة القانون.

ومن ثم يعد هذا مبررا لافتراض وجدود علاقة ايجابية بين درجة الثقة فى القانون وتاييد سيادة القانون. فعلى سبيل المثال – كان المصريون يفقدون الثقة فى كافة الانتخابات سواء الرئاسية او البرلمانية فى مرحلة ما قبل يناير 2011م، وكان السبب الرئيسى عدم قناعتهم او ايمانهم او ثقتهم فى الجهاز الأمنى او الإدارى الذى كان يشرف على هذه الانتخابات، وربما يعد قانون مباشرة لحقوق السياسية فى العقد الاخير من عصر نظام مبارك والذى اكد على اشراف القضاة على الانتخابات، انعكس ذلك على اعداد المصوتين فى الانتخابات والمشاركين من ناحية وعلى قبولهم نتيجة الانتخابات من جهة اخرى لثقتهم بان القضاة او المؤسسة القانونية برمتها جديرة بهذه المهام دون تزوير او تزييف وهو عكس ما جرت فى الانتخابات البرلمانية لعام 2010 والتى كانت سببا رئيسيا لما حدث فى يناير 2011م وازاحة نظام مبارك.

وعلى عكس ذلك تقبل المصريون – رغم الاختلافات الايديولوجية او تعدد الاطياف السياسية – نتيجة الانتخابات الرئاسية فى 2012م بنجاح محمد مرسى رئيسا وقبول نتيجة اللجنة العليا للانتخابات والتى كانت مكونة من كبار قادة وشيوخ القضاة، اضافة الى الاشراف القضائى الكامل على العملية الانتخابية برمتها...

الا ان ما حدث فى مصر بعد ذلك، هو ان الفروق بين القانون والسياسة والمجتمع فروقا مصطنعة، ولم تكن القوانين هى فقط المعايير المنظمة لتسيير دفة الحياة، بل اعتقد البعض انها كانت نتاجا لايديولوجيات نظام الحكم. وتؤكد كافة البحوث العلمية ان القانون وما يتصل به من الظواهر يرتبط والمؤسسات القانونية والثقافات ارتباطا وثيقا بتطور الديمقراطية ودرجة نجاحها او فشلها، ويعد هذا أساسا عاما ولو لم يكن متفقا مع طبيعة الارتباط بمنظور "احترام القانون" الذى يعد احد المبادىء الاساسية التى تعد ضرورية لقيام الحكومات بعملها الفعال العادل.

فالديمقراطية السياسية ينظر اليها على انها الوضع الذى تتضاءل عنده القوة السياسية لطبقة الصفوة وبتعاظم القوة السياسية لغيرهم، ومن هنا يصبح القانون من الضرورات، وتعتمد فعالية الحريات السياسية المطلوبة وصحة الانتخابات وطبيعتها الإلزامية على رغبة الصفوة السياسية والجماهير فى التمسك بالقوانين الشرعية التى قامت عليها الحريات السياسية وعلى الالتزام بالقانون .

وهنا يطرح التساؤل التالى: هل سيادة القانون فقط مجرد وضع مجموعة من النصوص او وضع دستور ومجموعة من التشريعات، الإجابة تبدو – خاصة فى الانظمة السياسية قيد التحول الديمقراطى بالمعنى الحديث كحالة مصر بعد يناير 2011م – غير ذلك، وانه ربما كان اهم عنصر يحقق سيادة القانون هو وجوده فى ثقافة الامة، وبناء على ذلك فاولى معايير الدولة العصرية هو سيادة القانون، ولنفهم عبارة سيادة القانون المصطلح، فالعنصر الاساسى له هو الشمولية اذ يجب احترام القانون احتراما مطلقا ولو كانت نتائج احترامه والالتزام به غير مرضية، سواء على صعيد النخبة الحاكمة او غيرها....

فخرق القانون لا يمكن قط تبريره، فالقانون هو الاساس الذى يرتكز عليه اى مجتمع متحضر، وعدم احترامه من جانب شخص او جماعة انما يشجع الاخرين على التصرف بالمثل (قضية النائب العام المصرى – والمحكمة الدستورية مثالا). (اثناء فترة حكم محمد مرسى).

ولو انه قدر لكل فرد ان ينتقى أو يختار القوانين التى عليه ان يلتزم بها، لسرعان ما تفكك اطار القانون الذى يعتمد عليه المجتمع ومؤسساته باكمله. وفضلا عن ذلك، فان لدى المواطنين فى ظل مجتمع ديمقراطى قنوات دستورية متاحة لهم لتغيير القانون (التصويت فى الانتخابات، ممارسة الضغط من جانب ممثليهم – تنظيم حملات قانونية لاقناع المواطنين والحكومة بضرورة تغيير القانون الجائر او السياسة المهينة).  

ويمكن ببساطة اعتبار سيادة القانون حجر زاوية للحرية الفردية وللديمقراطية على السواء .. فبدونها لا يمكن ان تكون هناك حماية للحقوق الفردية فى مواجهة السلطة التنفيذية..

ولما كان مصدر القانون هو دستور ديمقراطى، فانه يجب ان يكون التزام السلطة التنفيذية وعلى راسها رئيس الجمهورية به احد مقتضيات الديمقراطية، ويجب من ثم اعتبار اى محاولات لتجاوز القواعد الاجرائية او القانونية بدعوى المصلحة الوطنية او التطهير او الاصلاح (كما كان يشاع فى ظل الازمة ما بين الرئاسة ومؤسسة القضاء اثناء فترة حكم محمد مرسى) منافية للديمقراطية.

اضافة الى ان سيادة القانون لا تكون فعالة الا بقدر ما تكون هناك هيئة قضائية مستقلة للحفاظ عليها ويكفى ان نشير هنا الى ان المادة (1) من المبادىء الاساسية للامم المتحدة بشأن الهيئة القضائية تقضى بان تكفل الدولة استقلال السلطة القضائية وان يسجل هذا الاستقلال فى دستور البلد وقوانينه (وهو ما كان يحدث طوال تاريخ مصر الدستورى). وهذا الاستقلال هو استقلال جماعى للهيئة القضائية عن السلطة التنفيذية وتدخلها وهو ايضا شخصى لكل من القضاة فى اداء مهامهم دون خشية او مجاملة، وهو ما تجذر فعلا فى دستور مصر المدنى 2014م.

رابعا: مصر وتحديات ما بعد ثورة 30 يونيو.

كشفت تجربة حكم محمد مرسى وجماعته طوال عام كامل عن مدى تعصب هذه الجماعة وتصدير خطاب فاشى يتسم بالخروج عن قيم الدولة الحديثة .. ولعل ما حققته مصر من تنفيذ الاستحقاقية الاولية من خارطة المستقبل التى تم الاتفاق عليها بعد ثورة 30 يونيو، يؤكد الإيمان المطلب بعودة مفهوم الدولة العصرية.

من المؤكد بل من اليقينى ان مفهوم الدولة عندما ترسخ كان الهدف منه هو تنظيم حركة المجتمع والحفاظ على تماسكه وامنه من خلال مؤسسات بعينها موكل اليها اختصاصات محددة، تتكامل وتتقاطع جميعا من اجل مصلحة المجتمع وكافة اعضاءه، وعندما وجد القانون وجد لتنظيم حقوق وواجبات اعضاء المجتمع والاحتكام الى النصوص القانونية التى تحفظ لكل فرد من افراد المجتمع حقوقه.

ومن يعتقد ان اى تطور او اصلاح او تنمية على اى صعيد من الاصعدة وفى اى دولة من الدول يمكن ان يتم دونما ان تتوفر للدولة هيبتها واحترامها، لهو اعتقاد خاطىء.. خذ هذه الفقرة الحمراء وضعها في مقدمة تشييرها..

 لكن فى المقابل فان اهم التحديات التى تواجه مصر الان بعد انجاز الاستحقاق الثانى هو ان الحكومة الديمقراطية يرجح لها، اكثر من اى شكل اخر من اشكال الحكم، ان تفى باحتياجات عامة الناس...

 فكلما كان لرأى الشعب وزن اكبر فى توجيه السياسة، زادت امكانية ان تعكس هذه السياسة شواغله وتطلعاته... فحسب القول المأثور الذى شاع فى اثينا "الاسكافى هو الذى يصنع الحذاء، ولكن لابس الحذاء هو وحده الذى يستطيع ان يدل على الموضع الذى يعض على قدمه"... وعامة الناس هم من يعانون علميا اثار سياسة الحكومة... ولن تضع سياسة الحكومة هذه المعاناة فى الاعتبار الا اذا كانت هناك قنوات فعالة ومتساوية للتاثير من ادنى.

ومن هنا يجب على الحكومة الراهنة ان تراعى ابعاد الملفات الشائكة التى تنفجر فى المجتمع سواء كان ذلك نتيجة لسياستها ام لاسباب خارجة عن ارادتها او نتيجة لحراكات سياسية واجتماعية واقتصادية لم تكن فى حسبان استراتيجيات الحكومة ...وهو ما يجب على الفور وضع الخطط اللازمة وبشفافية كبيرة للتعامل والتصدى لهذه الملفات ايا كانت حتى لا تشاع الفوضى واليأس فى بنيان المجتمع ... ولا تستسلم الحكومة لحالات السيولة والميوعة التى من الممكن ان يمر بها المجتمع نتيجة لحراكات وتفاعلات سياسية كانت ام اقتصادية.

وبغض النظر عن كافة التفصيلات والإخفاقات، وبغض النظر عما يدور داخل كواليس الاحزاب والقوى السياسية من صراعات او جبهات، وبغض النظر عن التباينات فى الرؤى بين الاصلاحيين والراديكاليين، بغض النظر عن الثقة او عدم ثقة شرائح من المواطنين او النخب السياسية فيما هو حادث الان، بغض النظر عن كل هذا إلا أن الجديد فعلا بعد تنفيذ الاستحقاقين الاولين من خارطة المستقبل هو ارهاصات الدولة الجديدة المدنية .. كيف؟؟ أولا: بالاعتراف بان هناك تحديات يجب التفاعل معها. وأولى معايير الدولة الجديدة الصراحة والشفافية وابلاغ الرأى العام بما يدور وبما يحدث.. ايمانا وقناعة باهميته الفعالة ...

 ثانيا: لا تتم هذه الصراحة والشفافية ولا يمكن اعمالها واحداث تأثيراتها الا من خلال بناء ديمقراطى حقيقى.

فالديمقراطية لا تتعلق فقط بمجال الدولة او الحكومة حسب ما ننزع عادة الى اعتقاده، فالمبادىء الديمقراطية ذات صلة وثيقة بالاتخاذ الجماعى للقرارات فى اى نوع من التجمعات، ذلك ان هناك فى الواقع علاقة هامة بين الديمقراطية على مستوى الدولة او الحكومة وبين الديمقراطية فى المؤسسات المجتمعية الاخرى... والتى محورها هو المواطن ... فهذا هو الجديد فى الدولة الجديدة ... دولة ترسخ من الان فصاعدا قيم البناء الديمقراطى للمجتمع الحديث القائم على الشفافية والصراحة والاعتراف ... والتأكيد على ثوابت العمل الوطنى وهى: توطيد الدعائم الاساسية لدولة مدنية تتأسس على قيم المواطنة فى ظل تعددية حزبية تنأى بمجتمعنا عن اى تنظيمات تنشأ على مرجعية دينية تفرق ولا توحد او ميليشيات دينية تهدد امن المجتمع واستقراره وسلامته، وعدالة اجتماعية توفر توزيعا متوازنا وعادلا لثمار التنمية والتزاما بواجبات واستحقاقات حددها الدستور الجديد، وامن مصر القومى بابعاده باعتباره حجر الزاوية فى الاستقرار والتوازن .. وان النظام الجديد لابد والا يستند فقط الى شرعية وجوده ولا الى شرعية حكومته عبر صنادق الانتخابات فقط.. وانما يواصل بذل الجهد لتجسيد الدولة المدنية الحديثة .. وتعنى الاهتمام بقضايا التشغيل ومكافحة البطالة وزيادة الاجور وزيادة الدخل القومى وتجاوز أزمة الغذاء والرعاية الصحية وتطوير نظم التعليم  ركيزتا التنمية البشرية، واصلاح نظم التأمينات الاجتماعية والمعاشات ليغطى كافة فئات المجتمع، وتوفير التامين الصحى ليضمن حق كل مواطن فى الرعاية الصحية بحسب حاجته... هذه هى المعايير الاجتماعية والاقتصادية للدولة المدنية الحديثة ... الجديد هو وضع استراتيجات الوصول الى تحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق الخدمات العامة وتوفيرها... الجديد هو تفعيل وتدعيم العلاقات مع الاحزاب والتفاعل مع منظمات المجتمع المدنى. الجديد اخيرا ترسيخ المواطنة والمساواة امام القانون وتمثيل كل المصريين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية او المهنية او الاقليمية وانجاز التنمية عبر الاستخدام الامثل للموارد الوطنية بما يحقق العدالة ووضع المصلحة الوطنية فى المقام الاول عند رسم علاقات مصر الخارجية.

 

النشرة الالكترونية

كلمات دليلة

عاجل

x