جمال البنا.. شقيق المؤسس الذي تنبأ بسقوط الجماعة!

بقلم : عبد الحليم حافظ عبد الحليم حافظ
الثلاثاء هـ - 25 فبراير 2014م

تمر بنا هذه الايام الذكرى السنوية الاولى لرحيل المفكر ( الاشكالى ) جمال البنا الذى غادر دنيانا عن عمر يناهز 93 عاما بعد حياة صاخبه حافله بالعطاء ومثيرة للجدل تميزت بإنتاج معرفى غزير خلًف على أثرها تراثا فكريا" يربوا عن 150 كتابا فى كافة النواحى المعرفيه بالاضافة لمئات المقالات والدراسات واللقاءات الحوارية التى بثتها الفضائيات ونشرتها الصحف والمجلات .

بدأ جمال البنا رحلته فى عالم التأليف مبكرا" وكان تركيزه منذ البدايه على البعد الاجتماعى وقضاياه فأصدر فى عام 1945 كتابا" بعنوان ( عقبات فى طريق المجد : الفقر و الجهل والمرض ) وآخر بعنوان ( الاصلاح الاجتماعى ) ، ثم أعقبه فى العام التالى إصداره لكتاب بعنوان ( ديموقراطية جديده ) مايعكس إهتمامه المبكر بقضية أخرى لاتقل أهمية وهى مسألة الديموقراطيه وحرية الفكر والرأى والاعتقاد ، ثم توالت بقية كتبه فى الصدور ، حتى إشتهر العديد منها وأحدثت جدلا" واسعا ولاقت رواجا" كبيرا" فى الوسط الفكرى وكان من أهمها «الإسلام دين وأمه وليس دينا ودولة» و«تجديد الإسلام» و«الإسلام والعقلانية» و«مسؤولية فشل الدولة الإسلامية» و«كلا ثم كلا» و«الإسلام وحرية الفكر» و«الإسلام كما تقدمه دعوة الإحياء» و«روح الإسلام» و«تفسير القرآن الكريم بين القدامى والمحدثين» و«الإسلام والحركة النقابية» و«تفنيد دعوى النسخ في القرآن» و«الجهاد» و«الحجاب» و«المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء» و«إخواني الأقباط» ، إلا أن أهمها جميعا" هو كتابه «نحو فقه جديد» الذى أصدره فى ثلاثة أجزاء محددا فيه ملامح مشروعه الفكرى وخطوطه الرئيسيه وأثار هذا الكتاب ضجة كبرى نتج عنها هجمة شرسه من فقهاء وعلماء المؤسسات الرسميه كالأزهر ودار الإفتاء وغيرها وصلت الى درجة مطالبتهم بمصادرته ، حيث دعا فيه إلى إبداع فقه جديد يختلف عن الفقه القديم، ولا يلتزم ضرورة بالتفسيرات  أو علوم الحديث  أو أصول الفقه .. الخ ، حيث يرى جمال البنا أن الفقهاء عندما فشلوا في مواجهة السلطة السياسية أيام الحكم الأموي، التجأوا إلى فقه العبادات كتعويض نفسي عن هزيمتهم أمامها، مما أدى إلى تضخم أبواب الفقه وخاصة فقه العبادات  فشكًل ذلك عبئا ثقيلا و مقيدا للعقل الفقهى يحول دون الاجتهاد والابتكار الذى عُرف به فى بداياته الأولى ، لذا فهو يرى من هذا المنطلق ضرورة العودة إلى «النص المؤسس» وهو القرآن الكريم والصحيح المنضبط من السنة النبويه و يعتبرهما المرجعيه الاسلاميه الملزمه للمسلم المعاصر ،ولا يمل البنا من التأكيد على أن ما نتعبد به اليوم ليس إسلاما وإنما هو “من إبداع الفقهاء، فهذا هو إسلام الفقهاء الذي كان انعكاساً لمشاكل عصرهم الذي لا يشبه عصرنا نحن» .
وكانت لجمال البنا حساسية بالغة من المؤسسات الرسمية لأنها حسب رأيه لا تعمل إلا على تفريخ أنماط جامدة ومتشابهة في الفكر، ويؤكد في كتاباته أن الأزهر ليس وحده من ينبغي أن يقوم بعملية البحث في شؤون الدين، بل “من حق كل إنسان التعمق في النصوص الدينية وإجراء البحوث فيها استنادا إلى العقل والقراءة التاريخية لهذه النصوص وأسباب نزولها والظروف التي صدرت في ظلها، ومدى توافقها مع العصر الراهن وحدود ما هو صالح نأخذ به، وما تقادم عليه الزمن يرمى جانبا» .

ومن أشهر المعارك التى خاضها جمال البنا هى معركته حول كتابه ( مسؤولية فشل الدولة الاسلاميه فى العصر الحديث ) الذى تنبأ فيه بفشل أى محاولة لتأسيس الدولة الاسلامية حيث أنه لايعترف من الاساس بهذا المصطلح حيث يشير جمال البنا إلى أن التجارب الإسلامية لقيام دولة دينية في كل من الجزائر والسودان وأفغانستان وباكستان قد ثبت فشلها، وأن تجربتي إيران والسعودية تجربتان مأزومتان ، فضلا عن أنهما لا يمكن اعتبارهما حكمًا صالحًا ، وأوضح البنا أن التشبث بقيام دولة إسلامية قائم على تصور مغلوط للآية “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” حيث يتصور أصحاب فكرة الدولة الدينية أن الغرض الوحيد للإسلام هو العبادة ، ومن ثم اختزلوا الإسلام في غرض العبادة ، وبالتالي جعلوا الدولة الإسلامية هي الغاية التي يسعون إليها حتى يعبد الناس ربهم حق العباده ، وهذا أمر غير متصور لأن الدولة حسب البنا هي أداة قهر وقمع ، ولذلك فإنه عندما تقوم دولة على قيم دينية سواء كانت إسلامية أو مسيحية فإنها سوف تفسد هذه القيم وتلك العقائد ، لأنه السلطة إذا ما دخلت في مجال العقيدة بسجونها وجيشها وبوليسها أفسدتها ، وبرهن على كلامه بفساد العقيدة بدخول السلطة في مجالها ، حيث تحولت الخلافة الإسلامية إلى ملك عضوض منذ معاوية (40 هجرية) وحتى سقوط الخلافة في 1944.

ويرى البنا أيضا أن أسباب فشل التجارب الإسلامية في قيام دولة دينية عديدة متعدده ؛ ومن أهم تلك الأسباب وفقًا لرأيه هو انعدام الحريات في كل التجارب الإسلامية حتى يكاد أن يكون ذلك السبب هو القاسم المشترك الملازم لكل هذه التجارب ، بالإضافة إلى سبب آخر يتعلق بعدم حفاظ هذه التجارب على الحد الأدني من كرامة الإنسان في هذه المجتمعات دون تمييز بين رجل وامرأة أو أبيض وأسود ، كما يأتي ضمن أسباب فشل الدولة الإسلامية في تجاربها المختلفة إهمال الوظيفة الرئيسية للدولة وهي التنمية ، إذ أنه - لا تنمية مع إستبداد - كما هو معروف .

ولقد ختم جمال البنا رحلته فى عالم التأليف بإصدار كتاب وثائقى فى تسعة أجزاء وهو كتابه ( من وثائق الاخوان المسلمين المجهوله ) وهذا الكتاب يعد فى تقديرى من اهم كتبه أيضا ، لأن هذا الامر - أعنى نشر الوثائق الخاصة – هو من الامانة التى يجب ان يؤديها كل باحث حريص على إظهار مابين يديه من أوراق تخص مرحلة ما من تاريخ الحركات والجماعات الموجوده على الساحه خاصة اذا كانت جماعة فى حجم الاخوان المسلمين وتقلباتها فى أمواج الحياة السياسية والاجتماعيه فى مصر، ولعل ذلك يقودنا للحديث عن قضية مهمه وهى رأى جمال البنا فى الاخوان المسلمين ونقده لهم .

فعلى الرغم من مرافقته لأخيه حسن البنا مؤسس جماعة الاخوان المسلمين ذات التوجه الراديكالى المحافظ ، واحترامه وتوقيره له لدرجة أنه يتخذ منه القدوة والمثال ، وكان كثيرا" مايدافع عنه وينفى أى شبهة أو تهمة يتم إلصاقها به ، إلا أنه تحرر مبكرا" من ذلك التماس ، مفضلا" الاستقلالية الفكريه والتنظيميه بعيدا" عن أى انتماء ، بل مضى لما هو ابعد من ذلك فى نقده لجماعة الاخوان المسلمين فيعيب عليها عدم إدراكها للبعد الزمنى وتجمد افكارها عند حدود ماجاء به المؤسس ، مما جعله يصنفها على أنها جماعة سلفيه لاتختلف كثيرا عن الجماعات السلفيه الأخرى ، لابتعادهم من وجهة نظره عن رؤية حسن البنا باتجاه أكثر تشددا نحو تبنى تفسيرات وأفكار سيد قطب ، وتأثرهم بالفكر الوهابى الذى انتشر فى حقبة السبعينات ، فكان يحلو له كثيرا" أن يقول ( لو كان شقيقى على قيد الحياه لربما لم تختلف آراؤه كثيرا عن آرائى ) وصرح أكثر من مره بقوله : أن هناك فرقا كبيرا بين الاخوان فى الاربعينات فى عهد حسن البنا والآن  .

و بالاضافة لرأيه هذا فهو يرى أيضا أنهم تخلوا عن منهج حسن البنا فى أمر آخر أشد أهمية وهو العمل فى السياسة والانشغال بها وخلطها بالعمل الدعوى بدون فصل أو تمييز ، حيث يؤكد جمال البنا أن أخيه  كان يرى الابتعاد عن السياسة وتأسيس الاحزاب او الاندماج فيها وأن هذا الامر لم يتطرق اليه تفكير حسن البنا من الاساس ، ولعل فى ذلك ماجعل جمال البنا يرى ان الاخوان فى الوقت الحالى جماعة تتعامل بانتهازيه ، مما أدى لشد خيوطها نحو العنف بعيدا عن المنهجية السلميه وتحكيم العقل .

الا ان لجمال البنا رأى آخر أكثر أهمية وقد يفسر لنا الكثير مما نراه من أحداث فى هذه الايام ، فقد قال في إحدى مقالاته بتاريخ 15 فبراير 2012 ناقدا الأداء السياسي للإخوان بعد الثورة إن " جماعة الإخوان منظمون ومؤمنون لكن ثورة يناير لم تكن ملكهم أو أنهم قد فكروا بها ، بل عندما وجدوها جادة شاركوا فيها، ولكن لديهم داء عدم الإيمان إلا بفكرتهم ولا يتبعون إلا فرديتهم ولا يعملون مع الآخرين وهم الآن يفرضون وصايتهم على الأشياء " .

كما ينفرد جمال البنا بنبوءته المبكره عن فشل تجربة الاخوان فى الحكم وقد ورد ذلك فى حواره مع جريدة الاشتراكى بتاريخ 3 – 8 – 2011 م حينما قال : عندما أسمع دعاوى الإخوان ، أقول إعطوهم الحكم أما نشوف هيعملوا إيه ؟ ومع ذلك لن يستطيعوا عمل شئ لأنهم ليست لديهم برامج وبذلك نكون قد وضعناهم أمام الأمر الواقع ، وقد أثبتت نتائج الاحداث فيما بعد صحة وجهة نظره فى كلا الأمرين .

آمن جمال البنا بقيمة الانسان ، فالانسان على حد قوله هو الغاية والاسلام هو الوسيله ويأخذ على الفقهاء أنهم يعملون من أجل الاسلام فى حين ان الاسلام نفسه جاء من أجل الانسان وله فى ذلك كلمة شهيره ( الاسلام يريد الانسان والفقهاء يريدون الاسلام ) مايعنى ان هناك من الفقهاء من يصدرون احيانا فتاوى تُحمل الانسان مالا يطيق فى حين ان الاسلام نفسه أبسط من تعقيداتهم وتضييقهم ، لذلك كان دائما ما يطرح سؤاله المهم : لماذا يحرص فقهاء المؤسسة الدينية اليوم على انتهاك حقوق الرعية في التعبير عن الرأي والتفكير، ولماذا يقفون في وجه اجتهادات المجددين للوصول لحلول مشاكل المسلمين المختلفة والمتغيرة بتغير مجتمعاتهم ؟

وهذا السؤال هو نفسه الذى كان يدفعه دوما للوقوف بوجه كل من يقصر حق الحديث باسم الاسلام على الفقهاء أو الجماعات والمؤسسات الدينيه وحدهم ، فهو يذهب إلى أنه لا تجديد للفكر الإسلامي إلا بنزع الأساطير والخرافات عنه وتخليصه من التأويلات التي أدت إلى تنامي تيارات دينية متطرفة احتكرت لنفسها هذا الحق من دون غيرها وهى  “تستند الى تفسير خاص للنص الديني لتبرر به ممارساتها العنفية، كما تستند إلى فقهاء اجتهدوا في تشريع هذا العنف ، ولعل فى هذا الامر مايأخذ بنا للحديث عن سر الربط  فى صدر المقال بين جمال البنا و ليسنج !؟!

ليسنج إسلامي:

ليسنج (1729-1781 م ) كان واحدا" من أهم الفلاسفه والأدباء الألمان في عصر التنوير الذين أثْروا الفكر الاوربى بالعديد من المؤلفات منها ( تربية الجنس البشرى )و( ناثان الحكيم ) ولكن لماذا ليسنج ؟!

لأن الأزمة التي عاشها ليسنغ هي نفس الازمة التي يعيشها الوعي الاسلامي المعاصر امام قيم العقلانيه والحداثة ، ولأنه كان يرى ان مستقبل الدين أمامه لا خلفه ، ودخل في معارك حامية مع بعض اللاهوتيين المسيحيين تماما مثلما حدث مع جمال البنا .

وإننا لو قلبنا فى صفحات تلك الفتره ، لوجدنا ان ليسنج الذى أسدى لأوربا خدمات جليله لحفزها نحو التنوير، كانت لديه خارطة طريق إبتكرها لتسويق أفكاره ، تقتضى السير عبر المحاور التاليه :

  • تمهيد الفضاء العام لاستيعاب الجديد .
  • إشاعة الأفكار القديمه المتحرره فى مواجهة التيارات المحافظه السائده حتى إذا ماإعتاد الذهن الشعبى على هذا البديل الفكرى تبدأ مرحلة نشر الأفكار التحرريه الجديده .
  • البناء مع الهدم ، وعدم الاكتفاء بالهدم وحده .
  • البقاء على علاقة جيده مع كافة الاطراف المتصارعه فى ساحة الجدل الفكرى .
  • الاحتفاظ بمواقف متأرجحه بين التحرر والمحافظه ، وبين الاصوليه والتنوير .
  • الضرب مع تأمين الظهر ، وهو إتجاه ظاهره الدفاع عن العقائد التقليديه ، وباطنه الهجوم على الافكار الراديكاليه .
  • مساءلة أقطاب الفكر المحافظ والاصولى عن التضارب الواضح بين الفكر والسلوك فكان ليسنج أول من طرح التساؤل : لماذا نلاحظ تناقضا صريحا بين العقيده الدينيه التى تدعو لسعادة الانسان وخيره ، وبين سلوك غالبية المؤمنين بها ؟ .

وهكذا نلمس الكثير من التقاطعات ووجوه التشابه الكبيره بين أسلوب ليسنج فى الدعايه والتأسيس لأفكاره ، وبين ماقام به جمال البنا فى مرحلة زمنيه قصيرة نسبيا هى التى عاشها تحت الاضواء وإشتهرت فيها أفكاره التى أثارت الجدل .

وظنى أنه مثلما أخذت أفكار ليسنج - التى حوربت وحوصرت أثناء حياته - طريقها نحو الانتشار والاحتفاء بها بعد رحيله ، فإن أفكار جمال البنا مرشحة هى الاخرى بقوة لأن تحرر طريقها نحو الترسيخ والانتشار إذا ماوجدت البيئة الخصبة والتلاميذ النجباء الذين يعملون على نشرها وتوصيلها ، فللافكار مغامراتها التى  تقوم بها مرة تلو الاخرى ، حتى تستحوذ على العقول وتسود على ماسواها فتصبح هى الافكارالاشائعه بعدما كانت مهمشه على حد قول الفيلسوف الانجليزى وايتهد ......ولعل هذا مانتوقعه ونتمناه للافكار التجديديه والتثويريه لجمال البنا ، أو فلنقل : ليسنج الاسلامى .

النشرة الالكترونية

عاجل

x