عبقرية زايد .. في مرايا العقاد

بقلم : هاني نسيرة هاني نسيرة
الأحد هـ - 09 نوفمبر 2014م

عبقرية زايد تترجمها محبته وشرعيته المكينة في نفوس العرب جميعاً، وليس أبناء الإمارات فقط .. وعن العبقرية أؤكد أن أبقى ما في تراث العقاد، وهو صاحب الإنتاج الضخم الأدبي والنقدي والفكري، الذي بدأه منذ أن كان عمره ستة عشر عاماً، سلسلة عبقرياته، التي بدأها بكتابه «عبقرية المسيح»، ثم أردفه بعبقرية محمد، وعمر وخالد وعلي، ومن نشر كتابه الأول، كما يروي عارفوه، اشترى بيته المشهور في ضاحية روكسي بمصر الجديدة، تلك الضاحية الأغلى في مصر ..

استخدم في كتبه منهج التحليل النفسي والتاريخي، محدداً ما يراه مفتاح الشخصية أو العبقرية التي يتناولها، ثم يقرأ ذلك في إطار تاريخها وإنجازاتها، فيفسرها لنا من جانب الفرادة (التميز الشخصي)، وحقائق الدور (من وقائع التاريخ)، ونرى أنه إن لم يخنه حدس الفرادة مطلقاً، فربما خانته روايات التاريخ أحياناً!
ووفق هذا المنهج أتساءل: لو كتب العقاد عن عبقرية زايد رحمه الله؟ عن فرادته الفذة، التي أسست نموذج الوحدة العربية الوحيد الناجح، هل هي القيادة الرشيدة، مفتاح هذه الشخصية؟ فقد انطلق من فطرته السليمة من دون أدلجة الوحدويين العرب، فنجح فيما فشلوا فيه! نجح هو بينما فشلوا في وحدتهم، بل فشلوا في الحفاظ على أوطانهم ومواطنيهم، تمييزاً وتشظياً واحتراباً واقتتالاً..! فلم تنجح سوريا الكبرى، التي وعد بها أنطون سعادة، ولا الوحدة الاندماجية الكاملة التي بشرنا بها ميشيل عفلق والأرسوزي، أو محاولة الوحدة المصرية السورية بين عبدالناصر والبعث! صعدت بنا الأيديولوجيات الزاعقة إلى عنان السماء، ثم سقطت بنا إلى قيعان الأرض! لم تبق إلا القيادة الرشيدة الحكيمة التي شيد نموذجها زايد ورفقاؤه من آباء الإمارات بمعزل بعيداً عن هذا الضجيج.

هل هو الحب؟ ما كان سيقوله العقاد (وهو الراحل سنة 1964) عن عبقرية الشيخ زايد رحمه الله، الذي رحل جسده عن دنيانا في الثاني من نوفمبر عام 2004، وإن كانت روحه ومحبته مبثوثتين ثابتتين في نفوس كل من عرفه أو سمع به؟ أحب الناس فأحبه الناس، وأحب وطنه فأحبه مواطنوه، هل الحب هو مفتاح شخصية زايد، الذي علمته الصحراء بُعد النظر، وربما حبه للصقور دقته؟

هل هو المبادرة والعطاء؟ فقد تولى الشيخ زايد حكم العين سنة 1946 فأخذ في تأسيس أول مدرسة وأول مستشفى بها فور ما تولى، ثم أخذ يكتشف العالم ويتجول في بلاده، يجمع خبرات التقدم والبناء منذ عام 1953، ثم أخذ ينفذ مشروعه منذ تولى حكم أبو ظبي سنة 1966، ثم بادر مناضلاً مع راشد آل مكتوم من أجل اتحاد الإمارات الذي نجحا في تحقيقه في تجرد وتشارك وتراحم، بقوة الوعي لا وعي القوة، في 2 سبتمبر سنة 1971، فاستمر يحاول ويقنع من يتمنع، حتى نجحا وتم لهما النجاح.

وكذلك واصل العبقري خطواته الجسورة في تبنيه الدعوة لمجلس التعاون الخليجي مع إخوانه من حكامه، وشهدت أبو ظبي أولى قممه في مايو سنة 1981.
نعم إن المبادرة هي روح الفارس، وقد كان موقفه الفارس النبيل في مساندة مصر وشعبها في حرب أكتوبر سنة 1973 حين أعلن أن الدم العربي أغلى من النفط العربي، وهو نفس الموقف النبيل الذي كرره خلفاؤه في تأييد ثورة مصر، والوقوف معها قلباً وقالباً، حين تكالبت الأمم عليها بعد إسقاط حكم أصولي كارثي كاد يودي بها في 30 يونيو عام 2013.

كذلك لم يغب زايد عن أي قضية عربية أخرى دعماً وحلاً وتوسطاً ودوراً واضحاً، فكان حاضراً بحكمته في مختلف الخلافات البينية العربية، كما قدم دعمه الإنساني والإغاثي والعمراني في فضاءات هذا الوطن وخارجه، وصار اسمه علماً على البناء وعلامة على مدن في مصر والجزائر وغيرهما.
كما كان رحمه الله وشركاؤه من آباء الإمارات المؤسسين طموحاً يطاول السماء أبراجاً وعمراناً، ويمارس التنمية إبداعاً، ويحققها إنساناً في اهتمامه بالمرأة والشباب والتعليم والابتعاث، وهو ما ظل سمتاً أساساً من سمات هذه الدولة النموذج التي أسسها، وتتوالى نجاحاتها في كل اتجاه.

ويبقى من زايد أيضاً نموذجه التسامحي التعايشي، المتصالح مع قيمة الحق والإنسان والكفاءة من كل صوب وحدب، من دون تمييز بسبب الدين أو اللون أو الطائفة، وقد رأيت في سيرة اتحاد الإمارات وذاكرتها أسماء مصرية كالمرحوم حسن عباس زكي، وعراقية كعدنان الباجة جي أطال الله عمره، إلى جوار كفاءات الإمارات التي استطاع أن يبعث كوامنها وطاقاتها ويرفع أعينها نحو السماء طموحاً وتحدياً! نعم، هو القائد كما كان يقول العقاد في عبقرياته من يستطيع ابتعاث كوامن شعبه ويفجر طاقاته .. هذا مفتتح قد يكمله المؤرخون.

 

نقلا عن صحيفة الرؤية

 

النشرة الالكترونية

عاجل

x