قصة انتصار.. الجيش المصري في حرب أكتوبر سنة 1973

بقلم : سامح أبو هشيمة سامح أبو هشيمة
الجمعة 28 ذو القعدة 1434هـ - 04 أكتوبر 2013م

فى أعقاب حرب 1967 رفض الشعب المصري والعربي الهزيمة، و حدد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر استراتيجية المرحلة كعملية استعداد للثأر والانتصار، ويمكن أن نوجز خطوطها الرئيسية في عدة نقاط كما يلي:

1. إعادة التنظيم، وإنقاذ ما تبقى من الأوضاع في سيناء.

2. إعادة تقييم الموقف، والتشاور مع الأطراف المعنية لتوحيد الجهود.

3. إعادة البناء، والتخطيط للجهد المستقبلي.

من مخاض الهزيمة كان الإصرار على الثأر والانتصار، وكانت الخطة تهدف لتوفير فرص مناسبة للقوات المسلحة المصرية، لإعادة تنظيمها والقيام بمسئوليتها في الدفاع عن مصر واسترداد أراضيها، لم يتوان الشعب المصري- قيادة وشعبا- منذ لحظة إعلان إيقاف النيران في السعي لاسترداد أرضه المحتلة، وفي التعرف والمعالجة على الأسباب الحقيقية للنكسة، وتحمل الشعب في سبيل ذلك الكثير، يمكن أن نذكر منه على سبيل المثال وليس الحصر:

1. تحمل الشعب الإجراءات القاسية لتحويل الاقتصاد إلى اقتصاد حرب، والذي استنزف حوالي 50 % من ميزانية الدولة، تخصص لإعادة بناء القوات المسلحة. وقد اعتمد التحول إلى اقتصاد حرب على عدة أسس أهمها:

أ. الالتزام بتحقيق مطالب المجهود الحربي، وإزالة آثار العدوان.

ب. وضع بدائل لخطة التنمية، على أن يُختار منها الخطط التي تتفق مع موارد واستخدام النقد المحلي والأجنبي.

ج. استغلال الطاقات المحلية، كبديل عن الاستيراد لتوفير العملة الصعبة.

د. تطوير استراتيجية استخدام العمالة والقوى البشرية، طبقا للظروف الحالية.

2. أمدّ الشعب القوات المسلحة بخيرة الشباب المتعلم، الذي حقق طفرة علمية كبيرة نتيجة لاستيعابهم تكنولوجيا الأسلحة الحديثة، وإيمانهم بالتضحية في سبيل مصر، وإطلاق فكره في التعامل مع العدو بأساليب علمية وابتكارات حديثة تحقق تفوق المقاتل المصري على المقاتل الإسرائيلي.

3. أصر الشعب على تحقيق مبدأ "يد تبني.. ويد تحمل السلاح"؛ فشهدت هذه المرحلة تحقيق العديد من المشـروعات القومية، في ظروف صعبة مثل استكمال بناء السد العالي، وإنشاء مصنع الألومنيوم في نجع حمادي، وإنتاج المصانع المصرية للعديد من متطلبات القوات المسلحة.

4. تقبل الشعب إجراءات تهجير سكان مدن القناة، وبعض المواطنين من سيناء تأميناً لهم من القصف العشوائي، الذي استخدمه الجيش الإسرائيلي، وقد ناهز عدد المهاجرين الثلاثة أرباع المليون علاوة على أحد عشر ألف مواطن سينائي.

قبل أكتوبر في الإطارين الإقليمي والدولي:

برزت أهمية العمل السياسي العربي على كلا المستويين العربي والدولي، فعلى المستوى العربي كانت نتائج "مؤتمر القمة العربية في الخرطوم"، وعلـى المستوى الدولي كان صدور القرار رقم 242 عن مجلس الأمن، وكان لهما تأثير مباشر في تطور العمل، الوطني والقومي، في المراحل التالية من الصراع.

والواقع أن الرئيس عبدالناصر لم يرفض جهود الحل السلمي، بل إنه فوض الاتحاد السوفيتي على القيام بكل ما يراه مناسباً في هذا المضمار، وأجرى اتصالاته مع جميع الأطراف ووضع شرطين أساسيين لهذا التحرك:

·   الشرط الأول: ألا يطلب منا أحد أن نتفاوض مع إسرائيل بينما هي تحتل أراضينا، لأن ذلك يعني الإذعان لشروطها مقدماً برهن الأراضي التي تحتلها.

·   الشرط الثاني: ألا يطلب منا أحد أن نتنازل عن أرض عربية، لأن ذلك يعني أن العدوان حقق أهدافه.

ونتيجة للنجاحات التي حققتها إسرائيل في حرب 5 يونيو سنة 1967، نجحت الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها الإستراتيجية، التي خططت لها، ومن أهم تلك الأهداف:

أ. عودة مصر إلى داخل حدودها، والقضاء على زعامة مصر وجمال عبد الناصر، وإضعاف قدراته في الضغط على بعض النظم العربية، التي وقفت في تلك الفترة إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية.

ب. إصابة حركة عدم الانحياز بضربة قاصمة، وتحجيم دور بعض الدول ومنها مصر.

ج. اعتبار إسرائيل الحليف الرئيسي للولايات المتحدة، بل أصبحت هي الدولة التي يمكن للولايات المتحدة أن تعتمد عليها من أجل تحقيق أهدافها ومصالحها بالمنطقة.

د. أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية هي صاحبة الحل والعقد في مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي.

هـ. إحداث خلل في التوازن العسكري لمصلحة إسرائيل، وتحقيق التفوق المطلق لها على جيرانها العرب، مع استمرار دعمها بالأسلحة الحديثة والمتطورة.

إن احتلال إسرائيل للأراضي العربية حقق لها كل أحلامها التوسعية، بل حقق لها أهم جوانب أمنها، من وجهة نظرها، إذ توافرت لها حدود طبيعية وعمق استراتيجي كافيان إلى حدٍّ كبير، كذلك انتعش اقتصادها نتيجة لاستغلال الموارد العربية بالأراضي المحتلة، ووسعت دائرة حركتها التجارية مع الدول الأفريقية والآسيوية، وازدادت معدلات الهجرة إلى إسرائيل، وتضاعفت لها المساعدات الاقتصادية والعسكرية من الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن أصبحت حليفاً كاملاً للولايات المتحدة، تساندها في تحقيق أهدافها ومصالحها بالمنطقة.

وواقع الأمر، أن حرب يونيو1967، أحدثت تغييرات جذرية في الوضع الجيو-إستراتيجي الإسرائيلي، وصحب ذلك تغييرات في إستراتيجيتها وسياستها، وتفاعلت هذه الاستراتيجية الجديدة مع الموقف السياسي طيلة الأعوام التي تلت حرب يونيو 1967، وتبلورت في نظرية جديدة تقوم على أساس الاستمرار في احتلال الأراضي العربية وردع العرب ومنعهم من تحريرها. و قال إيجال آلون: "إن إسرائيل لا تستطيع أن تبقى إلى ما لانهاية انتظاراً لرسم حدود آمنة، فمع استمرار التهديدات العربية فإنه من حق إسرائيل أن تقيم مستوطنات ومواقع آمنة في مناطق الحدود وفي المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية، من أجل تحقيق أمن إسرائيل".

وفي إطار هذه الإستراتيجية، ظلت إسرائيل ترفض الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، مما أبقى المنطقة في حالة حرب مستمرة، وبقيت الأداة العسكرية هي أداة الحسم لتحقيق الأهداف. وفي إطار تحقيق هذه الإستراتيجية، بدأت إسرائيل في توسيع استيطانها في الأراضي المحتلة، ودعم وتطوير قدراتها العسكرية، لكي تستمر في تحقيق التفوق على العرب، كما تضمنت هذه الإستراتيجية تأكيدات إضافية "لنظرية الأمن الإسرائيلي" تكون شعاراً لتحقـيق أهدافها التوسعية، ووسيلة لخداع الرأي العام العالمي، واستندت هذه الإستراتيجية إلى خمسة أسس رئيسية هي:

1-  الحدود الآمنة.

2-  القدرة على الردع.

3-  إدارة الحرب الخاطفة.

4-   تجنب القتال على أكثر من جبهة في وقت واحد.

5-  ضمان تدفق المساعدات الأمريكية إليها".

وذلك كله من أجل إزالة آثار عدوان يونيو 1967، وكانت البداية في مؤتمر الخرطوم حيث تلخصت قرارات المؤتمر في الآتي:

أ. إزالة آثار العدوان.

ب. إعادة الحقوق المشروعة لشعب فلسطين، وإنشاء دولة له على أرضه.

ج. اتخاذ أسلوب الحل السياسي للتفاوض، إلى حين استكمال المقومات الأساسية لتحرير الأرض.

 

الاستراتجية العسكرية المصرية بعد النكسة:

أبرزت الأوضاع الاستراتيجية العسكرية الجديدة بعد هزيمة 1967، مع وجود القوات الإسرائيلية على الضفة الشرقية للقناة، العديد من المصاعب أمام المخطط العسكري المصري، فعبور قناة السويس بحجم كبير من القوات والأسلحة والمعدات، تُعَدّ أمراً في غاية الصعوبة، مع وجود ساتر ترابي يبلغ ارتفاعه عشرات الأمتار، يحول دون الرؤية المباشرة للأوضاع الدفاعية الإسرائيلية في سيناء.

كذلك، فإن إعادة بناء القوات المسلحة لم يكن أمراً سهلاً، خاصة وأن أولى ركائز هذا البناء هو إعادة الثقة للمقاتل المصري، ورفع معنوياته؛ حتى يكون قادراً على مواجهة قتال الجندي الإسرائيلي.

كذلك، كان لابد من إعادة الثقة التي اهتزت بين الشعب وقواته المسلحة، باعتبار أن الشعب المصري يمثل حائط الصمود لها، وكان لا بدّ من الإسراع في بناء خط دفاعي على الضفة الغربية للقناة، يصبح ركيزة أساسية للدفاع عن مصر، ثم الانطلاق منه نحو تحرير الأرض.

 وفي الوقت نفسه، كان لا بدّ من مواجهة الصلف الإسرائيلي وعدم تمكين العدو من أن يتحقق له استقرار دائم على الأراضي التي احتلها، لذا، برزت فكرة تنشيط الجبهة، واستنزاف قوى العدو، المادية والعسكرية والمعنوية، بتدمير معداته وإلحاق أكبر قدر من الخسائر البشرية به، حتى يدفع ثمن استمرار احتلاله للأراضي.

تبلورت الإستراتيجية المصرية، في تلك المرحلة، في خمس نقاط، هي:

أ‌.       الصمود العسكري: بهدف منع إسرائيل من استغلال نجاحها العسكري، ثم التحول إلى مرحلة أخرى من الدفاع النشط، عندما يسمح الموقف بذلك.

ب‌.  الدبلوماسية السياسية: في مرحلة الصمود، طالما أنها تسعى إلى انسحاب إسرائيل عن الأراضي العربية، التي استولت عليها في يونيو 1967، وتحقق أهداف الشعب الفلسطيني، وفي الوقت نفسه، إقناع العالم بصفة عامة والاتحاد السوفيتي بصفة خاصــة، أننا لا نريد الحرب من أجل الحرب، وإنما لاستعادة الأراضي المغتصبة.

ج. ما أخذ بالقوة يرد بالقوة: إن استرداد الأرض لا يتم إلاّ بالقوة مثلما أُخذ بالقوة. والقوة تحتاج إلى سلاح متطور حديث، وإلى تنظيم وتدريب جيد ومتواصل.

د. الجيش والشعب يد واحدة: إن الجبهة الداخلية في مصر يجب أن تحمي ظهر القوات المسلحة، وتقدم الدعم المادي والمساندة المعنوية لها، من خلال تعبئة هذه الجبهة في شتى المجالات، من أجل معركة تحرير الأرض وإزالة آثار العدوان.

هـ. التضامن والدعم العربي: إن تحقيق وحدة التضامن العربي وحشد الطاقات العربية ضد العدو المشترك هو أمر يؤكده واقع التاريخ والمصير المشترك، ومن ثم تعبئة الشعوب العربية وإمكانياتها لمصلحة المعركة، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

أثبتت الأوضاع على جبهة القناة أن العدو كان مصراً على صلفه وغروره، بأعمال استفزازية ضد قيم الشعب المصري وشعوره ومبادئه، وأنه لم يلتزم في أي وقت بإيقاف إطلاق النيران، بل إنه كان يوجـه نيرانه باستمرار ضد سكان مدن القناة، حتى يكونوا أداة ورهينة للضغط على القيادة السياسية.

كان هناك العديد من الاشتباكات في هذه الفترة بعد وقف إطلاق النار، أهمها ثلاثة، تأثر بها الرأي العام المحلي والعالمي، هي بالترتيب:

الأول: معركة رأس العش، في يوليو 1967. وقد أدت هذه المعركة، على الرغم من محدوديتها، إلى شعور جميع المقاتلين بإمكانية تحقيق النصر وتمنى كل قائد محلي، وكل مقاتل أن تتكرر مثل هذه المعركة في قطاعه.

الثاني: معارك المدفعية والطيران يومي 14، 15 يوليو1967، التي زادت الثقة لدى المقاتلين، بعد أن شاهدوا قواتهم الجوية في سماء المعركة.

الثالث: إغراق المدمرة إيلات، في 21 أكتوبر 1967، التي حددت تاريخ أول استخدام لصواريخ سطح/سطح، والتي أشعرت إسرائيل، للمرة الأولى، بالخسائر.

من محصلة هذه الاشتباكات التي شملت أفرعا ثلاثة من أفرع القوات المسلحة انبعثت ثقة المقاتلين بأنفسهم وسلاحهم وقادتهم، كذلك كان لها مردود هائل على معنويات الشعب المصري وكان لها مردودها على المستوى العالمي، إذ أثبتت أن القوات المسلحة المصرية ليست بالجثة الهامدة، كما تدعي إسرائيل.

ومع اتساع الجبهة واستمرار الأعمال القتالية، كان لزاماً أن تتوزع مسئوليات القيادة والسيطرة لضمان حسن الأداء إلى أقصى درجة ممكنة، لذلك.

 صدرت الأوامر التنظيمية بإنشاء الجيشين، الثاني والثالث، اعتباراً من بداية عام 1968. كذلك، إنشاء قيادة قوات الدفاع الجوي، كقوة رئيسية رابعة في القوات المسلحة، تتولى مسؤوليتها في نهاية النصف الأول من عام 1968. وقد عملت هذه القوة بمزيد من الجهد بالتعاون مع القوات الجوية المصرية في سبيل تحييد الطيران الإسرائيلي، وإنهاء أسطورة تفوقه المطلق، وقد ظهر ذلك جلياً خلال حرب أكتوبر المجيدة.

 إعادة بناء القوات المسلحة المصرية

تأكدت مصر أن إسرائيل لا تريد السلام، ولكنها تريد أن تفرض إرادتها على العرب، وهي في مركز قوة، باحتلالها الأراضي العربية، وأنه لا أمل في تخليها طواعية عن هذه الأراضي أو عن أطماعها التوسعية، إلاّ إذا أدركت ولمست أن ما تدفعه من ثمن لا يتناسب مع ما تحتفظ به من مكاسب.

من هنا قررت مصر في سبتمبر 1968، التحول إلى إستراتيجية جديدة والانتقال بالجبهة من مرحلة الصمود إلى مرحلة جديدة من المواجهة العسكرية، أطلق عليها مرحلة "الدفاع النشط".بهدف استنزاف القدرات العسكرية الاسرائيلية.

بعد إيقاف النيران في 8 أغسطس 1970 استغلت إسرائيل خبرات القتال، وتلافت نقاط الضعف في خط بارليف، وقررت تطويره، ليصبح نظاماً دفاعياً متكاملاً تكلف حوالي 500 مليون دولار (إضافة إلى 248 مليون الأولى). وأعيد بناء النقط الحصينة بأسلوب متقدم، وباستخدام كميات هائلة من الخرسانة المسـلحة، فضلاً عن قضبان السكك الحديدية و "شباك الحجر" التي تمتص الصدمات الانفجارية، وألغيت فتحات المراقبة والتسديد (المزاغل) وتحولت إلى خنادق نيران مخفاة تماماً، وجُهِّز الساتر الترابي بنظام دفاعي متكامل، بإنشاء حفر دبابات على طول الساتر (160 كم)، وتبعد كل حفرة عن الأخرى حوالي 100 م.

أمّا الخطوط الدفاعية الأخرى، فقد تم إنشاء خط دفاعي ثاني على مسافة من 500 متراً إلى 3 كيلومترات، لانتشار الاحتياطيات المحلية والقريبة، ثم "خط المدفعية" على مسافة 5-8 كيلومترات، وتنتشر عليه القيادات بمستوياتها المختلفة، وبعض الاحتياطيات، ثم خط الاحتياطيات التكتيكية على مسافة 20 ـ 30  كمً، ثم معسكرات تخزين أسلحة قوات الاحتياطيات في عمق سيناء وداخل إسرائيل نفسها. وتم إنشاء مطارين جديدين، إضافة إلى إصلاح وتطوير المطارات المصرية في سيناء لاستخدامها. كذلك، جُهِّزت نقاط تمركز بحرية على طول الشواطئ.

واطمأنت إسرائيل لهذه التجهيزات، إلى الدرجة التي جعلت الجنرالين "موشي ديان وديفيد أليعازر" وهما قمة السلطة العسكرية، في إسرائيل، في 5 أكتوبر 1973 بأن يردا على سؤال السيدة/ جولدا مائير عن إمكانية عبور قوات مصرية لقناة السويس بـ "أن محاولة عبور مصريين للقناة مستحيلة، ولو حاول المصريون النزول إلى قناة السويس، فربما يتغير لونها من اللون الأزرق إلى اللون الأحمر لكثرة خسائرهم".

شهدت السنوات الستة، السابقة للحرب، مجموعة أحداث عسكرية تقسم إلى 4 مراحل رئيسية:

( أ ) مرحلة الصمود، من يونيو 1967، إلى أغسطس 1968.

(ب) مرحلة الردع (الدفاع النشط)، من سبتمبر 1968، إلى فبراير 1969.

(جـ) مرحلة الاستنزاف، من مارس 1969، إلى يوليو 1970.

( د ) مرحلة إيقاف إطلاق النار، من أغسطس 1970، إلى أكتوبر 1973.

التخطيط الاستراتيجي لحرب أكتوبر

قامت الاستراتيجية العسكرية على أن تكون استراتيجية هجومية تستهدف هزيمة التجميع الرئيسي للقوات الإسرائيلية في سيناء وفي تنسيق تام مع سوريا وطبقا للإمكانيات والموارد المتاحة للقوات المسلحة.

- الهدف الاستراتيجي:

        - هزيمة التجميع الرئيسي لقوات العدو في سيناء وهضبة الجولان السورية.

- الاستيلاء على خطوط ومناطق ذات أهمية استراتيجية تهيئ أنسب الظروف لاستكمال تحرير الأراضي المحتلة.

- التوجيه الاستراتيجي للقوات المسلحة:

- إزالة الجمود العسكري الحالي بكسر وقف إطلاق النار اعتبارا من يوم 6 أكتوبر 1973.

        - تكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة في الأفراد والأسلحة والمعدات.

- العمل على تحرير الأرض المحتلة على مراحل متتالية حسب نمو وتطور إمكانيات وقدرات القوات المسلحة.

- تنفذ هذه المهام بواسطة القوات المسلحة المصرية منفردة أو بالتعاون مع القوات السورية.

-  خطط إسرائيل على الجبهة المصرية:

وضعت إسرائيل عدة تصورات لمواجهة الاحتمالات المختلفة لنشوب الحرب، على الجبهة المصرية، هادفة إلى منع القوات المصرية من عبور القناة، وتدميرها فى مناطقها الابتدائية إن أمكن، وأثناء العبور، وعلى الحد الأمامى، وتعطيلها، لإعطاء الفرصة للتعبئة والحشد، ودفع الاحتياطيات، لتدميرها. وتلخصت هذه التصورات فى ثلاث احتمالات:

(1)    فى حالة اكتشاف نوايا الهجوم للقوات المصرية:

( أ )   ضربة جوية مركزة، وقصف مدفعى بعيد المدى، ضد وسائل الدفاع الجوى، والمطارات، والأهداف الجوية.

(ب)    رفع درجات استعداد قواتها فى سيناء، واحتلال كامل للنقاط القوية، والخطوط الدفاعية.

(جـ)    إعلان التعبئة، واستدعاء الاحتياطى، وإجراء الفتح التعبوى.

 ( د ) القيام بعمليات تعرضية، ضد الأهداف العسكرية، فى العمق المصرى.

(هـ)    فى حالة نجاح الضربة الجوية، تقوم بالعبور، والقيام بعمليات تعرضيه، غرب القناة، وقطاع بورسعيد، وخليج السويس، لإحباط تحضيرات القوات المصرية للهجوم، تحت السيطرة الجوية، والمعاونة البحرية.

(2)    فى حالة عدم اكتشاف نوايا الهجوم للقوات المصرية:

( أ )   منع القوات المصرية من العبور، بالنيران، من النقط القوية، ومصاطب الدبابات، وتعطيلها أكبر فترة ممكنة، مع اشتراك القوات الجوية والمدفعية.

(ب)    رفع درجة استعداد القوات المدافعة عن سيناء، واستدعاء الاحتياط، واتخاذ القوات لأوضاعها داخل سيناء، وفى العمق.

(جـ) القيام بهجمات مضادة، بالاحتياطيات المحلية والتكتيكية، حتى استكمال الحشد.

( د )   وضع مجموعة عمليات، على كل محور رئيسى (الشمالى/ الأوسط/ الجنوبى)، مكونة من لواءين مدرعين ولواء مشاة ميكانيكى، لصد وتدمير القوات المهاجمة.

(هـ)    بنجاح الصد، تقوم مجموعات العمليات، باستغلال النجاح والعبور غرب القناة، والوصول لخط بعمق حتى 30كم، فى ظل سيطرة جوية، وتأمين بحرى للساحل.

-      خطة الهجوم المصرية "بدر":

(1)    وضعت الخطة المصرية للهجوم بهدف:

( أ )   القيام بعمليات قتال محدودة، تهدف إلى عبور قناة السويس، والاستيلاء على الضفة الشرقية، وتأمينها بعمق كاف.

(ب)    تحريك القضية، من حالة اللاسلم واللاحرب، سياسياً.

 

(2)    فكرة العملية:

( أ )   بالتنسيق مع القوات السورية، توجه ضربة جوية مركزة، وتمهيد نيرانى قوى، بالمدفعية والصواريخ أرض/ أرض، على المطارات ومراكز القيادة والرادارات وصواريخ الدفاع الجوى والتجمعات، لإرباك العدو ومنعه من التدخل فى العبور.

(ب)    استغلال نجاح الضربة الجوية والتمهيد النيرانى، باقتحام قناة السويس، والوصول لعمق 2/ 3 كم شرقاً، وتأمين المعابر، وعبور باقى القوات وصد هجمات مضادة للعدو (نهاية يوم ى - صباح يوم / ى 2 عمليات).

(جـ ) يهاجم النقط الحصينة، قوات خاصة (عاصفة)، تقتحمها أثناء العبور، ثم تلحق بوحداتها.

( د )   تطوير الهجوم شرقاً، بعد عبور الدبابات، والوصول لرؤوس كبارى بعمق 8/ 10كم، وتأمينها، والاستعداد لصد الهجمات المضادة (نهاية يوم 2 - صباح يوم 3 عميات).

(هـ ) توحيد رؤوس كبارى الفرق، وتعميقها إلى 10 / 12كم، والتعزيز عليها، وتأمينها (نهاية يوم 3 عمليات).

( و ) وقفه تعبوية لإعطاء فرصة للعمل السياسى (قد لا تتم،حسب الموقف).

( ز ) تقوم القوات البحرية، بمعاونة القوات التى تعمل بجوار الساحل، وتدمير قطع العدو البحرية، وقطع خطوط مواصلاته، فى البحرين المتوسط والأحمر.

(3)    أهداف الخطة:

( أ )   تدمير الجزء الأكبر من القوات الإسرائيلية.

(ب )   إضعاف قدرات العدو الجوية، وشل فاعليتها، فى مسرح العمليات.

(جـ ) شل وإرباك قيادة العدو، لفترة زمنية مناسبة.

( د )   عرقلة التحركات، وحرمان العدو من القدرة على المناورة، والعمل ضد جبهة عربية واحدة، أو بالتتالى، بإجباره على العمل ضد أكثر من جبهة، فى وقت واحد.

(ه) إفساد خطط العدو، القائمة على سرعة التحرك، والمرونة، بالقوات والنيران.

(4)    روعى فى الخطة ما يلي:

( أ ) الاستعداد للعمل، تحت ظروف التفوق الجوى، الإسرائيلى.

(ب) مهمة القوات، تدمير القوات الإسرائيلية، على مراحل،خاصة الدبابات.

(جـ ) امتصاص ردود الفعل الإسرائيلية.

( د ) شن الهجوم، على طول المواجهة، لتشتيت القوات الإسرائيلية و إرباك قيادتها.

هـ -  خطة الخداع :

(1)    لإخفاء نية الهجوم، استمر تنفيذ خطة خداع عدة أشهر، بتنفيذ تحركات عسكرية كثيرة، تحت ستار التدريب، مع التغيير المستمر فى حجم القوات.

(2)    إنهاء خدمة، 20 ألف فرد، قبل العمليات 48 ساعة.

(3)    تحريك معدات العبور، من الخلف للجبهة، تحت ستار الليل.

(4)    نفذت وسائل الإعلام، والجهود الدبلوماسية والسياسية، مهامهم فى الخطة بإتقان وكفاءة عالية.

سير الأعمال القتالية:

-      بدأت القوات المسلحة المصرية القتال، بمفاجأة القوات الإسرائيلية شرق القناة، طبقاً للخطة السابق وضعها، وبالتنسيق مع القوات السورية، مؤكدة نجاح خطة الخداع تماماً، وعلى امتداد 23 يوماً من القتال، بدأت فى 6 أكتوبر، ومن خلال ثلاث مراحل رئيسية، لإدارة أعمال القتال، تم تحقيق الأهداف الموضوعة.

-      المرحلة الأولى: اقتحام قناة السويس، والاستيلاء على رؤوس الكبارى شرقها (6 - 13 أكتوبر):

أ       -      اقتحام القناة وإنشاء رؤوس الكبارى فى الشرق:

        بدأت هذه المرحلة بضربة جوية مركزة (209 طائرة)، على ثلاثة أنساق، سعت 1400 يوم 6 أكتوبر، وهاجمت أهدافها فى سيناء، وتمكنت من مفاجأة القوات الإسرائيلية تماماً، نفذت معظم أهداف الضربة، بنجاح، دون تدخل القوات الجوية الإسرائيلية.

ب-    بدأت التمهيد النيرانى، عقب عبور الطائرات المصرية للقناة،
باشتراك 2000 قطعة مدفعية، مباشرة وغير مباشرة وصاروخية، لمدة 53 دقيقه، على أربع قصفات. علاوة على القصف المضاد للمدفعية الإسرائيلية، على الأهداف المخططة، حيث تم إسكات مدفعيات العدو، وشل مراكز قيادته، وتدمير جزء من دباباته فى حصون خط بارليف.

تحت ستر النيران الكثيفة، تم عبور جماعات الصاعقة، ومفارز اقتناص الدبابات، للشرق، لبث الألغام على مصاطب الدبابات، ومنعها من التدخل فى العبور، بأعمال الكمائن.

جـ-     بدأ اقتحام القناة، بالأنساق الأولى للفرق المشاة، حيث تسلقت الساتر الترابى، واحتلته، وهاجمت النقط الحصينة. وفى أقل من 6 ساعات، أتمت الفرق المشاة الخمسة، الاقتحام على
مواجهة 170 كم، بقوة 80.000 مقاتل، فى 12 موجه عبور. واستولت القوات المهاجمة، على رؤوس كبارى، بعمق 3 / 4 كم.

د-- تحقيق المهمة المباشرة للجيوش الميدانية:

بمجرد تجهيز المعابر، عبرت اللواءات المدرعة والميكانيكية يومى 7 ، 8 أكتوبر إلى الشرق.

فى نهاية يوم 9 أكتوبر تحققت المهمة المباشرة للجيوش، بعمق 9 - 10كم، شرق القناة، والاستيلاء على كل النقاط الحصينة (عدا 3 نقاط). كذلك الاستيلاء على مدينة القنطرة شرق.

تكبدت القوات الإسرائيلية المدرعة والميكانيكية، خسائر جسيمة، عند قيامها بالهجمات المضادة.

 ه-   رد الفعل الإسرائيلى:

ركزت إسرائيل أعمالها، للقيام بهجمات مضادة، بالمدرعات، ضد رؤوس الكبارى. بينما وجه طيرانها ضربات متتالية، ضد المطارات وقواعد الصواريخ، وعناصر الرادار، مع تزايد النشاط الجوى المكثف فى قطاع بورسعيد، ونشاط بحرى، بالتعاون مع الطائرات الهليكوبتر، فى خليج السويس وشمال سيناء.

- المرحلة الثانية التطوير شرقاً (14 أكتوبر):

أ       -      كان الغرض من ذلك تخفيف ضغط إسرائيل، على الجبهة السورية، لأهمية الجولان لها، خاصة مع توقف القوات المصرية عن التقدم (الوقفة التعبوية).

ب      -      كانت فكرة التطوير، دفع مفارز ميكانيكية ومدرعة قوية، للاستيلاء على شريحة الأرض حتى المداخل الغربية للمضايق (بعمق 30 كم).

جـ -    تعرضت المفارز لمقاومة شديدة من الستائر المضادة للدبابات، والمدفعية، وأنزل بها خسائر كبيرة، إلا أنها نجحت فى إلحاق خسائر كبيرة
بالعدو كذلك.بنهاية يوم 14 أكتوبر، توقفت المفارز، وصدرت الأوامر بعودتها
لرؤوس الكبارى.

- المرحلة الثالثة التمسك برؤوس الكبارى شرقاً، والقتال غرب القناة:

أ- حشدت إسرائيل فى مواجهة الفرقة 16 مشاة، 3 مجموعات عمليات مدرعة (حتى 5 لواء مدرع + 4 لواء مشاة ومظلى).

ب      -      تمكنت القوات الإسرائيلية من إزاحة رأس كوبرى فر 16، لمسافة 4 كم شمالاً، والعبور فى منطقة الدفرسوار، بقوات المظلات، ليلية 15 / 16 أكتوبر وهاجمت قواعد الصواريخ فى أول ضوء يوم 16 أكتوبر. ولم تتمكن من إيقافه حيث لحق بالفرقتين 16، 21 خسائر كبيره، وكذلك العدو فى الثغرة.

جـ      -      دمرت القوات الإسرائيلية غرب القناة 9 كتائب صواريخ دفاع جوى، و4 موقع رادار، مما أحدث فجوة فى شبكة الدفاع الجوى، وحصلت إسرائيل على تفوق جوى فى المنطقة، وزادت خسائر قواتنا الجوية.

د- فى آخر ضوء يوم 18 أكتوبر، تمكنت إسرائيل من إقامة معبرين على القناة، شمال الدفرسوار. 

هـ- استولت إسرائيل على الأرض غرب القناة بعمق 15 كم فى مواجهة الثغرة، وزاد معدل تدفقها غرباً.

و- قوبلت القوات الإسرائيلية فى الغرب، بمقاومة شديدة، وخسائر كبيرة من قوات الصاعقة والمظلات، التى دفعتها القيادة العامة، وكذلك الاحتياطيات المدرعة والميكانيكية التى شنت هجمات مضادة فى الغرب غير منسقه فكان أثرها ضعيفاً.

ز- صدر قرار إيقاف إطلاق النار رقم 338 ، فى نهاية يوم 22 أكتوبر ووافق
عليه الطرفان.

ح- لم تحترم إسرائيل وقف إطلاق النار، واستمرت فى التوسع، وأنشأت معبرا ثالثا، اندفعت إسرائيل جنوباً، وحاولت دخول مدينة السويس، وفشلت وتكبدت خسائر جسيمة كما سبق أن تكبدت خسائر فادحة عندما حاولت الاستيلاء على مدينة الإسماعيلية، وتوقفت إسرائيل عن القتال ظهر يوم 28 أكتوبر.

ن- كونت مصر قوة مدرعة وميكانيكية قوية، من القوات غرب القناة، وحاصرت القوات الإسرائيلية فى الغرب، واستعدت للقضاء عليها، فى حالة فشل المفاوضات (الخطة شامل) مما أضعف من نتائج النجاح الإسرائيلى فى الغرب.

الخطة "شامل":

عززت القيادة الإسرائيلية القوات غرب القناة خوفاً من ضغط القوات المصرية المحتمل عليها حتى أصبح حجمها (7) ألوية مدرعة كاملة

تمكنت القوات المصرية من حصر القوات الإسرائيلية التى نجحت فى العبور غرب القناة فى قطاع ضيق ملاصق للقناة

واستمرت القوات المصرية غرب القناة فى إحكام حصار القوات الإسرائيلية داخل الثغرة ومنع انتشارها،,و استعدت القوات المصرية  لتدمير هذه العناصر وتصفية الثغرة حال فشل مفاوضات الفصل بين القوات حيث إنها كانت هشة وضعيفة عسكرياً

أكد حاييم بارليف رئيس الأركان العامة الإسرائيلية إن القوات الإسرائيلية فى الثغرة أصبحت رهينة يسهل أسرها بهجوم مركــز من القـــــوات المصرية

قامت القيادة المصرية بحشد قوات جديدة لإحكام الحصار الكامل حول هذا الجيب الهش

حجـم و أوضـــاع القــوات المصريـــة والإسرائيلية بعد وقف إطــلاق النار22- 28 أكتــوبــر

القوات المصرية

شرق القناة : عدد ( 5 ) فرقة مشاة مدعمة + فر مدرعة + 2 لواء مشاة مستقل

غرب القناة : 4 فر مش / م+ عدد من ل~ مقلة+ عناصر من الصاعقة والمظلات  ،بأجمالى (17 لواء مدرع و ميكانيكى و مشاة غرب القناة ).

القوات الاسرائيلية

شرق القناة :15لواء مدرع

غرب القناة : 7 لواء مدرع

ومن المؤكد تحقق المقارنات فى القوات التفوق للقوات المسلحة المصرية فى ثغرة الاختراق غرب القناة و تأكد لإسرائيل قدرة مصر على تدمير الثغرة ، ولذا لجأت كعادتها إلى استغلال الولايات المتحدة الامريكية فى نجدتها، وقبولها الفورى لكل نتائج مباحثات كسينجر مع الرئيس السادات ، و أذعنت للانسحاب، ليس فقط من الأراضى غرب القناة  بل و من كل سيناء.

 

و يعتبر هذا أبلغ رد على اللغط الإسرائيلى التى تحاول دون استحياء ادعاءه فى أنها خرجت متعادلة فى حرب ـكتوبر.

 

الآثار التكتيكية لحرب أكتوبر 1973 م :

- تحقيق عنصر المفاجــأة في العــبور لقناة السويس، وكذا سوريا في عبور الموانع على هضبة الجولان والمفاجأة في عبور إسرائيل للقنــاه أيام 15 -16 أكتوبر .

- المناورة العربية ( الانتهاك الواضح لمبدأ الحشد) وهو ما أدى إلى استخدام القوات العربية بكفاءة تفوق تفوقهم العددي في الرجال والسلاح، وذلك مما أدى إلى إجبار الإسرائيليين على تشتيت قواتهم وتفتيت جهودهم الدفاعية.

- استخدام مبدأ المناورة بعد المفاجأة كان أحد العوامل الرئيسية في النجاح الذي أحرزه المصريون يوم 6 ، 7 أكتوبر 1973.

- اتضحت قوة الحرب الدفاعية ( مولتكه وكلاوزفيتز) لا تزال صالحة من الناحية التكتيكية – لقد أدت الخطوط الحصينة على خط بارليف والجولان إلى إنقاذ إسرائيل من هزيمة مبكرة وشديدة ( خطوط ماجينو – سيجفرن – كورسك) ، وكذلك الكمائن بصواريخ ساجرو وقذائف الـ آر بي جي التي نصبها المصريون للدبابات الإسرائيلية.

-      لعل أهم نتيجة إستراتيجية للحرب هي تنفيذ الهدف الأساسي للرئيس السادات من هذه الحرب وهي إنهاء حالة اللاحرب واللاسلم في الشرق الأوسط .. فقد أرغمت القوتان على إعطاء اهتمام جاد لموضوع السلام في الشرق الأوسط وممارسة نفوذهما القوى .

-      أعادت الحرب لمصر موضعها القيادي بين الدول العربية، دعم المركز المرموق للقيادة المصرية النجاح الباهر للقوات المسلحة المصرية في الأيام الأولى للحرب .

        إلى ذلك حقيقة أن النكسات العسكرية التي حدثت بعد ذلك فإن القوات المسلحة المصرية خرجت سليمه من الحرب كجهاز من أقوى الأجهزة العسكرية في العالم.

-      سمحت الحرب بإعادة فتح القناه مما أدى إلى استعادتها لبعض مواردها الاقتصادية ولهيبتها التي كانت قد فقدت عام 1967م .

-      نتيجة للقتال المشرف الذي خاضته الجيوش العربية خلافاً للهزائم التي لحقت بها قبل ذلك استرد العرب كبرياءهم وثقتهم في أنفسهم مما أدى إلى تدعيم النفوذ العربي على الشئون العالمية بشكل عام، علاوة على ما ظهر من القيمة الهائلة للبترول العربي كآداة اقتصادية إستراتيجية .

-      ظهر جلياً من أنه إذا كانت الحرب هي استخدام القوة العسكرية لدعم الأهداف السياسية، فليس هناك شك من وجهة نظر الإستراتيجية والسياسة في أن مصر قد كسبت الحرب، رغم أن التنمية العسكرية لهذه الحرب كانت موقفاً ساكنا يسمح لكلا الطرفين بأن يدعى لنفسه النصر العسكري.

-      من ناحية أخرى كانت الحرب صدمة نفسية قاسية للشعب الإسرائيلي فقد أدرك الإسرائيليون الآن أن هذه القوات يمكن أن تقهر وأصبح باستطاعتهم أيضاً أن يروا أعداءهم قادرين على الأقل على تنسيق بعض نفوذهم الهائل في إعداد الموارد الاقتصادية في مجهود حربي ضد إسرائيل.

- لقد كان استخدام سلاح المال والبترول لتحويل الأصدقاء الرسميين السابقين والدول المحايدة ضد إسرائيل شيئاً مفزعاً لحد كبير.

 لقد أدرك الإسرائيليون شيئاً كانوا يتجاهلونه بصفة عامة في الماضي، ألا وهو أنه في عالم معاد تعتريه قوى كبرى على استعداد لتقديم دعم غير محدود لأعدائها، لم تستطع إسرائيل الوثوق ثقة كاملة في نفسها وفي قدراتها الذاتية على المحافظة على أمنها ، وأصبح الكثير من الإسرائيليين مدركين لأن أمنهم في المستقبل في ظل هذه الظروف يعتمد على معونة أمريكا واستمرار تدعيمها لهم .

-      لم تقدم الحرب إجابة شافية على السؤال المتعلق بالصحة النسبية للنظريات الإستراتيجية الأساسية لدى الجانبين المتنازعين والقائمة على استخدام العرب التفوق العددى ضد النوعية الإسرائيلية، وهذا بطبيعة الحال تبسيط مبالغ فيه لأن العرب سعوا بل ونجحوا في ضمان نوعية عسكرية معقولة وهي الحصول على أسلحة متطورة لجيوشهم الكبيرة، ولاسيما أن الإسرائيليين سعوا بل ونجحوا أكثر منهم في توفير أعداد كبيرة من القوات التي تتمتع بنوعية عسكرية عالية .

التحليل الاستراتيجي العسكري:

- وضح سلامة التنسيق والعلاقات والقنوات وتبعية القيادة العسكرية للقيادة السياسية في مجال التخطيط والإعداد والإدارة للصراع المسلح وفي ظل تقييم شامل للتهديدات والظروف الدولية المحيطة والمؤثرة في الصراع.

- ظهر وضوح الأهداف القومية والقرار السياسي للحرب، وانعكاس ذلك بشكل ايجابي على تحديد الهدف السياسي/ العسكري، وبالتالي الاستراتيجية العسكرية المصرية لإدارة الصراع وتحقيق أهدافه السياسية/ العسكرية.

- أهمية الدراسة الدقيقة للعدو وتحديد مراكز ثقله على المستوى الاستراتيجي/ التعبوي والذي بالتأثير عليه يحدث التغير الاستراتيجي المطلوب لإدارة الصراع فكانت المواجهة الإيجابية لنظرية الأمن الإسرائيلي وتحقيق الخداع والمفاجأة والمبادأة الاستراتيجية فكان النجاح الواضح خلال المرحلة الافتتاحية لإدارة الحرب.

- القيام بأعمال التنسيق الكامل بين القوة العسكرية وباقي قوى الدولة الشاملة لخدمة الأهداف القومية المخططة سياسيا/ عسكريا وهذا ما يؤكد شمولية الصراع.

- ظهرت الحرب المحدودة كمفهوم استراتيجي عسكري لخدمة الأهداف القومية وطبقا للإمكانيات المتاحة والتقييم الدقيق للعدو وإمكانياته وقدراته العسكرية والدعم العسكري من الولايات المتحدة الأمريكية.

- وضحت قدرة القوات المسلحة المصرية على إدارة عملية هجومية استراتيجية محدودة على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي بالإضافة إلى الاختيار الدقيق لتوقيتات إدارة الحرب( بدء- مراحل- نهاية) وكذا الاهتمام الكامل بمبادئ الحرب في مرحلتي التحضير والإعداد وإدارة الصراع المسلح فكان النصر وتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية المستهدفة من حرب أكتوبر 1973.

- ظهرت أهمية أعمال التنسيق مع دول الطوق ( سوريا/الأردن ) بشكل خاص والدول العربية بشكل عام للدعم السياسي/ العسكري/ الاقتصادي، وبما يحقق التوازن المطلوب مع إسرائيل فكان الدور الإيجابي العسكري لسوريا وحرب البترول الاقتصادية من دول الخليج العربي.

النشرة الالكترونية

عاجل

x