كيانات ما تحت الدولة .. الحوثيون في اليمن

بقلم : مصطفى شفيق علام مصطفى شفيق علام
الخميس هـ - 31 يوليو 2014م

لم يأت تمدد الحوثيين في شمال اليمن وخروجهم من معقلهم الرئيس بمحافظة صعدة، وصولاً إلى السيطرة على مدينة عمران المتاخمة للعاصمة صنعاء، لم يأت وليد اللحظة، ولكنه جاء بمثابة حصاد لحقبة دامية من الصراع ما بين "الدولة" وكيانات "ما تحت الدولة"، وهو الصراع الذي تزايدت وتيرته بفعل سياقات المشهد الدولي ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالقطبية الدولية منذ نهاية القرن الفائت، لاسيما مع بروز تجليات العولمة وأطروحاتها، وهي تلك التجليات التي أفرزت تنامي "النزعات" و"النزاعات"؛ العرقية، والمذهبية، والجهوية، لاسيما في عالمنا العربي، الذي عاشت نظمه الحاكمة لعقود طويلة محتكرة المجال العام، بل والخاص في كثير من الأحيان، ومؤممة لأي فعاليات مجتمعية، إلا بالقدر الذي لا يهدد عروشها ومصالحها النخبوية الضيقة.

وتبدو الحالة اليمنية، في هذا السياق، مثالاً جليًا على تلك الحرب الضروس بين "الدولة" ككيان "فوقي" و"ما تحت الدولة" من فعاليات وبنى مجتمعية، سواء كانت مؤطرة أو غير مؤطرة، ككيانات "تحتية"، رأت في تطورات الواقع الدولي والإقليمي والمحلي الراهن فرصة لمغادرة المربع "صفر"، والمضي قدمًا نحو تحقيق أهدافها وطموحاتها المؤجلة، حتى ولو ذلك بحمل السلاح في وجه الكيان "الفوقي" الجامع، أو ما كان يجدر به أن يكون جامعًا، ولعل جماعة "أنصار الله" أو الحوثيين، نسبة إلى بدر الدين الحوثي، الأب الروحي والمؤسس للجماعة، إحدى هذه الفعاليات التي شبت عن الطوق وباتت المناوئ الأبرز للدولة اليمنية في العشرية الأخيرة.

من دماج إلى عمران من "المذهبي" إلى "القبلي"

ومع الهيراركية الشديدة التي تسم النظام المجتمعي اليمني، تحددت مكانة كل جماعة على السلم الاجتماعي، ومن ثم تحدد دورها السياسي والاقتصادي، وفق معايير وقواعد صارمة متوارثة؛ لم تسمح بأي حراك "بيني" لتلك الجماعات والأطر المجتمعية المكونة للنسيج الاجتماعي في اليمن [1]، خصوصًا تلك القواعد المتعلقة بخريطة التحالفات المجتمعية وشبكة العلاقات القبلية البينية، لاسيما في حال امتزاج البعد القبلي بآخر مذهبي أو طائفي أو جهوي.

وإذا كان الحوثيون في صعدة قد خاضوا ستة حروب ضد الدولة، ما بين عامي 2004 و2010، فإنهم كانوا خلال تلك الفترة هم الطرف الأضعف والأقل قوة؛ سياسيًا وعسكريًا، بيد أن ثورة الشباب التي اندلعت مع مطلع العام 2011 ضد الرئيس السابق علي عبد الله صالح، غيّرت، إلى حد كبير، من طبيعة الحراك السياسي في البلاد، ودفعت الحوثيين "الشيعة" إلى واجهة الأحداث مستفيدين من ضعف الدولة من جهة، ومن الصراع السياسي الداخلي المحتدم بين الأطياف المختلفة من جهة أخرى، لتوسيع قاعدة دعمهم الشعبي وتحالفاتهم المجتمعية، والسيطرة على مزيد من المناطق شمال البلاد، بما في ذلك محافظة صعدة بالكامل، حيث باتوا يقيمون نقاط التفتيش، ويخفرون الطرق، ويجمعون الضرائب، ويشرفون على إدارة الحكومة المحلية، ويديرون الجهاز القضائي [2]، بما جعلهم، بالفعل، دولة موازية أو دولة داخل الدولة.

وجاء مطلع العام 2014، ليمثل نقلة نوعية لدى المقاتلين الحوثيين، وتحولاً في موازين القوى التقليدية داخل البنية القبلية والمجتمعية اليمنية، حيث تمدد النفوذ الفعلي للحوثيين، خلال الأشهر القليلة الماضية، بمناطق خارج معاقلهم التقليدية، بعد سلسلة من المعارك مع بُنى؛ مذهبية وقبلية مناوئة، فأحكموا سيطرتهم على محافظة صعدة، على الحدود مع المملكة العربية السعودية، بالكامل، وتوسعوا جنوبًا، حتى أضحوا على أبواب صنعاء، بعد سيطرتهم على محافظة عمران [3]، المتاخمة لعاصمة البلاد.

اعتمدت استراتيجية التمدد الحوثي خلال الشهور الماضية من العام الجاري على ثلاثة منطلقات مهمة، الأول؛ مذهبي خالص، يتمثل في القضاء على خصومهم المذهبيين من السلفيين في دماج، والثاني؛ مذهبي قبلي مختلط، ويتمثل في تقليص نفوذ خصومهم القبليين، من قبيلة حاشد، كبرى القبائل اليمنية، والداعم الأكبر لحزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي يشكل الإخوان المسلمون المكون الأبرز فيه، والثالث؛ سياسي تكتيكي ويتمثل في مشاركة الحوثيين في جلسات الحوار الوطني لتقرير المستقبل السياسي للبلاد، حتى يضمنوا تمثيلهم السياسي في أية ترتيبات مستقبلية محتملة [4].

مثل التخلص من تهديد سلفيي دماج، المناوئ المذهبي اللدود، بمحافظة صعدة، الهدف التكتيكي الأول في الاستراتيجية التوسعية الطموحة للحوثيين، فكان لهم ما أرادوا، حيث شن مقاتلو "أنصار الله" الحوثيون، مطلع العام الجاري، حربًا ضروسًا على مناوئيهم من سلفيي دماج، ممن يمثلون السلفية التقليدية بنكتها "الوهابية"، والتي تمثل امتدادًا للنفوذ السعودي في اليمن، وهي الحرب التي أسفرت عن مقتل العشرات، بينهم نساء وأطفال، وتهجير الآلاف من سلفيي دماج إلى العاصمة صنعاء، حيث أرغموا على مغادرة منازلهم وديارهم تحت وطأة القصف والحصار الذي فرضه عليهم الحوثيون على مدى نحو ثلاثة أشهر من القتال الضاري، والذي انتهى بهدنة رعتها الرئاسة اليمنية ومجلس النواب والقبائل، لإسكات لغة السلاح ووقف الاقتتال بين سلفيي دماج والمقاتلين الحوثيين [5].

ولاعتبارات قبلية ومذهبية متداخلة، ولسياقات تتعلق بتوازن القوى "القبلية" في اليمن، ما لبثت قبائل حاشد أن دخلت على خط الصراع بين الحوثيين وسلفيي دماج، لمناصرة إخوانهم في المذهب "السني" من سلفيي دماج، من جهة، ولإفشال مخطط الحوثيين للسيطرة الفعلية على أكبر مساحة ممكنة من شمال البلاد لتقديم أنفسهم كفاعل رئيس في الحوار الوطني حال طرح أية مبادرات أو ترتيبات بشأن مستقبل الدولة اليمنية، من جهة أخرى.

بيد أن الرياح جاءت بما لا تشتهي سفن حاشد، حيث شنت مجموعات حوثية مسلحة، معززة بالمدفعية وقاذفات الصواريخ، مطلع فبراير الماضي، هجمات متوالية على مناطق تابعة لقبائل حاشد، في مدينة حوث، بمحافظة عمران، شمال صنعاء، أفرزت مواجهات قتالية دامية خلفت عشرات القتلى والجرحى من الجانبين، لكن المقاتلين الحوثيين نجحوا في احتلال معقل قبائل حاشد في منطقة "الخمري"، والتي تضم المنزل العائلي لآل الأحمر، أكبر الزعماء القبليين لقبائل حاشد، كما نجح الحوثيون، أيضًا، في أسر عدد كبير من مقاتلي حاشد [6].

فتح التقدم الذي أحرزه الحوثيون في معركتهم مع مقاتلي حاشد، في حوث، الباب أمام تغييرات جوهرية في توازن القوى بين مكونات النسيج القبلي باليمن، لاسيما وإن الحوثيين على الرغم من تمرسهم في القتال ضد الدولة خلال العشرية الماضية، إلا إنهم، من الناحيتين، البشرية والمادية، ليسوا في قوة ونفوذ قبائل حاشد، التي مثلت العصب الأقوى لمفاصل الدولة اليمنية طوال حقبة الرئيس علي عبد الله صالح، وخاصة في الأبنية العسكرية والأمنية والمحلية للدولة.

السياق، إذن، بات ملائمًا أمام الحوثيين، لتحقيق هدفهم التكتيكي الثاني، بالإجهاز على خصومهم القبليين، من قبائل الحاشد، بهدف تفتيت الجناح القبلي المسلح المساند والداعم للإخوان المسلمين، في نسختها اليمنية، متمثلة في حزب التجمع اليمني للإصلاح، حتى يسهل تفكيك الجناح المدني المنظم المتمركز في مفاصل الدولة، فكان توسيع دائرة الاقتتال بين الجانبين، منذ فبراير الماضي، ليشمل رقعة محافظة عمران ككل، وهي المنطقة التي يتموضع فيها قبائل حاشد بشكل تقليدي.

وعلى الرغم من وجود مبادرات لوقف القتال، والتوصل في بعض الأحيان إلى هدنة لوقف إطلاق النار بين الجانبين، إلا أن تلك المبادرات دائمًا ما كانت تنقض من قبل الحوثيين، وكان آخرها اتفاق التهدئة في 23 يونيو الماضي، والذي نقضه الحوثيون، كالعادة، وصولاً إلى احتدام المعارك في عمران مطلع يوليو الجاري، قبل أن يعلن علي القحوم، من المكتب الإعلامي لـ"أنصار الله"، سيطرة الحوثيين الكاملة على محافظة عمران، بعد قتال دام مع اللواء 310 مدرع، أقوى لواء تابع للجيش اليمني في شمالي البلاد، أسفر عن مقتل قائده العميد حميد القشيبي [7].

وفي رد فعل بدا ضعيفًا وغير متوائم مع طبيعة الحدث، اعتبر الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، أن اقتحام الحوثيين لمدينة عمران والسيطرة عليها وعلى معسكرات الجيش ونهب معداتها أمر "غير مقبول" واستهداف للعملية السياسية، وانقلاب على مخرجات الحوار الوطني [8]، في حين أعرب منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، يوهانس فان دير كلاو، عن القلق إزاء التصعيد الأخير للصراع في محافظة عمران [9].

أما مجلس الأمن الدولي فقد طلب في اجتماع له، وبإجماع أعضاءه الخمسة عشر، طلب من الحوثيين في اليمن، مغادرة مدينة عمران التي سيطروا عليها، وكرر دعمه للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي وللعملية السياسية الانتقالية في البلاد [10]، ولسنا هنا بحاجة لاستعراض المواقف الدولية والإقليمية إزاء تطورات المشهد اليمني، بشكل مفصل، لأنها لم تخرج، في مجملها، عن تلك النبرة الخجولة القلقة، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج، وكأن الأمر ليس له ما وراءه من ظلال وتداعيات على اليمن، وبل وعلى المنطقة ككل.

معركة عمران: المحفزات والسياقات

وهذا يعيدنا إلى المنطلق الثالث لاستراتيجية الحوثيين، وهو الشق السياسي التكتيكي، المتعلق بالمشاركة في جلسات الحوار الوطني المتعلق بترتيبات العملية السياسية الانتقالية للبلاد، حيث أعلنت لجنة الأقاليم التي شكلها الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، منبثقة عن الحوار الوطني، عن تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم في دولة اتحادية، حيث تم التوافق، وفقًا للجنة، على تسمية الأقاليم الستة وفقًا للمعايير العلمية والأمنية للدولة، بحسب اللجنة.

ويشمل الإقليم الأول؛ المهرة، وحضرموت، وشبوة، وسقطرى، ويسمى إقليم حضرموت وعاصمته المكلا. أما الإقليم الثاني فيشمل؛ الجوف، ومأرب والبيضاء، ويسمى إقليم سبأ، وعاصمته سبأ، والإقليم الثالث يضم؛ عدن، وأبين، ولحج، والضالع، ويسمى إقليم عدن، وعاصمته عدن. والإقليم الرابع يشمل؛ تعز، وأب، ويسمى إقليم الجند، وعاصمته تعز، والإقليم الخامس يشمل؛ صعدة، وصنعاء، وعمران، وذمار، ويسمى إقليم أزال، وعاصمته صنعاء. أما الإقليم السادس فيشمل؛ الحديدة، وريمة، والمحويت، وحجة، ويسمى إقليم تهامة، وعاصمته الحديدة [11].

التقسيم الذي خلصت إليه اللجنة، إذن، وعلى الرغم من تمثيل الحوثيين في الحوار الوطني للتأثير على مخرجاته النهائية،  لم يأت على هوى جماعة "أنصار الله"، فمبوجب هذا التقسيم لن يحظى الحوثيون بمنفذ على البحر الأحمر، من خلال سواحل محافظة حجة، التي ألحقت بإقليم تهامة, كما لن يحظوا بتأثير على المناطق النفطية المتمركزة في محافظة الجوف، والتي ألحقت بإقليم سبأ، ومن ثم فقد أعرب الحوثيون عن رفضهم للتقسيم الجديد، بدعوى، أنه يقسم اليمن إلى أغنياء وفقراء، وفقًا لمحمد البخيتي، أحد قيادات الحوثيين، مضيفًا، "إن هذا التقسيم أتى بصعدة مع عمران وذمار، وكان من المفترض أن تكون صعدة، الأقرب ثقافيًا وحدوديًا واجتماعيًا مع حجة والجوف" [12].

ولعل هذا يفسر لنا إحدى دلالات توقيت توسيع أعمال القتال في محافظة عمران، حيث إن انخراط الحوثيين في جلسات الحوار الوطني واجتماعات لجنة الأقاليم، كان يسير بالتوازي مع انخراطهم في العمل المسلح على الأرض، لتعظيم تمثيلهم السياسي في أي ترتيبات مستقبلية للدولة اليمنية، ومن ثم فقد زاد الحوثيون من تصعيدهم العسكري وزيادة رقعة المواجهات في مناطق جديدة، حينما استشعروا أن مسارهم السياسي لم يأت لهم بالحد الأدنى من أهدافهم الجيواستراتيجية، وهو ضمان منفذ بحري دائم، والسيطرة على مناطق النفط، كورقة عسكرية واقتصادية مهمة في تحركهم المناوئ للدولة على المديين؛ المتوسط والبعيد.

وإذا كان تعداد الكتلة المقاتلة الرئيسة للحوثيين، وفقًا لبعض التقديرات التي تعود إلى عام 2010 [13]، يبلغ نحو عشرة آلاف مقاتل، وهم مدربون تدريبًا عسكريًا عاليًا، ويمتلكون ترسانة من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة، ومع التسليم بأن تلك القدرات العسكرية قد زادت في السنوات الثلاث الأخيرة، ولعل آخرها، غنم الحوثيين لعتاد اللواء 310 مدرع المرابط في عمران، كاملاً، والذي يشمل 50 دبابة و800 صاروخ من طراز "كاتيوشا"، بالإضافة إلى منصتي إطلاق صواريخ، فإن هذا لا يغفل حقيقة أن انتصاراتهم الأخيرة، لاسيما في عمران، وانتشارهم في رقعات جغرافية ممتدة، وتوغلهم في تكتلات سكانية كبيرة، ما كان لها أن تتم من دون سياق داخلي محفز وداعم، يوازيه سياق آخر، إقليمي، غير ممانع أو متغاضٍ.

يبدو السياق الداخلي اليمني مليئًا بالفاعلين المناوئين للدولة، والذين يرون في إسقاطها، أو إضعافها على أقل تقدير، هدفًا مشتركًا، يحقق لكل فاعل منهم أهدافه الاستراتيجية النهائية، ولعل أبرز هؤلاء الفاعلين، إلى جانب الحوثيين، قوى الحراك الجنوبي، وتنظيم القاعدة، وقوى الرئيس السابق على عبد الله صالح، وربما يتقاسم الحوثيون مع قوى الحراك الجنوبي هدف إقامة دولة مستقلة لكل منهما، في حين يتقاسم الحوثيون والقاعدة هدف إثارة الفوضى وإضعاف قبضة الدولة لسهولة تحركهم اللوجيستي على الأرض، أما قوى النظام السابق من قواعد علي عبد الله صالح وأنصاره، فإنهم يتقاسمون مع الحوثيين العداء لقبائل حاشد وآل الأحمر، كما يتقاسمون، معًا، رغبتهم المشتركة في إفشال المرحلة الانتقالية وترتيباتها، والعمل على إيجاد موطئ قدم لهم في تلك الترتيبات، بما يمكنهم في تحقيق أهدافهم الاستراتيجية.

ومن ثم فقد اعتمد الحوثيون في توسعهم العسكري الأخير، داخليًا، على جملة من المحددات، أبرزها؛ الاختراقات البنيوية التي أحدثتها الجولات العسكرية السابقة التي خاضوها مع خصومهم المذهبيين والقبليين، والتغيرات الجوهرية في خريطة تحالفات الفاعلين المحليين والذي أحدثته ثورة الشباب السلمية في 2011، بالإضافة إلى الدعم اللوجستي المستمد بالأساس من أنصار الرئيس السابق على عبد الله صالح ورافضي ترسيخ دور الدولة واستتباب أمرها، والراغبين في إبقاء جذوة الصراع الأهلي متقدة في اليمن لضمان مصالحهم الداخلية والإقليمية [14].

ويبدو أن الرئيس السابق علي عبد الله صالح ورجاله، قد أبرموا تحالفًا، مستترًا، مع الحوثيين، للنيل من خصومهم السياسيين الذين يعتقد أنهم أطاحوا بهم وأنهوا وجودهم السياسي في البلاد، وعلى رأسهم، قبائل حاشد، وفي القلب منهم آل الأحمر، والتجمع اليمني للإصلاح، حيث اعتمدت القوات الحوثية المسلحة، الحليف الجديد للرئيس السابق في مشروع إسقاط النظام الانتقالي، تكتيكًا يقوم على الانتشار الصوري الواسع  في المناطق المتاخمة للعاصمة صنعاء، على نحو يوحي بأن هذا الانتشار يعبر عن انتصارات عسكرية، عن طريق صفقات تبرم مع متنفذي تلك المناطق، من المشايخ والعواقل الموالين لصالح، بما يسمح للمقاتلين الحوثيين بالتواجد في القرى والمناطق المأهولة، فيصور الأمر على أنه انتصارات عسكرية للحوثيين، ويعيق في ذات الوقت أي قدرة لقوات الجيش على قتالهم، بعد أن باتوا متحصنين بالسكان المحليين من أبناء تلك المناطق التي انتشروا فيها [15].

وعلى صعيد السياق الإقليمي، فقد عمد الحوثيون إلى تعظيم مكاسبهم العسكرية، ومن ثم السياسية، على الأرض، مستندين في ذلك على حالة من التغاضي "المريب" للقوى الإقليمية والدولية، بفعل المخاوف الخليجية والأمريكية، التي لا تخفى، من صعود قوى الإسلام السياسي خلال ما يعرف بـ"ثورات الربيع العربي"، وظلال التقارب الملحوظ بين واشنطن وطهران، لاسيما بعد التوصل إلى اتقافية "5+1" بشأن البرنامج النووي الإيراني، وأجواء الخلاف السعودي الأمريكي بشأن حلحلة الأزمة في سوريا، والاستفادة من الاستراتيجية الغربية الداعمة للأقليات لإحداث توازن سياسي ومجتمعي مع قوى الإسلاميين، والحرب الدولية على الجماعات المسلحة، غير الشيعية، وفقًا لاستراتيجية مكافحة الإرهاب [16].

ما بعد عمران.. معارك متوقعة ومسارات محتملة

ومع رمزية استيلاء قوات الحوثيين على محافظة عمران، والتي توحي بقدرتهم على استهداف الحزام الاستراتيجي المحيط بالعاصمة اليمنية صنعاء، يكون الحوثيون قد أوصلوا رسالتهم من تلك المعركة لمن يهمه الأمر، ومن ثم فقد أعلنوا، استعداد مقاتليهم للانسحاب من مدينة عمران، تلبية لدعوة وجهها مجلس الأمن الدولي بهذا الشأن، وفقًا للمتحدث باسمهم، محمد عبد السلام، والذي أكد أن ترتيبات الانسحاب من المدينة وتسليم المواقع التي تم الاستيلاء عليها للقوات الحكومية تم بالتنسيق مع وزارة الدفاع اليمنية [17].

وعلى الرغم من تسلم الشرطة العسكرية اليمنية مبنى المجمع الحكومي في مدينة عمران، بالفعل، إلا إن الحكومة وصفت إعلان الحوثيين الانسحاب من عمران بأنه "خطوة غير مكتملة" واتهمتهم بالمماطلة [18]، وحتى في حال استكمال الحوثيين انسحابهم من عمران عسكريًا، فسيبقى نفوذهم السياسي والإداري هو المهيمن على سلطاتها المحلية، وفقًا للمعنيين بالشأن اليمني، بعد أن ورثوا نفوذ خصومهم الإصلاحيين وحلفائهم القبليين من آل الأحمر، الذين قد خسروا، بسقوط عمران، أهم معاقلهم القبلية المنيعة في اليمن، حتى إشعار آخر.

وإذا كان لمعركة عمران ما وراءها، فإن ما يشغل بال المراقبين للشأن اليمني، هو استشراف ماهية المعركة القادمة التي يعد لها الحوثيون، لاسيما وأن طموحهم السياسي لن يتوقف على مجرد القيام بدور الجماعة المتمردة التي تناوئ خصومها، هنا وهناك، لتحقيق غايات محدودة وأهداف قريبة فحسب، حيث يسعى الحوثيون للوصول إلى السلطة، باعتقاد راسخ بالحق الإلهي في الحكم، وهو الحق الذي يعتقدون أنه سرق منهم بسقوط نظام "الإمامة" في شمال اليمن عام 1962 [19]، حتى وإن ادعى خطابهم السياسي عكس ذلك لاعتبارات تكتيكية واستراتيجية عدة، وسواء كان وصولهم للسلطة بشكل كامل أو عبر آلية الحكم الذاتي، أو إقامة دويلة مستقلة، جنوب المملكة العربية السعودية على ساحل البحر الأحمر، أيها أقرب.

 ومن ثم فإنه من المتوقع أن تستمر الاستراتيجية الحوثية ما بعد معركة عمران مرتكزة على مساريها المتوازيين؛ العسكري والسياسي، فكما اضطلع الحوثيون في الفترة الماضية بمهام عسكرية، للتخلص من خصومهم المذهبيين والقبليين، وأخرى سياسية، تتعلق بالحضور القوى والمؤثر على طاولة التفاوض في جولات الحوار الوطني واستحقاقاته، فإن مهامًا عسكرية وسياسية ستكون بانتظار الحوثيين خلال الفترة القليلة القادمة.

فعلى المسار العسكري، فإنه من المتوقع أن يستمر الحوثيون في استراتيجيتهم المتعقلة بالنيل من الخصوم القبليين والمذهبيين وتقليص نفوذهم في مناطقهم التقليدية، فبعد معركة عمران، قد يكون الهدف القادم للحوثيين، هو التحرك باتجاه محافظة الجوف، شرق عمران، والتي تعد معقلاً لنفوذ حزب التجمع اليمني للإصلاح وحلفائه، ويديرها محافظ من قياداتهم القبلية، ولعل ما يؤشر على ذلك اندلاع بعض المواجهات المحدودة، بين الحوثيين وقوى الإصلاح، في منطقة "الغيل" التابعة للجوف، وفي منطقة "الصفراء" التابعة إداريًا لمحافظة مأرب المجاورة.

وعلى الصعيد السياسي، من المتوقع أن الحوثيين سيستمرون في الضغط لإقالة حكومة رئيس الوزراء محمد سالم باسندوة، أو الحصول على نصيب لا بأس به فيها، على أقل تقدير، بما يضمن لهم المشاركة في الإشراف على تنفيذ مخرجات الحوار الوطني التي أقرت قيام دولة اتحادية من ستة أقاليم، في محاولة لتغيير تسمية الأقاليم بما يضمن لهم تحقيق المنفذ البحري والسيطرة النفطية، وتأجيل باقي الاستحقاقات المبتغاة، حوثيًا، بانتظار انتهاء اللجنة المكلفة بكتابة الدستور من عملها للاستفتاء عليه العام المقبل [20].

وليس من المتوقع أن يغامر الحوثيون باستهداف العاصمة صنعاء، عسكريًا، خلال الفترة القادمة، ولكن إسقاطهم لعمران، يعني، وفقًا لما سلف بيانه، أن العاصمة باتت على مرمى حجر من قواتهم [21]، وهي رسالة ضمنية مفادها أن صنعاء ليست بعيدة عن قبضة الحوثيين، إن أرادوا، وهي رسالة لها بعدها السياسي حتى وإن كان يعوزها الدقة العسكرية لاعتبارت خصوصية صنعاء، محليًا وإقليميًا ودوليًا، ولكن المؤكد أن ما غنمه الحوثيون من اللواء 310 مدرع بعمران سيتم استغلاله في إخضاع معسكرات أخرى للجيش، شمالي البلاد، أقل قوة وتسليحًا من اللواء 310، كما سيتم توجيه شق من تلك الغنائم في معركتهم القادمة في الجوف.

وإذا كانت السيناريوهات في اليمن مفتوحة على كافة الاحتمالات، فإن نجاح الحوثيين وبلوغهم أهدافهم من عدمه، سيتوقف، إلى جانب السياقات الداخلية، على مدى رغبة المجتمع الدولي والقوى الدولية والإقليمية الرئيسة النافذة في اليمن، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة العربية السعودية وإيران، في إقامة دولة يمنية ديمقراطية موحدة، وهي الرغبة التي ربما تكشف عنها تحركات ما بعد رسالة إسقاط عمران، التي أكدت أن الصفيح اليمني الساخن قد ينفجر يومًا في وجه الجميع، وأن انفجاره سيكون له تداعياته الكارثية على السلم والأمن الإقليمي والدولي على حد سواء.

المصادر

[1]- World Bank, Republic of Yemen; Country Social Analysis, Report No.: 34008-YE, January, 2006, p. 12.  

[2]- International Crisis Group,  The Huthis : From Saada to Sanaa, Middle East Report N°154, 10 June 2014, P.P 2-3.

[3]- "اليمن: الحوثيون يسيطرون على عمران والطيران يشن غارات"، دويتش فيله، 8/7/2014.

[4]- انظر في ذلك، مصطفى شفيق علام، "التقدم الحوثي .. من دماج إلى حاشد ومستقبل الدولة اليمنية"، معهد العربية للدراسات، 8/2/2014.

[5]- "سلفيون يغادرون دماج باليمن عقب هدنة مع الحوثيين"، العربية. نت، 12/1/2014.

[6]- انظر:

- "المتمردون الحوثيون يحرزون تقدمًا ضد القبائل شمالي اليمن"، فرانس 24، 2/2/2014.

- "الحوثيون يفجرون بيت الشيخ الأحمر في شمال اليمن"، العربية. نت، 2/2/2014.

[7]- "الطائرات اليمنية تقصف مواقع للحوثيين في عمران"، دويتش فيله، 9/7/2014.

[8]- "هادي يطالب الحوثيين بالانسحاب من عمران"، سكاي نيوز عربية، 14/7/2014.

[9]- "اليمن: الأمم المتحدة تشعر بالقلق إزاء محنة المدنيين المحاصرين في محافظة عمران"، مركز أنباء الأمم المتحدة، 9/7/2014.

[10]- "مجلس الأمن: على الحوثيين مغادرة عمران"، سكاي نيوز عربية، 11/7/2014.

[11]- "اليمن يعلن دولة اتحادية ويحرم الحوثيين من منفذ بحري"، العربية. نت، 11/2/2014.

[12]- "الحوثيون يرفضون صيغة الأقاليم الستة لأنها تقسم اليمن إلى أغنياء وفقراء"، فرانس 24، 11/2/2014.

[13]- Barak Salmoni, "Yemen's Forever War: The Houthi Rebellion", POLICY WATCH, No. 1681, Washington Institute for Near East Policy, 20/7/2010.

[14]- عبد السلام محمد، "الحوثيون على أبواب صنعاء.. فشل سياسي وغرور مسلح"، الجزيرة. نت، 2/3/2014.

[15]- ياسين التميمي، "الحرب بآخر الأسلحة على تخوم العاصمة اليمنية"، عربي 21، 22/6/2014، على الرابط التالي:

 http://arabi21.com/Story/757311

[16]- عبد السلام محمد، مرجع سابق.

[17]- اليمن: "الحوثيون يستعدون للانسحاب من مدينة عمران"، دويتش فيله، 12/7/2014.

[18]- "دلالات انسحاب الحوثيين من عمران"، ما وراء الخبر، الجزيرة. نت، 19/7/2014.

[19]- عبد الله الفقيه، "اليمن 2014: التهديدات الماثلة، والخطوات المطلوبة"، موقع الجماعة العربية للديمقراطية، 5/12/2013، على الرابط التالي:

 http://www.arabsfordemocracy.net/democracy/pages/view/pageId/3785

[20]- علي ربيع، "سقوط عمران يسلب الإخوان معقلهم ويضع الحوثيين على أبواب صنعاء"، الحياة اللندينة، 20/7/2014.

[21]- عارف أبو حاتم، "سقوط عمران وصعود الحوثيين.. الخلفيات والمآلات"، الجزيرة. نت، 17/7/2014. 

عاجل

x