مسارات خمس لمواجهة العنف في سيناء!

بقلم : كرم سعيد كرم سعيد
الإثنين هـ - 03 نوفمبر 2014م

في الوقت الذي تعتبر فيه سيناء الجناح الشرقي عمقاً استراتيجيا لمصر، فأنها مثلت من جهة أخرى هاجساً أمنياً زادت وتيرته مع تجاهل تنمية شبة الجزيرة، وتكريس المنطق الأمني في التعامل مع أهلها.

وتصاعد القلق في السنوات الأخيرة إثر تزايد جماعات العنف التي تتحصن بجبل الحلال وأوساط السكان بالقرب من الحدود مع قطاع غزة ناهيك عن الهجمات على معسكرات الجيش داخل سيناء، وفي هذا السياق، جاء هجوم مدينة الشيخ زويد (شمال سيناء) في 25 أكتوبر الجاري.

وأسفر الهجوم الذي استهدف نقطة كرم القواديس العسكرية عن سقوط 30 قتيلا وإصابة 33 آخرين، وهو الأمر الذي استدعى معه إعلان حال الطوارئ على مدن شمال سيناء لمدة ثلاثة أشهر، وفرض حظر التجوال في مؤشر إلى تطوير العمليات العسكرية لملاحقة المسلحين في شبه الجزيرة.

سيناء .. الوصف والأزمة:

في الوقت الذي ألمح فيه الرئيس المصري إلى دعم خارجي تم تقديمه لتنفيذ هذه العملية ضد الجيش بهدف إسقاط الدولة، ذهب البعض إلى تسييس العمليات الإرهابية، والأرجح أن السعي إلى تفسير "خارجي" للهجوم الإرهابي في كرم القواديس، على وجاهته، في ظل حال التوتر الذي يعتري علاقة القاهرة مع حماس وبعض القوى الإقليمية، إلا أن الاعتماد على هذا التبرير وحده ليس كافيا، فالمعضلة الأمنية في سيناء لا يمكن مواجهتها بمعزل عن السياسات اللازمة لتغيير بيئة اجتماعية يسودها الشعور بالقهر والإحباط. فلا تزال المشاكل التي يعاني منها سكان سيناء قائمة كما هي منذ إنهاء احتلالها وعودتها إلى مصر كاملة عام 1982.

أضف إلى ما سبق أن ثمة شعور لدى قطاعات، ليست صغيرة، من أهالي سيناء بأنهم لا يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة ناهيك عن أنهم وحدهم دون غيرهم من المصريين ما زالوا محرومين من حقهم الطبيعي في تملك الأراضي سواء التي يزرعونها أو تلك التي يقيمون عليها هم وأولادهم(1) مع مراعاة أن سيناء تمثل حوالي 6.25% من مساحة مصر تقريباً، وتعتبر بوابتها الشرقية وحلقة الوصل بين المشرق والمغرب العربي، إضافة إلى أنها تمثل المورد الأول لثروة مصر المعدنية.

 وقد بلغ عدد سكان سيناء وفقا لتعداد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في العام 2012 نحو 554 ألف نسمة، يعيش 70% منهم بشمال سيناء مقابل 30% بالجنوب، وبذلك يصل عدد سكانها إلى حوالي 0.5% من سكان مصر.  وينقسم سكان سيناء إلى ثلاث مجموعات. أولها البدو، وهم السكان الأصليون الذين قدموا من شبه الجزيرة العربية، ويتوزعون على 15 قبيلة، وتتركز هذه القبائل في المناطق الساحلية شمالاً وفى المناطق الواقعة في الشرق من القناة وخليج السويس، ويعمل أبناؤها في الزراعة والصيد والتجارة والإرشاد السياحي وثانيها الفلسطينيون ويمثلون المجموعة الثانية من السكان، وهم ثلث سكان العريش. وحتى سنة ۱۹۷۸ كانوا يعاملون كمصريين في التعليم والصحة والتوظيف، ولكن بعد كامب ديفيد صنفوا كأجانب. وثالثها الذين وفدوا إلى سيناء بعد الانسحاب الإسرائيلي منها في عام 1982. واغلب هؤلاء من محافظات الدلتا، خصوصا محافظة المنوفية. (2)

 والواقع أن سيناء منسية ولا تأخذ حقها في التعمير والتنمية. وقد كان هناك مشروع قديم لتعمير صحراء سيناء وزرعها بالقرى الدفاعية وضعه سلاح المهندسين في عام 1955، وكانت فكرته مستوحاة من الكانتونات الإسرائيلية في صحراء النقب القائمة على الحدود، ولكن مع تأميم القناة وحرب السويس وبناء السد العالي تعطل المشروع.

 وفى عام 1994 انطلق المشروع القومي لتنمية سيناء، والذي هدف إلى توطين 3 ملايين نسمة في سيناء وتوفير نحو 612 ألف فرصة عمل، غير أنه لم يحقق المرجو منه بعد مرور كل هذا السنوات(3)، ورغم أنه كان من المنتظر أن توضع سيناء في صدارة المشهد بعد الربيع المصري إلا أن الجهود ما زالت أولية ومحدودة.

خريطة العنف في سيناء

تزخر سيناء بعدد غير معلوم، ولكنه متزايد ممن يُطلق عليهم الجهاديون والتكفيريون، في ظل ضعف قدرات قوات الأمن المحدودة فيها، بموجب اتفاقية كامب ديفيد الموقعة بين مصر وإسرائيل في العام 1978 فضلا عن سهولة عبور الدعم إليها عبر الحدود وخصوصا مع قطاع غزة حيث يوجد عدد من الجماعات الراديكالية.

والواقع أن الإهمال التنموي والتداعيات السلبية لاتفاقية كامب ديفيد، أسهما في خلق بيئة تسمح بتعايش أصحاب الاتجاهات المتشددة والأفكار المتطرفة، وفي سياق متصل لا يمكن إغفال دور العامل الخارجي في تنامي قدرات الجماعات المسلحة في سيناء، فعلى سبيل المثال توطدت الصلات بين "الجهاديين" المصريين وآخرين في القاعدة والجيوب التابعة لها في المحيط الإقليمي لمصر، وهذه الصلات ليست جديدة. فكان هناك ما يدل على وجودها منذ منتصف العقد الماضي، وظهرت بعض ملامحها في الهجمات المسلحة ضد بعض المواقع السياحية في سيناء، والتي تواترت بصفة خاصة في الفترة بين عامي 2004 و2006.

وتتراوح أعداد المنتمين للتنظيمات الجهادية في سيناء بين 2500 و3000 عضو، وتتكون معظم الجماعات من خلايا صغيرة محدودة العدد، ولا تميل في معظمها إلى الاندماج في كيانات أكبر وأكثر تنظيما.

وتشير المعطيات إلى وجود أربعة أقسام من الجماعات الإسلامية في سيناء، على رأسها الجماعات السلفية، وهى جماعات منتشرة بطول سيناء وعرضها، وينتهج أعضاؤها منهجا سلميا لا يميل إلى العنف، بالإضافة إلى الجماعات الجهادية التي ترفع راية الجهاد في وجه إسرائيل فضلا عن الجماعات التكفيرية، وهى جماعات تنتهج فكرا متشددا، وتتركز بالمنطقة الحدودية، خاصة مركزي رفح والشيخ زويد، بالإضافة إلى منطقة الوسط، ومنها "أنصار بيت المقدس" التي يرتكز فكرها على مبدأ الجهاد ضد الكفار الذين لا يقيمون شرع الله، أما النوع الرابع من الجماعات الإسلامية فيمكن وصفه بـ«الخلايا النائمة»، حيث إنها جماعات إسلامية غير محددة الفكر بشكل واضح، إذ تنتهج خليطا من الأفكار السلفية والجهادية والتكفيرية، لكن معظمها لا يعمل بشكل تنظيمي(4).

تطور القلق المصري في سيناء

سلسلة من الإجراءات قامت بها الدولة المصرية لمحاصرة الجماعات المسلحة في سيناء أولها إقامة الجدار الفولاذي أو الجدار العازل على طول حدودها مع قطاع غزة يمتد على طول 9 كيلو مترات ويتراوح عمقه في الأرض ما بين 20-30 مترا. وشيد الجدار من الحديد الصلب بحيث يصعب اختراقه أو صهره بوسائل مختلفة، وجاءت الخطوة في سياق جهود منع حفر الأنفاق التي تستخدم لتمرير البضائع والأسلحة إلى قطاع غزة. (5)

وجوار هذه الخطوة قامت دوريات أمنية بالتعاون مع قوات حفظ السلام في سيناء بجولات في المناطق الحدودية مع القطاع ناهيك عن تشديد الرقابة على الحواجز العسكرية الموزعة في سيناء.

غير أن الخطوة الأهم كانت في تنفيذ العملية "نسر" التي بدأت في أغسطس 2011، وهي أكبر عملية عسكرية في سيناء منذ حرب عام 1973 ضد المسلحين، وتم حشد أكبر عدد ممكن من القوات والعتاد والتي شملت عدد كبير من الآليات العسكرية مثل الطائرات والدبابات والمدرعات والقنابل وغيرها في مواجهة عدو غير تقليدي يعتمد على الكر والفر.

وشملت حدود العملية مناطق بئر العبد والعريش والشيخ زويد ورفح ناهيك عن جبال سيناء التي تتسم بالوعورة وبخاصة جبل الحلال الحصن المنيع والملاذ الأمن للتيارات الراديكالية.

وهدفت العملية نسر التي حملت فيما بعد اسم "سيناء" بالأساس إلى وقف تدهور الأوضاع الأمنية وتهيئة الظروف لاستعادة الأمن إضافة إلى تعزيز قوة الردع للدولة، خصوصا في المناطق الأكثر هشاشة وتأثراً بانعكاسات العمليات الإرهابية. (6)

ودخلت القوات المصرية للمرة الأولى إلى المناطق ب و ج جنباً إلى جنب تنظيم نقاط ودوريات إضافية في العمق على كافة محاور التحرك في سيناء، وكذلك هدم عدد كبير من الأنفاق التي تصل بين سيناء وقطاع غزة الذي تحول إلى مفرخة للعناصر الراديكالية.

غير أن هذه الإجراءات العسكرية لم تكن كافية لقضم الجماعات الجهادية في سيناء، وهو الأمر الذي دفع القيادة المصرية إلى اتخاذ عدة قرارات عقب حادث كرم القواديس أبرزها إقامة منطقة عازلة على الحدود مع قطاع غزة، وعلى الصعيد السياسي أجلت مفاوضات التهدئة الغير مباشرة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بالقاهرة، وأغلقت معبر رفح. (7)

ولم يكن حادث كرم القواديس ضد قوات الأمن هو الأول من نوعه وأن كان الاسوأ، فقد سبق ذلك عدد من الهجمات الإرهابية طوال الفترة التي مضت، ففي أغسطس 2013 قتل 25 شرطيا بعد نحو شهر من إطاحة الجيش حكم الرئيس مرسي في يوليو 2013. كما قتل 22 جندياً في الجيش في هجوم ضد نقطة لحرس الحدود قرب الفرافرة في صحراء مصر الغربية، جنوب غربي القاهرة في 19 تموز (يوليو) الماضي. (8)

وقبل عامين وتحديدا في أغسطس 2012، قتل 16 جندياً من قوات حرس الحدود في هجوم ضد نقطة أمنية في رفح وقت الإفطار، وتلا ذلك اختطاف سبعة جنود مصريين في سيناء في مايو 2013، وأعلنت السلفية الجهادية في بيان لها مسئوليتها عن اختطاف جنود الجيش المصري في شمال سيناء، وأكدت: "إن الاختطاف جاء بعد التعذيب والظلم اللذين تعرض لهما المعتقلون السياسيون من الجهاديين في سجن طرة".

وبدأت حوادث الاعتداء على المعسكرات الأمنية وخطف الجنود في سيناء منذ العام 20011، مع تصاعد حال الفوضى والانفلات الأمني الذي شهدته البلاد أعقاب الإطاحة بنظام مبارك، وفي هذا السياق تم اختطاف ثلاثة ضباط وأمين شرطة في فبراير 2011. (9)

والأرجح أن سلسلة الهجمات التي استهدفت مصالح للدولة المصريّة أو مراكز أمنيّة في شبه جزيرة سيناء، لم تكن وليدة اللحظة، فالمنطقة تعاني منذ عقودٍ من توتّرات أمنيّة كان سببها الأساسي انسحاب الدولة وما نجم عنه من انتعاش سوق الجماعات المسلحة بعيداً عن رقابة الجهات الرسمية.

وفى سياق التطور النوعي لعمليات الجهاديين في سيناء، تم استهداف وتفجير خط الغاز الطبيعي المُصدر لإسرائيل والأردن خلال العام العامين الماضيين، وشهدت خطوط الغاز الطبيعي بشمال سيناء أكثر من 20 تفجيراً منذ بداية ثورة 25 يناير ناهيك عن عمليات اختطاف لسائحين أجانب.

والمتابع للتطورات السياسية والأمنية وللحركة الميدانية في سيناء في الفترة الماضية، خصوصا على جانبي الحدود مع إسرائيل وغزة يدرك أن هناك شيئا يتحرك ويكبر مستنداً إلى حال الانفلات الأمني الذي نشأ بسبب غياب الأمن وعودة الجماعات المتطرفة، وكذلك ظاهرة الأنفاق وما ترتب عليها من تداعيات سلبية.

 

بين قطاع غز وحدود المسئولية

معروف منذ سنوات طويلة أن جماعات متطرفة دينيا تعمل لتوطيد وجودها ودعم ركائزها في سيناء. ولم يكن هناك جدل حول وجود هذه الجماعات من عدمه. فقد تركز الجدل على مرجعيتها ومصادرها الفقهية والفكرية وتوجهاتها وعلاقاتها مع تنظيم القاعدة و "داعش".

ولذلك كان مدهشاً أن يلجأ البعض إلى "تسيس العمليات الإرهابية" لتفسير الهجوم الذي حدث على نقطة كرم القواديس، أو الترويج لنظرية المؤامرة من خلال الحديث عن عبور حمساويين من القطاع إلى سيناء لتنفيذ الهجوم الإرهابي.

وعلى الرغم من أن رئيس الدولة عبد الفتاح السيسي أقر في كلمة وجهها إلى المصريين عقب الحادث إلى اتخاذ إجراءات لمواجهة التطور النوعي في العمليات الإرهابية، إلا أنه أشار ضمناً بأصابع الاتهام إلى قطاع غزة، عندما أشار إلى اتخاذ إجراءات أمنية على الشريط الحدودي مع غزة "لإنهاء المشكلة من جذورها". (10)

صحيح أنه لا توجد أدلة قاطعة على تورط حماس في دعم منظمات الإرهاب في سيناء إلا أن تمركز بعضها داخل القطاع مثل جيش الحق وسيوف الحق وكذلك جيش الإسلام فضلا عن عدم إصدار بيان من قيادة حماس تعتبر فيه أنصار بيت المقدس تنظيما إرهابيا يضع كثيرا من علامات الاستفهام بشأن موقف حماس.

قد تكون لحماس مصلحة من وراء ستار في اضطراب الأوضاع في مصر، لتصدير صورة ذهنية لنظام الحكم الجديدة الذي يتسع الرتق بينه وبين حركة "حماس" التي تمثل امتداداً ايديولوجيا لجماعة الإخوان. لكن لا تكون لحماس من جانب آخر مصلحة في تسخين الجبهة الشرقية في مصر، في الوقت الذي لعبت فيه القاهرة دوراً لا تخطئه عين في وقف العدوان الإسرائيلي على غزة قبل نحو شهر ونصف الشهر، واستضافت في أكتوبر الجاري مؤتمر لإعادة إعمار غزة ناهيك عن حاجتها إلى المعابر المصرية لتمرير احتجاجاتها بعد تدمير قطاع معتبر من الأنفاق فضلا عن قيود على المعابر الإسرائيلية.

في سياق متصل فإن الجماعات المتطرفة المصرية الموجودة في سيناء، والتي توسع حضورها في الفترة الأخيرة، يمكن لها تنفيذ عملية من هذا النوع اعتمادا على نفسها إلى جانب مساعدات لوجستية محدودة من متطرفين ربما داخل القطاع أو خارجه.

لذلك فإن احتمالات دور لحماس في تقديم دعم عسكري مباشر في عملية "كرم القواديس" غير مؤكدة وتبدو بعيدة، وكان بارزاً، هنا، إقامة الحركة "بيت عزاء" لقتلى الجيش المصري في 24 أكتوبر الجاري، وتأكيد موسي أبو مرزوق عضو المكتب السياسي لحماس في تصريحات له في 26 أكتوبر الجاري أن ما جرى في سيناء عملية إرهابية فضلا عن إعلان أحمد يوسف القيادي في حماس في 27 أكتوبر عن جاهزية الحركة لأي تعاون أمني مع أجهزة الدولة المصرية. (11)

وفي محاولة للقفز على الاتهام المصري دفعت الحركة بمئات من عناصرها إلى الحدود في تأكيد على أنها مضبوطة من الجانب الفلسطيني، بل وتراقب الحركة كل كبيرة وصغيرة على الحدود في رسالة إلى مصر بأن أمنها هو جزء من أمن غزة. (12)

على صعيد ذي شأن شددت حكومة التوافق الفلسطيني على أحقية مصر لتحقيق رؤيتها بإقامة منطقة عازلة على الحدود مع غزة بهدف تحقيق الأمن، كما استبعد عضو اللجنة المركز لحركة فتح عزام الأحمد، أن يكون لحماس التي تشارك ضمن الوفد الفلسطيني المفاوض في القاهرة أية دور في هذه العملية.

والأرجح أن تسارع حماس لنفى الاتهام جملة وتفصيلاً يأتي في إطار القلق من طرح فكرة المنطقة العازلة، إذ أن المنطقة العازلة ستلقى بظلال سلبية على وضعية القطاع وأيضا البنية العسكرية لحماس التي اعتمدت في تطوير قدراتها العسكرية عبر التهريب من الأنفاق، وقد تؤثر المنطقة العازلة على برنامج تطوير المقاومة إلا أنها ستحد من التجارة غير الشرعية بين القطاع وسيناء، كما أنها ستمنح الحكومة المصرية إلى الإمساك بمفاصل المشهد الأمني على طول القطاع.

في المقابل فإن المنطقة العازلة قد تفرض ضغط كبير على حماس سياسيا وماديا، يدفعها باتجاه إجراء مصالحه حقيقية مع السلطة الفلسطينية وتسليم كل المعابر والحدود والصلاحيات الموجودة بين يديها لحكومة الحمد.

مسارات مصرية محتملة

بالرغم من أن المؤشرات لا تشير إلى نية النظام المصري الدخول في صدام مباشر مع قطاع غزة الذي تديره فعليا حركة "حماس"، وخاصة مع تصاعد الاحتجاجات في الجماعات ومسعى جماعة الإخوان إلى تسخين الجبهة الداخلية وتنشيط الحراك الطلابي والمجتمعي ضد السلطة، إلا أنه بالمقابل فإن الدولة تستعد بمجموعة من البدائل المحتملة للتعامل مع قضية سيناء.

المسار الأول: المنطقة العازلة:

عبر إقامة منطقة عازلة على طول الشريط الحدودي مع قطاع غزة يصل طولها إلى 13 كيلومتراً، وتشمل عمليات تطهير واسعة للأنفاق على الحدود بين رفح المصرية وقطاع غزة، على أن تقام بعمق يتراوح بين 500 متر و1500 متر قابلة للزيادة. (13)

وفي هذا السياق بدأت الحكومة ما أسمته خطة "إعادة توزيع ديموغرافي" للسكان المقيمين على طول خط الحدود في رفح مع قطاع غزة، الذين يعيشون في 680 منزلاً، وبالفعل بدأت السلطات المحلية بتلقي طلبات هؤلاء السكان الذين خُيِّروا بين تلقي أموال في مقابل ترك أراضيهم أو منازلهم، أو الحصول على أرض في منطقة بعيدة عن الشريط الحدودي. (14)

ورغم إدانات عربية ودولية واسعة لحادث استهداف الجنود المصريين في سيناء فضلا عن تأييد ضمني من حكومة التوافق الفلسطينية لحق مصر في اتخاذ ما تراه ضروريا لحماية أمنها القومي، إلا أن ثمة معوقات أهمها اعتراضات بعض العائلات، حيث أن الخطة تقضى بإزالة كتل سكنية كبيرة بمناطق صلاح الدين والبراهمة وحي الجبور وغيرها من الأحياء الحدودية المطلة مباشرة مع قطاع غزة، وهذا يعنى أن عشرات العائلات والقبائل مثل الجرادات ، أبوعياد، الشاعر ، القمبز ، أبو حلاوة ، البراهمة ستفقد أراضيها .

المسار الثاني: هو حفر ممر مائي:

يكون هذا الممر بطول 10 كم على طول الحدود مع غزة للحيلولة دون حفر الانفاق، إذ أن الممر المائي من شأنه أن يجعل باطن الأرض رخوة، ومن ثم صعوبة بناء أنفاق.

المسار الثالث استكمال الجدار الفولاذي:

 أن تستكمل مصر الجدار العازل "الفولاذي" الذي بدأت في بنائه في العام 2009 على طول الشريط الحدودي مع غزة بهدف حماية الأمن القومي ومنع عمليات التهريب عبر الأنفاق، ولكن المشروع لم يتم بسبب الفشل في إجلاء السكان من جهة والاعتراضات التي وجهتها فلسطين للقاهرة من جهة أخرى، حيث اتهمت الفصائل الفلسطينية نظام مبارك بالتواطؤ مع الاحتلال لتشديد الحصار على قطاع غزة.

المسار الرابع تمديد حالة الطوارئ:

 وهو ما تم فعليا عبر تمديد حالة الطواري التي أعلنها رئيس الدولة في شمال سيناء لمدة ثلاثة أشهر مع استمرار حظر التجول ليلا بالمحافظة.

المسار الخامس: التنمية في سيناء:

عبر إطلاق مشروع قومي تنموي في سيناء يتيح فرص عمل جادة غير موسمية للأهالي، خصوصا أن سيناء تعرضت للإهمال الشديد من قبل الحكومات المتعاقبة ناهيك عن أن التنمية السريعة المتمثلة في مجال السياحة جاءت على حساب السكان بالجنوب وهو ما أفشل عمليات التنمية. على جانب آخر لا توجد تنمية حقيقية تذكر في شمال سيناء، ورغم إعلان الدولة عن إنشاء ترعة السلام لتحويل جزء من مياه النيل إلى سيناء للتوسع في الرقعة والاستثمار الزراعي، فإن المشروع لم يستكمل ولم يحقق أهدافه، رغم إنفاق نحو 21 مليار جنيه على بنيته التحتية. (15)

المسار السادس: تعظيم الوجود الأمني:

عبر تطوير الإجراءات الأمنية بإضافة تعزيزات عسكرية على الحدود مع قطاع غزة وإسرائيل، وذلك بالتوازي مع تنشيط النقاط الأمنية على الحدود الليبية التي تمثل سوقا رائجة لبيع السلاح أو لعبور الجهاديين من ليبيا إلى القاهرة والعكس. ولا يخفى أن كميات هائلة من الأسلحة دخلت إلى مصر عبر الحدود مع ليبيا خلال الأشهر الماضية، وأصبحت موجودة في كثير من المناطق وخصوصا سيناء.

حال لم تنجح مصر في تحقيق أي من هذه المسارات فإننا أمام سيناريو  كارثي ويقوم على افتراض عجز الإجراءات المصرية الأمنية في ضبط الحدود مع القطاع، أو الفشل في حصار التنظيمات المتشددة وخلاياها النائمة في سيناء. وستتزايد الأخطار التي تهدد الداخل المصري، وبالتالي وصول دخول المناخ مرحلة الشحن ووصول المشهد إلى الذروة في سيناء سواء بين الدولة والقطاع من جهة أو بين الدولة والجماعات التكفيرية من جهة أخرى.

المصادر

  1. د. وحيد عبد المجيد، الإرهاب في سيناء بين الواقع والخيال، 16 أغسطس 2012، الرابط
  2. جغرافيا سيناء، الرابط
  3. عاطف الغمري، أمن مصر القومي. نظرة من داخل سيناء، جريدة الأهرام، 11 فبراير 2009.
  4. عبد الرحيم على، سيناء. إلى أين؟ دلائل ومؤشرات: خريطة الجماعات الجهادية،  الرابط
  5.  تقرير: مصر تبني جداراً فولاذياً على حدود غزة لوقف الانفاق، 9 ديسمبر 2009، الرابط.
  6. العملية نسر، موقع ويكبيديا، الرابط
  7. إياد العبادلة، بعد إرهاب الشيخ زويد.. قطاع غزة إلى أين؟، الرابط
  8.  مقتل عشرات الجنود المصريين في هجوم إرهابي في سيناء، الحياة، 25/10/2014.
  9.  السلفية الجهادية في سيناء تعلن مسئوليتها عن خطف الجنود المصريين السبعة، 18/5/2013، الرابط

10-أحمد مصطفى، السيسي يلمح إلى دعم من غزة لتنفيذ هجوم سيناء.. ويتعهد دحر "المؤامرة الكبرى"، 28 أكنتوبر 2014، جريدة الحياة.

11-حماس جاهزون للتعاون الأمني مع مصر.. والمنطقة العازلة لن تؤثر على قطاع غزة،، 27 أكتوبر 2014،  الرابط

12-حماس تؤمن الحدود مع مصر بنشر المزيد من عناصرها، الشرق الأوسط، 28 أكتوبر2014.

13-مصر: سيناء "ثكنة عسكرية"، الحياة، 28/10/2014.

14-حصر السكان على الحدود المصرية مع غزة لـ "إعادة توزيعهم مؤقتا"، الحياة، 27/10/2014.

15-كرم سعيد، أزمة مصر مع جناحها الشرقي. المعضلة والحل، جريدة الأهرام، 5 أبريل 2011.

 

النشرة الالكترونية

عاجل

x