أزمة مياه النيل.. الجذور والتداعيات

بقلم : ولاء الشيخ ولاء الشيخ
الإثنين هـ - 30 ديسمبر 2013م

فى صيف 2009 تصاعدت حدة الخلافات بين مصر والسودان من ناحية، ودول منابع النيل من ناحية أخرى، وتفاقمت لتصنع أزمة حقيقية بين مصر، خاصة، ودول المنبع، مازالت تداعياتها مستمرة، فماذا عن جذورها التاريخية.

وكان إستقلال دول المنابع كلمة السر فى أزمة مياه النيل، المحرك الأساسى لرفض هذه الدول الإعتراف بحصتى مصر والسودان من مياه النيل، أعلنت كل من إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا، عقب إستقلالها، عدم إعترافهم بالإتفاقيات المنظمة لتقاسم مياه النيل وخاصة إتفاقيتى 1929 و1959، متحججة بأنها وقعت بين مصر والسودان من ناحية، والدول الإستعمارية من ناحية أخرى، وبأن دول المنبع لم تكن كاملة السيادة.

وأيدت دول المنابع ما أطلق عليه (مبدأ نيريرى) الذى نُسب للرئيس التنزانى الأسبق، جوليوس نيريرى، والذى أكد فيه "أن الدول المستقلة عن الإستعمار غير ملزمة بما وقعته الدول الإستعمارية قبل الإستقلال من إتفاقيات ومعاهدات".

وقبل أن نتطرق لتداعيات الأزمة وتفاعلاتها نعرض الإتفاقيات التى تنظم مياه النيل، وتستند عليها كل من مصر والسودان كحجج تحفظ حقوقهما فى مياه النيل.

 

إتفاقيات مياه النيل

تنظم آلية التعامل مع مياه النيل عدة إتفاقيات، هى:

1- بروتوكول روما:

تم توقيعه روما فى 15 أبريل 1891، بين كل من بريطانيا وإيطاليا، فيه تعهدت إيطاليا بـ"عدم إقامة أية منشآت لأغراض الرى على نهر عطبرة يكون من شأنها تعديل تدفق مياهه إلى نهر النيل على نحو محسوس".

2- المعاهدة البريطانية – الإثيوبية:

وقعت بين بريطانيا وإثيوبيا، 15 مايو 1902، آنذاك الحبشة، وتعهد ملكها لحكومة لندن بـ"أن لايصدر تعليمات أو يسمح بإصدارها فيما يتعلق بعمل أى شىء على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط يمكن أن يسبب إعتراض سريان مياهها إلى النيل دون الموافقة المسبقة لحكومة بريطانيا وحكومة السودان".

3- الإتفاق البريطانى – الفرنسى – الإيطالى:

وقع فى لندن، 13 ديسمبر 1906، إلتزمت بموجبه الدول الثلاث بـ"أن تتعاون فى حفظ الوضع الراهن فى إثيوبيا". وعلى "أن يعملوا معاً لتأمين مصالح بريطانيا ومصر فى حوض النيل، وخصوصاً تأمين وصول النيل الأزرق وروافده إلى مصر مع الأخذ فى الإعتبار المصالح المحلية للدول التى يمر فيها النهر".

4- الإتفاق البريطانى – البلجيكى:

وقع فى لندن، 12 مايو 1906، بين إدوارد السابع، ملك بريطانيا، وليوبولد الثانى، ملك بلجيكا وعاهل دولة الكونغو المستقلة، لتعديل مناطق نفوذهما فى إفريقيا الوسطى، التى حددها من قبل (إتفاق بروكسل)، فى 12 مايو 1894. وفي الإتفاق الجديد تعهدت الكونغو "بأن لا تقيم أو تسمح بإقامة أية أشغال على نهر سمليكى أو نهر أسانجو أو بجوار أى منهما يكون من شأنها خفض حجم المياه التى تتدفق فى بحيرة ألبرت مالم يتم ذلك بموافقة الحكومة السودانية".

5- إتفاقية 1929 بين مصر والسودان:

وقعت بين مصر بريطانيا، وكيلاً عن السودان، عقب أزمة تفجرت بينهما بسبب تأجيل مصر تنفيذ توصيات لجنة (ماكدونالد)، التى أوصت بإنشاء خزان سنار على النيل الأزرق، لتأمين مياه مشروع الجزيرة بالسودان، وخزان ثان فى جبل الأولياء، لتأمين إحتياجات مصر من المياه صيفاً.

واستغلت لندن مقتل السردار البريطانى، عام 1924، لإنذار القاهرة بأنها ستستخدم ما شاءت من مياه النيل لتزرع ما تريده من أراضى السودان، إذا لم تشكل لجنة دولية تحدد نصيب كل من مصر والسودان. وخضعت القاهرة وتم تشكيل لجنة برئاسة المهندس الهولندى كانتر كرمرز، وعضوية عبدالحميد سليمان، ممثلاً لمصر، وماكجريجور، ممثلاً لبريطانيا. واقرت اللجنة حق السودان فى التوسع الزراعىـ، بشرط ألا يسبب ذلك إفتئاتاً على حقوق مصر التاريخية فى المياه، مقدرة لمصر 48 مليار متر مكعب سنوياً، وللسودان 4 مليارات، وأصبح تقرير لجنة كرمرز، أساساً لإتفاقية مايو 1929، بين البلدين.

6- الإتفاقية المصرية – البريطانية:

كانت حصيلة مذكرتان، الأولى بعثت بها بريطانا، وكيلة عن أوغندا، لمصر في 19 يناير 1949، قالت: "نظراً لحاجة أوغندا الملحة للطاقة الكهربائية فإنها تنوى عمل خزان لتوليد الكهرباء".. وتعهدت بـ"أن إنشاء الخزان وتشغيله لن يضرا بحصة مصر من المياه". وردت القاهرة بمذكرة مؤرخة فى 5 فبراير 1949، بأنه "لما كانت سياسة الرى المصرية تقوم على إقامة عدة مشروعات للتحكم فى مياه النيل، مننها التخزين السنوى وتكوين إحتياطى فى بحيرة فيكتوريا، فإن المصلحة المتبادلة لكل من مصر وأوغندا، هي أن تتعاونا فى بناء الخزان عند مخارج البحيرة، لأغراض الرى فى مصر وتوليد الكهرباء لأوغندا."

وبناء عليهما، تم إنشاء خزان أوين عام 1954، بعد مراعاة الملاحظات المصرية على تصميم الخزان، الذي مازال يعمل حتى الآن.

7 – إتفاقية 1959 بين القاهرة والخرطوم:

وقع فى 8 نوفمبر 1959، وأقرت بحق مصر المكتسب فيما تسخدمه من مياه النهر حتى تاريخه، وهو 48 مليار متر مكعب عند أسوان سنوياً، وللسودان 4 مليارات، ليس منها ما تضيفه اي مشروعات قادمة من كميات مياه. وبموجب هذه الإتفاقية وافق السودان على إنشاء السد العالى، ووافقت مصر على إقامة السودان خزان الروصيرص على النيل الأزرق. ودفعت القاهرة 15 مليون جنيه مصري، تعويضا عن الأضرار التى تلحق بالممتلكات السودانية، جراء بناء السد، ولتعويض سكان حلفا، وغيرهم، الذين تعهدت الخرطوم بترحيلهم. كما وضعت الإتفاقية أسس، رأها الطرفان، تقلل من فرص ضياع المياه فى مستنقعات بحر الجبل وبحر الزراف وبحر الغزال ونهر السوباط. وقواعد التعاون الفنى بينهام لإجراء دراسات ضبط النهر وزيادة إيراده.

وطبقاً للإتفاقية، وزع صافى المياه الذي وفره السد العالى، لتصل حصة مصر السنوية لـ 55,5 مليار متر مكعب، والسودان لـ 18,5 مليار متر مكعب.

8- إتفاق القاهرة:

وقع فى يوليو 1993، بين الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، ورئيس وزراء إثيوبيا الراحل، ميلس زيناوى، في القاهرة. وتعهد فيه الطرفان بـ"الإمتناع عن أى نشاط يضر بمصالح الطرف الآخر".. وبـ"التشاور والتعاون فى المشروعات ذات الفائدة المتبادلة".. وعلى "إنشاء آلية لمناقشة الموضوعات ذات الإهتمام المشترك، بما فيها ملف مياه النيل.". وكانت إثيوبيا، وقتها، دولة مستقلة ذات سيادة.

 

حكم القانون الدولى

استقر الفقه الدولى على إطلاق وصف النهر الدولى على الأنهار الممتدة بين إقليمى دولتين أوأكثر، مثل نهر النيل.                                            

واستقرت القواعد الدولية على أن تدخل الدول المتشاركة فى أحواض الأنهار فى إتفاقيات تنظم طريقة إستغلالها، وفق مبادىء عامة يحددها القانون الدولى، من أهمها مراعاة الحقوق المكتسبة للدول المتشاركة في اليماه، والتوزيع العادل لحصصها، وفق حاجة كل منها. ومنها، أن تلتزم الدولة التى ترغب فى تعديل قواعد الإنتفاع بنهر معين، مثل إنشاء مشروع مائى، أو تحويل مجراه، ان تتشاور مع الدول المتشاركة فيه، فإذا لم يتم الإتفاق على التعديلات، يلجأ الطرفان للتحكيم الدولى. وحمّل الدول المخالفة لذلك مسؤولية ما يقع للآخرين من أضرار.

والإتفاقيات الدولية، وقواعد القانون الدولى المُستقرة، لا تلغى بالتقادم ولا تخضع للإنتقائية. وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية، عام 2010 بمناسبة النزاع بين الأرجنتين وأوروجواى وكذلك فى النزاع بين المجر وسلوفاكيا، مشددة على أن "المعاهدات ذات الطابع الإقليمى، ومنها المتعلقة بالأنهار الدولية، لايجوز المساس بها، لأن الدولة الخلف، المستقلة، ترثها عن الدولة السلف، التي كانت مستعمرة لها، ولايجوز التحلل منها لأى سبب."

ورغم ذلك، منذ أن أعلن الرئيس التنزانى الراحل، جوليوس نيريرى، ما عرف بمبدأ (نيريرى)، تظهر ما بين فترة وآخرى، مطالبات من دول المنبع بإعادية هيكلة آلية التعامل مع مياه النيل، خاصة بعد موجة الجفاف التى ضربت دول منابع النيل، أواخر ثمانينيات القرن الماضى.  

مصر.. ولغة التعاون

من جانبها، أقنعت مصر شركاء الحوض بالعمل على الإستفادة المتبادلة من عطايا نهر النيل، على قاعدة التعاون لا التنافس، وبإنشاء تجمع يضمها باسم (مبادرة حوض النيل)، فى فبراير 1999، يشمل دول الحوض التسع، ووقعت عليه إريتريا بصفة مراقب. هدفه

وضعت المبادرة عدة أهداف يتعاون الشركاء على لتنفيذها، منها تحقيق التنمية الإقتصادية والإجتماعية لدول الحوض، عبر الإنتفاع العادل والإستفادة المنصفة من موارده المائية، ومحاربة الفقر فى هذه الدول.

على هذا الأساس، بدأت مفاوضات الدول التسع للتوصل لآلية ترضى كافة الأطراف، لكن فى إجتماع وزراء مياه الحوض، فى العاصمة الكونجولية، كينشاسا، مايو 2009، طالبت دول المنبع السبع: إثيوبيا، وأوغندا، وكينيا، وتنزانيا، ورواندا، وبوروندى، والكونغو، بتوقيع إتفاقية إطارية جديدة للتعامل مع مياه النيل، وهو ما يعني إعادة النظر في الحقوق المكتسبة لدولتي المصب، مصر والسودان، اللتين تمسكتا بأن تنص الإتفاقية المقترحة على ثلاثة بنود تحفظ حقوقهما، هي: الأمن المائى، والإخطار، والإجماع. ولم يتفق الفريقان.

 

إتفاقية عنتيبى

واستمر الخلاف في إجتماع وزراء مياه الدول التسع، بالأسكندرية، يوليو 2009، فاقترح السودان مهلة 6 أشهر للتفاوض بين دول الحوض حول البنود الخلافية. لتجتمع ذات الدول فى مدينة شرم الشيخ المصرية، فى 13 أبريل 2010، وبعد 17 ساعة من المفاوضات، ومع حلول فجر اليوم التالى، أصدرت دول المنبع السبع، بياناً رسمياً بأن "الدول الموقعة على هذا البيان ستبدأ فى 14 مايو 2010، التوقيع على الإتفاقية الإطارية منفردة، دون مصر والسودان، على ألا تزيد مدة هذا التوقيع على عام واحد". وفي 14 مايو 2010 وقعت أربعة منها، هى إثيوبيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا، على الإتفاقية الإطارية في العاصمة الأوغندية، لتولد ما عرفت بـ"إتفاقية عنتيبى"، وبعد أسبوع انضمت لها كينيا، وبعد عام واحد تبعتها بوروندى، ثم جنوب السودان بعد إستقلالها عن الخرطوم، وإنفردت الكونغو بعدم التوقيع، ومعها إريتريا، المراقب، كما دولتي المصب.

وتهدر "عنتيبي" الحقوق التاريخية للقاهرة والخرطوم الحقوق التاريخية، بنصها على إعادة توزيع حصص مياه أطول أنهار أفريقيا من جديد.

 

أزمة "النهضة"

وتطبيقا لـ"عنتيبي"، بدأت إثيوبيا فى إنشاء سد النهضة، مستندة لدراسات أمريكية، أجريت ستينيات القرن الماضي، تحت اسم مشروع "x"، وأعلن رئيس الوزراء الإثيوبى الراحل، ميليس زيناوى، فى أبريل 2010، إحياء المشروع، كـ"حلم وطني" لأديس أبابا، رغم إحتجاج قطاعات واسعة من شعبه، لأن المشروع: 1- باهظ التكلفة، التي تصل لـ4,8 مليار دولار. 2- سيفتح باب الحرب مع مصر. كما قال ميركاب نيجاش، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جيما الإثيوبية.

ورغم المعارضة الداخلية، استغلت أديس أبابا ما رأته "فوضى"، في القاهرة عقب ثورة 25 يناير، وإنشغالها بشؤونها الداخلية، بعد إطاحة نظام الرئيس الأسبق حسنى مبارك، لتعلن بدأ تنفيذ المشروع، فى 2 أبريل 2011، بمنطقة بنى شنقول، على بعد 40 كيلو متر من حدود جنوب السودان.

يهدف مشروع السد لتخزين 74 مليار متر مكعب سنوياً، وتوليد طاقة كهرومائية تقدر بنحو 6000 ميجاوات سنوياً، ويوفر فرص عمل لـ 5 آلاف إثيوبى. وتعهدت  الصين بتحمل مليار دولار، تكلفة مد خطوط نقل الكهرباء المُنتجة من السد، بعد الإنتهاء منه، ونظمت الحكومة حملة ضخمة لإقناع مواطنيها بالتبرع لبناء السد، كتحدي قومي، لتعلن الهيئات العامة هناك تبرع العاملين فيها بـ 8 % من دخولهم الشخصية. وتولت شركة إيطالية تدعى (سالينى) الإيطالية وضع تصميماته والإشراف على تنفيذه، بالتعاون من شركة إستشارية فرنسية.

 

أثاره على مصر والسودان

 

تعتمد مصر على النيل في الحصول على من 97 % من إحتياجاتها من المياه، بينما لا تستفيد إثيوبيا من مياهه نهائيا. فمصر ليس فقط هبة النيل، كما قال هيرودوت، بل أنه شريان حياتها الوحيد.

حين اقترحت أديس أبابا، اقترحت القاهرة سيناريو بديل، يقوم على بناء 3 سدود أصغر، تحقق ذات الفوائد المتوقعة من "النهضة"، وتتفادى أثاره السلبية، وتعهدت بالمشاركة في تحمل تكلفة إقامتها. وحتى منتصف 20133، كانت الخرطوم تقف في خندق المتحفظ على المشروع، لكنها غيرت موقفها إلى داعم لبناء السد، واستقبل الرئيس السوداني، عمر البشير، رئيس الوزراء الإثيوبي، هايله مريم ديساليجنه، في الخرطوم، وأعلن موافقته على المشروع، مقابل إستفادة السودان من الطاقة الكهرومائية التي يتوقع أن ينتجها السد.

وتشكو مصر من عدة سلبيات تتوقع ان تترتب على "النهضة"،، أبرزها:

1 – السعة التخزينية للسد تبلغ 74 مليار متر مكعب سنوياً، مما سيقلل من حصة كل من مصر والسودان السنوية، حتى ملء الخزان، وبالتبعية خفض كميات الكهرباء المولدة من السد العالى للنصف تقريباً، وسيتفاقم الخفض، في المياه والكهرباء، خلال فترات الجفافل.

2 – بوار 5 ملايين فدان، من جملة الأراضى المزروعة فى مصر، 9,2 مليون، وما سيتبع ذلك من أزمات غذائية، وفقدان ملايين المصريين لعملهم.

3- في مصر والسودان، زيادة نسب تلوث المسطحات المائية، وإنخفاض المتاح من مياه الشرب، والمياه اللازمة للصناعة، وتراجع أعداد وإنتاج المزارع السمكية، والإضرار بخطوط النقل النهري.

3 – مخاطر إنهيار النهضة، وهو ليس مستبعدا، يخلف كوارث على مصر والسودان، منها غرق، ومحو، مناطق شاسعة من السودان، منها الخرطوم، وصعيد مصر، وتمتد أثارها حتى الأسكندرية.

 

النشرة الالكترونية

عاجل

x