الساحة الأوكرانية.. ملامح المواجهة الروسية الغربية الجديدة!

بقلم : مروة وحيد مروة وحيد
الثلاثاء هـ - 04 مارس 2014م

     اندلعت الأزمة في أوكرانيا مع إندلاع حركة الأحتجاجات الأخيرة في 24 نوفمبر 2013، وذلك بعد ان قام الرئيس الأوكرانى المعزول فيكتور يانوكوفيتش بتعليق التوقيع عن اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبى، والتي كانت تتمحور حول إقامة منطقة تجارة حرة بين الجانبين، ثم أخذت حدة التظاهرات في التصاعد عندما قام الرئيس الأوكرانى المعزول في منتصف ديسمبر الماضى بالتوقيع على الأتفاقية الأقتصادية مع روسيا، مما دفع إلى مزيد من الغضب ضد النظام السياسي في أوكرانيا، حتى انفجر الوضع بصورة كبيرة عندما صادق البرلمان الأوكرانى على قوانين تنظم التظاهر الأمر الذى حول ساحات وميادين المدن الأوكرانية خاصة العاصمة كييف إلى ساحة المعارك، وإندلعت مواجهات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين مما أسفر عن مصرع حوالى 80 شخص وإصابة المئات، مما عقد إمكانية بحث النظام الأوكرانى والمجتمع الدولى عن حل سلمى سياسي يخرج أوكرانيا من أزمتها الخانقة، خاصة وان الدولة تمر بأزمة أقتصادية كبيرة منذ فترة علاوة على أنتشار الفساد في معظم أجهزة ومفاصل الدول الأوكرانية .

    استمرت الأزمة الأوكرانية حوالى ثلاث شهور، ومع تزايد نسبة حدة الأحتجاجات في الداخل والضغط الخارجي اضطر النظام للأستجابة لمطالب المتظاهرين، حيث قرر البرلمان الأوكرانى في جلسة تصويت 22/2/2014 عزل الرئيس فيكتوريا نوكوفيتش من منصبه، حيث أيد البرلمان المؤلف من 450 عضو الطلب بموافقة 328 صوتا ، وتم تحديد يوم 25 مايو موعداً محدداً لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة ، كما تم تسليم مهام الرئيس المعزول إلى رئيس البرلمان الكسندر تورتشينوف في 23 نوفمبر الماضى، بعد ان انتخبه أعضاء البرلمان الأوكرانى ليشغل منصب رئيس البرلمان خلفا لفولوديمير ريباك المقرب من الرئيس المعزول فيكتوريا نوكوفيتش .

الموقف الروسي: ومواجهة غربية جديدة :

   اعتقد الكثيرون انه وبمجرد عزل الرئيس الأوكرانى سوف يضع هذا حداً للأزمة الأوكرانية، وما بين متفاؤل ومتشاؤم، دخلت الأزمة في منحنى أخر جديد منحنى متعلق بساحة صراع النفوذ بين الغرب وروسيا ، وهو ما يعد تهديداً حقيقياً للأوكرانيين خاصة في الشرق أى المنتمين للتقاليد والثقافة واللغة الروسية.

لذلك فتجدر بنا الأشارة في هذا الخصوص إلى تقديم قراءة تحليلية لأبعاد الموقف الروسي الأخير من أوكرانيا:

1- انتقدت روسيا التظاهرات المندلعة في أوكرانيا فور إندلاعها وشبهتها بالمؤامرة المدبرة أكثر منها ثورة ، واتهم الرئيس الروسي الاتحاد الأوروبى يأبتزاز أوكرانيا لحملها على الدخول في المحادثات الخاصة بالشراكة الأوروبية، التي اعتبراها الكرملين انها تضر بالمصالح الروسية، كما رأت روسيا إن قيام أوكرانيا بتوقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبى ستجبر روسيا على التراجع عن العديد من اتفاقيات التعاون والتسهيلات والأعفاءات التي منحتها لأوكرانيا .

   ونظراً للأزمة الأقتصادية التي تمر بها أوكرانيا والتي وصلت إلى حد التوقف عن استيراد الغاز الروسي بعد ان تجاوزت ديونها أكثر من مليار دولار لشركة جاز بروم الروسية،  علاوة على انهيار العملة الأوكرانية مما تسبب في أزمة للعملة الوطنية لدول وسط وشرق أوروبا، مما ساعد في تدهور المشهد الأوكرانى نظرا لتدهور الأوضاع الأقتصادية أيضاً- وهو ما تدركه روسيا جيداً وتحاول توظيفه في هذه اللحظه-، خاصة وان الشعب والمعارضة والقوى السياسية الأوكرانية رأت ان الأتفاق الذى وقعته روسيا مع أوكرانيا والذى يقضى بتقديم قرض إلى حكومة كييف بقيمة 15 مليار دولار وشراء سندات حكومية بقيمة 2 مليار دولار لم ينقذ أوكرانيا من ازمته الأقتصادية الطاحنة .

2- أخذ منحنى التعامل الروسي مع الأحداث في تصاعد مستمر، حيث قامت روسيا بأتخاذ خطوة أولية تجاه التصعيد عندما قامت بإستدعاء سفيرها لدى أوكرانيا في 24 فبراير الماضى اى بعد يوم واحد من عزل الرئيس فيكتوريا نكوفيتش ، وذلك بغرض التشاور بشأن الأوضاع هناك بحسب وزارة الخارجية الروسية .

3- قيام روسيا بأستغلال حالة الأنقسام في التوجهات داخل أوكرانيا من أجل إعادة بسط نفوذها وهيمنتها على الأوضاع هناك، حيث ان مؤتمر نواب شرق أوكرانيا ومؤتمر المجالس المحلية في شرق وجنوب أوكرانيا وشبه الجزيرة القرم وصف الوضع بأنه انقلاب على السلطة الدستورية، وتكليف السلطات المحلية بأن تأخذ على عاتقها مسئولية صيانة النظام الدستورى، وهو ما يعد خطوة نحو التقسيم وجاءت بتشجيع وبدعم روسي، خاصة وان روسيا تدرك جيدا ان أقاليم الشرق تساهم بحوالي 70% من الأنتاج القومى الأوكرانى، حيث تضم جزء اساسى من القاعدة الصناعية الأوكرانية التي تقوم بأنتاج الفحم والمعادن والتي تشكل عائدتها حوالى 77% من الدخل القومى لأوكرانيا اى ان روسيا تلعب كذلك على العامل الأقتصادى بأعتباره عنصر رئيسي في الأزمة الأوكرانية .

4- وصول منحنى التصعيد الروسي إلى أعلي مدى له، حيث قامت وزارة الدفاع الروسية يوم الخميس الموافق 26 فبراير الماضى وعن طريق وزير الدفاع الروسي سيرغى شويغو بإعلان حالة الأستنفار في صفوف القوات الروسية من أجل البدء في إجراء مناورات في المنطقة العسكرية الغربية الهدف منه وهو الهدف المعلن التأكد من مدى كفاءة القوات الروسية في الغرب الروسي على حمايته الأمن القومى الروسي ودرء خطر الإرهاب، وتم تحديد مدى المناورة من 26 فبراير حتى 3 مارس الحالي ويشارك فيها حوالى 150 ألف جندي وضابط و90 طائرة و120 مروحية و880 آلية عسكرية، وعلى الرغم من نفى وزير الدفاع الروسي اية صلة بين هذه المناورات والأحداث في أوكرانيا، إلا انه أكد في نفس السياق اهتمام روسيا بتطورات الوضع المتصل بأسطول البحر الأسود الذى يقع قاعدته الرئيسية في أوكرانيا، ولذلك فإن روسيا من وجهة نظر وتصريحات وزير الدفاع الروسي في 27 فبراير الماضى تتحرك بما يتناسب مع مصلحتها بأنها تتخذ الأجراءات الكفيلة بتوفير الأمن لمنشآت وترسانات اسطول البحر الأسود، الأمر الذى قابلته الولايات المتحدة بتوجيه تحذيرات متتالية للحكومة الروسية، جاءت التحذيرات على لسان وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل وذلك بحث موسكو على التزام الشفافية في المناورات العسكرية على حدود أوكرانيا وضرورة تجنب الأعمال الأستفزازية .

5- في ضوء التصعيد من الجانب الروسي أقر البرلمان الروسي في أول مارس الحالي حق استخدام القوة العسكرية في أوكرانيا وذلك بغرض حماية الروس في أوكرانيا، ونتيجة لهذا بدأت بالفعل تحركات فرق اسطول البحر الأسود الروسي ووصول عسكريين روس إلى شبه جزيرة القرم وهبوط مروحيات نقل روسية في القرم دون ابلاغ أوكرانيا وفقا للأتفاقيات بين البلدين، وأكدت روسيا في كثير من بيانات نقلتها وكالات الأنباء الروسية عن المكتب الإعلامى لوزارة الخارجية بأنها تؤكد احترامها للأتفاقات الصداقة المبرمة بينها وبين أوكرانيا 1997 وان تحرك بعض قطع اسطول البحر الأسود جرى وفقا للأتفاقات ولم يكن يحتاج إلى اية موافقة ,

وفى ظل هذا التصعيد ، تجدر الأشارة إلى ردود الأفعال الداخلية والدولية حول هذا التدخل العسكرى :

1- طالبت الحكومة الأوكرانية ورئيس الحكومة الذى عينه البرلمان الأوكرانى بالإجماع ارسينى باتسينيوك المجتمع الدولى بإتخاذ خطوات جادة لمساعدة الدولة، واعتبر قرار البرلمان الروسي بمثابة إعلان حرب على أوكرانيا، وفى أولى خطوات رد الفعل الداخلى أعلنت الحكومة الأوكرانية المؤقتة استدعاء قوات الأحتياط ووضع الجيش في حالة تأهب قصوى، وأعلن الرئيس الأوكرانى المؤقت الكسندر تورتشينوف إغلاق المجال الجوى أمام اى طائرة غير مدنية ، كما أعلن المندوب الأوكرانى لدى الأمم المتحدة يورى سير غييف ان بلاده مستعدة للدفاع عن نفسها وانها يمكن ان تطلب دعماً عسكريا وبأشكال مختلفة اذا وسعت روسيا من نشاطها العسكرى .

2- دعا حلف شمال الاطلنطى إلى اجتماع طارئ في بروكسل في الثاني من شهر مارس الجاري ، حيث اعتبر الأمين العام للحلف اندرس فوغ راسموس ان ما تفعله روسيا حاليا في أوكرانيا ينتهك مبادئ الأمم المتحدة والقانون الدولى ويهدد السلم والأمن في أوروبا وحث موسكو على وقف نشاطها العسكرى وتهديداتها ، كما دعا الحلف كلا الطرفين الروسي والأوكرانى إلى السعي لحل سلمى للأزمة عبر الحوار وعرض كذلك إمكانية نشر مراقبين دوليين كخيار للخروج من الازمة .

3- اما فيما يتعلق برد الفعل الأمريكي فأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية استعدادها للعمل مع شركائها والمؤسسات الدولية من أجل مساعدة أوكرانيا لتجاوز ازمتها الأقتصادية وعودة الأستقرار المالى ونمو الأقتصاد وغلق الباب امام روسيا التي تسعي الي استغلال هذه الازمة الاقتصادية لفرض حلولها، وبدء الموقف الأمريكي هو الأخر يفقد صبره في التعامل مع التدخل العسكرى الروسي في شبه جزيرة قرم الأوكرانية حيث حذر وزير الخارجية الأمريكي جون كيرى بان روسيا يمكن ان تفقد عضويتها في مجموعة الدول الثماني المتقدمة، كما تم توجيه تحذير شديد اللهجة من جانب كيرى لموسكو إلى إمكانية عزل روسيا اقتصاديا خاصة في الوقت الذى يشهد فيه الروبل انخفاضاً مما يفرض مزيد من التحديات الأقتصادية على الدب الروسي اي بالاشارة الي امكتنيات فرض النظام الدولي عدد من العقوبات علي روسيا، كما أشار كيرى إلى إمكانية اتخاذ خطوات تصعيدية تتضمن حظر تأشيرات الدخول وتجميد الأصول وفرض عزله تجارية، كما حذر كيرى روسيا من إمكانية خسارة انعقاد قمة مجموعة الثماني  في سوتشى في يونيو القادم، حيث صرح كيرى لشبكة سي بي أس " اذا ارادت روسيا ان تكون عضوا في مجموعة في مجموعة الثماني فيجب ان تتصرف كدولة في تلك المجموعة" ، وان اجتياح روسيا واحتلال أوكرانيا يعرض السلم والأمن في المنطقة لخطر كبير" ، وهو ما رفضته الخارجية الروسية واعتبرته امر غير مقبول، وجاء ذلك في بيان صادر عن الخارجية الروسية يوم الاثنين 3 مارس الجاري ، أن وزير الخارجية الامريكي لم يحاول دراسة العمليات المعقدة الجارية في المجتمع الأوكراني وتقييم الوضع المتدهور بعد أن سيطر متطرفون على السلطة في كييف بالقوة، مشيرا إلى أن الوزير الأمريكي يستخدم تعبيرات تعود إلى أيام "الحرب الباردة" ويدعو إلى "معاقبة" روسيا الاتحادية بدلا من المسؤولين عن الانقلاب، وأشار البيان إلى أن الولايات المتحدة بالإضافة إلى دول حليفة لها هي التي تجاهلت جرائم في كييف ضد خصومهم السياسيين وسكان عاديين،
 وكذلك نزعاتهم المعادية لروسيا ، وأضاف البيان أن واشنطن تجاهلت أيضا أن السلطات الجديدة في كييف رفضت اتفاق 21 فبراير الذي وقع عليه وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وبولندا.

   وبالرغم منذلك استمر لخطاب التصعيد أعلنت الولايات المتحدة امس الأثنين الموافق 3 مارس انها طلبت ارسال مراقبين من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى أوكرانيا وهو ما أيده رئيس المنظمة ديدية بورخالتر.

6- كما جاء الموقف الأوروبى متوافقاً ومتماشياً مع الموقف الأمريكي حيث أعلنت كل من فرنسا وبريطانيا وكندا وامريكا تعليق مشاركتهم في الأجتماعات التمهيدية لقمة الثماني احتجاجاً على التصعيد العسكرى الروسي في أوكرانيا، حيث تم التأكيد من جانبهم ان تصرفات روسيا تتناقض مع المبادئ والقيم التي تحكم مجموعة الثماني وأضافوا في بيان لهم ان قرار التجميد سيظل سارياً إلى أن يعود الوضع ملائماً لأجراء مفاوضات ذات مغزى في مجموعة الثماني، وانه على روسيا معالجة أي مخاوف لديها بشأن الأمن وحقوق الأنسان في أوكرانيا من خلال المفاوضات المباشرة أو من خلال وساطة دولية، كما حاولت المانيا التوسط من أجل إيجاد مخرج للأزمة الحالية حيث قامت المستشارة الألمانية بأقتراح إرسال بعثة تقصى حقائق مشتركة وتشكيل "مجموعة اتصال " بهدف البدء بحوار سياسي حول الأحداث في أوكرانيا، ومن جهة أخرى استدعت الخارجية البريطانية السفير الروسي في لندن لمقر الوزارة نظرا لتصاعد الاحداث هناك ، كما استدعت وزارة الخارجية التشيكية السفير الروسي في براغ  بعد قرار البرلمان الروسي بأرسال قوات إلى القرم الأوكرانية .

مستقبل غامض:

    تصاعدت الاحداث في اوكرانيا بوتيرة سريعة ومتلاحقة، واصبح مصير حل الازمة الاوكرانية في الوقت الحالي في ملعب السياسية الدولية واصبحت ساحة لصراع النفوذ بين القوي الكبري، خاصة مع تعنت وتصلب الموقف الروسي وعدم سهولة العدول عن موقفه بعد التصعيد العسكري الاخير إلا بعد تحقيق مكاسب علي الارض تصب في الاساس في مصلحة الدولة الروسية وتحافظ كذلك علي هيبه ونفوذ روسيا في المنطقة، خاصة ومع الاخذ في الاعتبار أهمية اوكرانيا في العقيدة الروسية باعتبارها حليف استراتيجي ودولة عازلة مع الاتحاد الاوروبي وزاد هذا الامر بعد سقوط جورجيا وانضمام جمهوريات البلطيق : ليتوانيا واستونيا ولاتفيا الي حلف شمال الاطلنطي، علاوة علي ان اوكرانيا ممراً للغاز الروسي الي اوروبا، بالاضافة الي تغير التوجهات الامريكية وفقا لاستراتيجية الامن القومي الامريكي الاخير بالتوجه الي منطقة حوض الباسيفيك ومنطقة اوراسيا وما يترتب علي ذلك من مخاطر علي مناطق النفوذ الجغرافيالاستراتيجي الروسي.

   وكذلك تعد اوكرانيا محوراً مهماً بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية باعتبارها ورقة ضغط هامة يمكن توظيفها في المستقبل للضغط علي روسيا ومواقفها تجاه عدد من القضايا المحورية محل الاختلاف بين القوتين كالبرنامج النووي الايراني والازمة السورية، اي وفي نهاية القول تحولت الساحة الاوكرانية الي ساحة لتصفية حسابات القوي الكبري، وهو يفرض بظلاله علي فرص الحل السياسي للازمة علي المدي المنظور.

 

النشرة الالكترونية

عاجل

x