النهضة و الخروج من حكم تونس! العوامل والسيناريوهات المحتملة

بقلم : منذر بالضيافي منذر بالضيافي
الإثنين هـ - 13 يناير 2014م

بعد أزمة سياسية، استمرت خمسة أشهر كاملة، كانت من أبرز مظاهرها، تعطل نشاط المجلس الوطني التأسيسي، المكلف بكتابة الدستور، واقتصار عمل الحكومة القائمة، التي كانت تقودها حركة النهضة الإسلامية على ما يشبه تصريف الأعمال. أعلن في تونس في التاسع من يناير الجاري، عن استقالة الحكومة، وبالتالي خروج حركة النهضة  من حكم تونس، الذي جاؤوا إليه بعد فوزهم في انتخابات 23 أكتوبر 2011. وفق سيناريو أعاد إنتاج ما حصل مع إخوان مصر، لكن بطريقة ناعمة وسلمية، وهي من خصوصيات الأنموذج التونسي، المستمدة من التراث الثقافي السياسي، الذي قام على أساس مبدأ التحييد "الايجابي" للمؤسسة العسكرية عن الحياة السياسية./1/

نحاول في هذه الورقة، فهم دواعي وأسباب وخلفيات قبول "إسلاميي تونس" الخروج من الحكم، برغم تمسكهم به، وتأكيدهم منذ وصولهم له على أنهم "حكومة شرعية"، لا يمكن أن ترحل إلا عبر انتخابات، فما هي الدوافع التي تفسر خروج حزب إسلامي من الحكم بصفة "طوعية"؟ ولماذا قبل حزب "حركة النهضة" التنازل عن حكم وصل إليه عبر صناديق الاقتراع؟ وكيف سيكون المستقبل السياسي للنهضة بعد مغادرتها للسلطة؟

خروج أم إخراج من الحكم؟

خروج النهضة الإسلامية من الحكم، بعد سنتين من الحكم. تم الترويج له إعلاميا وسياسيا في تونس، على أنه حصل نتيجة "توافقات وطنية" داخل الطبقة السياسية، سواء التي هي في السلطة –الإسلاميين-  أو في المعارضة-الأحزاب الديمقراطية-. برعاية أربعة منظمات وطنية من أبرزها الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي لعب –ولا يزال - دورا مهما في التاريخ السياسي التونسي الحديث. لكن، في المقابل تم الحرص على "إخفاء" أو تعمد "السكوت" عن الدور الخارجي، في الضغط على النهضة لمغادرة سدة الحكم، وهو ضغط على جبهتين، سياسي واقتصادي./2/

بدأ سحب البساط من تحت النهضة، عبر عقد مؤتمر "حوار وطني"، قبل خمسة شهور، انطلق بعد ضغط إعلامي وميداني قامت به المعارضة الديمقراطية، أحرج حكم النهضة وزاد في عزلتها السياسية والمجتمعية. وقد استند برنامج "الحوار الوطني" إلى وثيقة مرجعية أطلق عليها  "خارطة طريق"، قبلت بها وأمضت عليها كل الأطراف الرئيسية في الحياة السياسية، بما فيها حركة النهضة.  من أهم بنودها: استقالة الحكومة، وتشكيل حكومة كفاءات مستقلة لإدارة مرحلة انتقالية جديدة، وانتخاب هيئة مستقلة تشرف على الانتخابات –وهذا ما حصل- في تزامن مع انطلاق مناقشة مشروع الدستور. وتتفرع هذه التسوية السياسية، إلى ثلاثة مسارات: المسار الحكومي، والمسار الانتخابي والمسار التأسيسي –صياغة الدستور./3/

 برغم أن النهضة أبدت إصرارا واضحا على ضرورة تلازم المسارات، فإنها مع ذلك عادت لتقبل باستقالة الحكومة أولا، قبل تحديد موعد للانتخابات، وقبل الانتهاء من المصادقة على الدستور. بعد أن مارس الرباعي الراعي للحوار، ضغطا وصل درجة "التهديد"، وهو الذي فرض في وقت سابق و"بدعم أوروبي" ترشيح مهدي جمعة لرئاسة الحكومة. ما دل على أن موقع الإسلاميين في التفاوض أصبح ضعيفا، وأن "الجماعة" تبحث عن "مخرج امن" من السلطة.

 خصوصا وأنها أدركت أن استمرارها في السلطة، يعني خسارة مضاعفة على رصيدها الشعبي ورأسمالها الرمزي، أو أنها قد تدفع "بالقوة" للمغادرة. خاصة وأن الأوضاع الاقتصادية تسير نحو الانهيار، بعد أن أخذت الاحتجاجات الاجتماعية شكلا تصاعديا ينذر بثورة ثانية. و إن كان الخطاب الرسمي للحكومة الاسلامية، حاول الترويج لهذا الخروج، على أنه "تنازل" من أجل "المصلحة الوطنية". في حين رأت فيه المعارضة انتصارا لها، وأنها نجحت في إقصاء خصمها السياسي والإيديولوجي من الحكم، وبأخف الأضرار.    

 دوافع الخروج "الناعم"

ينظر إلى قبول حركة النهضة، الخروج بصفة "سلمية" من الحكم، على أنه مثل مخرجا "مشرفا" للإسلاميين بديلا عن "الانتحار السياسي" في سدة الحكم. كما أنه عبر عن قراءة موضوعية من قيادة الحركة –خاصة زعيمها الشيخ راشد الغنوشي- لموقع "الجماعة" في المشهد التونسي. هذا ما يجعل منه قرارا براغماتيا، بالنظر إلى المتغيرات والتحولات الإقليمية والدولية، في علاقة بمستقبل وجود تيار الإسلام السياسي في الحكم. كما لا يجب أن ننسى أنه جاء بعد تواصل استمرار مفعول تفاعلات "الصدمة" المصرية، المتمثلة في سقوط حكم الإخوان. الذين خيروا العنف على الحل السياسي، من خلال إعلانهم شن حرب على المجتمع والدولة. ما جعلهم يتحولون إلى "جماعة إرهابية" مطاردة أمنيا، وهو المصير الذي يبدوا أن قيادة النهضة التونسية عملت على تجنبه، حتى وان كان المقابل الخروج من الحكم.

على أنه وفي العموم، يمكن تلخيص الأسباب التي فرضت على النهضة، القبول بالخروج من السلطة، في المستويات التالية:

المستوي المجتمعي والاقتصادي: أدركت قيادة الحركة، أن جماهيرية "الجماعة" تراجعت بصفة ملحوظة، وترجم ذلك من خلال استهداف مقراتها بالحرق في أكثر من مناسبة وأكثر من منطقة. وذلك بسبب عجزها عن تأمين انتظارات الناس واستحقاقات الثورة، إضافة إلى تردي الوضع الاقتصادي وبروز شبح إفلاس خزينة الدولة، بعد أن رفضت الدول الكبرى والمؤسسات المالية الدولية تقديم قروض لتمويل الموازنة و المساعدة في خلق الثروة ودعم الاستثمار. /4/

المستوي السياسي: الأزمة السياسية، التي فجرها اغتيال كل من شكري بلعيد و النائب محمد البراهمي، والتي أدت الى  تعطيل مؤسسات الدولة، بعد قرار نواب المعارضة تجميد عضويتهم في أشغال المجلس التأسيسي. وبروز "جبهة معارضة" ضغطت إعلاميا وسياسيا وأيضا ميدانيا. أفضت الى عزل حركة النهضة سياسيا وبالتالي التشكيك في شرعيتها، حيث رفع المحتجون شعار "شرعية الأداء" أولا. وقد أثمر هذا الضغط الذي وجد تفاعلا من قبل الخارج. وليمثل لاحقا عامل مؤثر في التعجيل بإنهاء حكم الإسلاميين، قبل حصول الانتخابات. الأمر الذي مثل حدثا "فارقا" لا في تونس فقط، بل يتوقع أن تكون له تداعيات على مستقبل الانتقال الديمقراطي، خاصة في دول "الربيع العربي"، التي عرفت صعودا للتيار الإسلامي.  

المستوي الأمني: كشفت حادثة اغتيال النائب محمد البراهمي، في 25 جويلية الفارط،  وهو الثاني خلال ستة أشهر، بعد اغتيال القيادي اليساري شكري بلعيد في 6 فيفري 2013. عن وجود قصور بل فشل أمنى غير مسبوق، أصبحت معه الدولة غير قادرة على حماية مواطنيها ومؤسساتها.

الصدمة المصرية: موقف الحكومة وحركة النهضة الإسلامية في تونس، مما حصل في مصر - إزاحة الإخوان من الحكم. و إن كان غي الظاهر تخفي وراء شعارات فضفاضة من قبيل رفض "حكم العسكر" و "الانقلاب" والدفاع عن "الشرعية القانونية والانتخابية"، فإن لهجته الحادة والغير دبلوماسية، كشفت عن عمق "الصدمة" التي خلفها الحدث المصري، في المشهد التونسي. ومأتاه إدراك النهضة بأن ما حصل في القاهرة، ستكون له دون أدنى شك تداعيات وانعكاسات مباشرة على الوضع التونسي، وعلى مستقبل حركات الإسلام السياسي في المنطقة ككل. وهذا ما يفسر تسريع الغنوشي وجماعته، بتعديل مواقفهم السياسية في الداخل والخارج، على ضوء مستجدات وتفاعلات الشأن المصري.

الدور الخارجي/الأوروبي: لعبت السفارات الأوربية دورا بارزا،  في الوصول إلى حل للأزمة السياسية في تونس، بل أنها ضغطت لفرض هذه التسوية، عبر دعم "خارطة الطريق" التي من أهم بنودها خروج الإسلاميين من الحكم، كما أنها كانت وراء دعم مهدي جمعة لخلافة الإسلامي على العريض على رأس الحكومة، وهذا ما أكدت عليه صراحة جريدة "لوموند" الفرنسية /5/. خصوصا وأن "الأوروبيون يخشون من أن استمرار الأزمة السياسية ستكون له انعكاسات خطيرة على الأوضاع الأمنية في البلاد، وهو ما من شأنه أن يزيد من استفحال ظاهرة الإرهاب التي يخشون منها كثيرا لارتباطها المباشر بأمنهم القومي. فالأوروبيون غير مستعدين لترك تونس تتحول تدريجيا إلى دولة فاشلة، وذلك في ظروف إقليمية غير مُطمئنة"/6/.

الدور الأمريكي: أول اختبار جدي مرت به العلاقات الأمريكية مع حكومة"النهضة"، كان على خلفية ما أصطلح على تسميته ب"غزوة" السفارة، التي جدت في 14 سبتمبر 2012، التي تمثلت في هجوم السلفيين بقيادة تيار "أنصار الشريعة"، في اقتحام السفارة. التي سعت "حكومة النهضة الإسلامية" إلى تجاوزه لكنها فشلت. برغم إعلانها عن تحول جذري في العلاقة مع الجهاديين. سواء في التصريحات أو على الأرض من خلال "حملة" اعتقالات ومحاكمات، وتصنيف جماعة "أنصار الشريعة" كتيار إرهابي. لكن بدت كلها "مسكنات" بالنسبة للطرف الأمريكي الذي قرر مراجعة سياساته من "الإسلام السياسي"، بعد أن كان من أكثر "المتحمسين" للربيع العربي، حيث أنها لم ترفع "الفيتو" أمام صعود الإسلاميين للحكم، بل أن هناك تقارير وتسريبات تحدثت عن"دعم أمريكي" لهذا التيار.

وليس من باب الصدف أن تتزامن استقالة النهضة، مع إعلان الخارجية الأميركية الجمعة 10 جانفي/يناير الجاري، في بيان لها عن تصنيف جماعة "أنصار الشريعة" في تونس، صحبة  تنظيمين آخرين في ليبيا كتنظيمين إرهابيين دوليا. إضافة إلى اعتبار زعيم أنصار الشريعة التونسي سيف الله بن حسين المعروف بــــ "أبو عياض"،  في خانة الإرهابيين الدوليين./7/ وفي هذا رسالة على أن الولايات المتحدة، قررت إقرار مراجعة جذرية في علاقتها بالتيارات الدينية.  

النهضة و حسابات الربح والخسارة

برز إجماع وطني - حتى داخل تيار مؤثر في النهضة -، على الإقرار بأن الحكومة لم توفق في الاستجابة لمطالب الثورة ولابد أن ترحل، خصوصا وأن الأوضاع لم تعرف تغييرا كبيرا عما كانت عليه في السابق. بل أنها ازدادت سوءا من حيث تدهور المقدرة الشرائية، وما صاحبها من تفقير لقطاعات واسعة من المجتمع. و انهيار غير مسبوق للوضع الاقتصادي. كما أن وحدة المجتمع والدولة أصبحتا مهددتين. بعد تنامي مظاهر الانقسام المجتمعي، الناجم عن تقسيم المجتمع إلى إسلاميين وعلمانيين. زيادة على فشل السياسة الأمنية، بعد تكرر الاغتيالات السياسية، وتنامي مخاطر وتهديد الجماعات الدينية المتشددة، التي انتشرت وتعددت مناشطها في ضوء تسامح وصل درجة التواطؤ من قبل الحكومة القائمة ذات المرجعية الإسلامية.

لقد كانت فترة حكم النهضة الإسلامية فاشلة، بل أنه فشل مركب طال كل المجالات، وبعث برسائل غير مطمئنة تقول بإمكانية انزلاق البلاد نحو الإفلاس والعنف وحتى الحرب الأهلية. كما بعث برسائل مخيفة لدول الإقليم/الجزائر ولشركاء تونس التقليديين خاصة الاتحاد الأوروبي. وهو ما ساهم في تقوية الضغط من المعارضة الديمقراطية، متحالفة مع منظمات المجتمع المدني والنخب وبيروقراطية الدولة العميقة، في مشهد حكم على الإسلاميين بالمزيد من العزلة السياسية والمجتمعية، وفرض عليهم القبول "بالخروج من السلطة مع البقاء في الحكم" وفق تصريح لراشد الغنوشي، بعيد قبول النهضة بخارطة الطريق. على اعتبار وأن الحركة تحوز على الأغلبية في المجلس الوطني التأسيسي، الذي سيكون له دور مهم في مراقبة الحكومة القادمة، وفي إقرار القوانين والتشريعات، أي أن الحكومة ستكون تحت أنظاره وتحت سلطته. 

وضمن هذا السياق، اختارت قيادة النهضة –حتى وان دفعت إلى ذلك دفعا- الانسحاب من السلطة، وتخليص نفسها من ضغوطها و اكراهاتها، والانصراف إلى إعادة ترميم هيكلة الحزب وصورته لدي التونسيين. ولعل  هذا الخيار هو الأنسب، للمحافظة على بنية التنظيم ووحدته. و كذلك محاولة إنقاذ ما تبقي من الرصيد الشعبي، والمرور للإعداد للاستحقاقات الانتخابية القادمة، من خارج السلطة. وهذا ما يفسر حرص النهضة على ضرورة تحديد موعد للانتخابات، في أقل من سنة، وأن تكون الحكومة القادمة "انتخابية"، أي أن يقتصر دورها على الإعداد للانتخابات.

مرونة سياسية

يعد قبول الشيخ راشد الغنوشي، بالخروج من الحكم،  بمثابة اعتراف بفشل تجربة حزبه في الحكم، إلا أنه لا يريد الإقرار بذلك، ويقدم ما أقدم عليه على أنه تنازلا لمصلحة تونس. وهو ما أكد عليه في مقال له، اختار أن يوسمه بعنوان: "مدى مصداق فشل الإسلام السياسي؟"/8/ . وقد اختار الغنوشي  الهروب من تقديم أجوبة، عملية وواقعية يدحض بها حالة شبه الإجماع، على فشل حزبه و الإسلاميين عموما في امتحان الحكم. حيث يستهل مقاله بطرح الأسئلة التالية: " ما مصداق هذه الدعاوى؟ هل ما يسمى الإسلام السياسي بصدد التراجع الكبير والمتفاقم في اتجاه الفشل النهائي و الانهيار المؤكد؟ أم إن الأمر لا يعدو انعطافات إلى الخلف هنا أو هناك، تحفزا لانطلاق جديد في منحنى صاعد في الوجهة العامة، بما يرجح أنه حتى نقاط التراجع لن تلبث أن تلتحق بالخط البياني العام المتجه إلى الصعود؟

لكن، نجده يبتعد عن تقديم أجوبة للفشل الذريع الذي مني به حزبه، في إدارة شؤون الدولة، وبالتالي خدمة الناس وتقديم الحلول لمشاكلهم، لا وعظهم و إرشادهم. و يختار في المقابل، أن ينصرف للدفاع عن الإسلام وعن استمرار "الصحوة " بقيادة "الحركة الإسلامية"، فهو لا يفضل استعمال "الإسلام السياسي". حيث يقول: " إن الحركة الإسلامية المصطلح المفضل لدى الإسلاميين بديلا عما يسمى الإسلام السياسي ونعني بها جملة المناشط التي تدعو إلى الإسلام باعتباره كلمة الله الأخيرة إلى الناس ومنهاجا شاملا للحياة وخطابا للعالمين، هذا الإسلام تؤكد كل الدراسات الإحصائية أنه اليوم أكثر الديانات والمناهج الحياتية الأيديولوجية سرعة انتشار وتمدد واستقطاب للعقول والإرادات، وأن معتنقيه الأكثر استعدادا للتضحية بكل غال ونفيس من أجله وغيرة عليه والتزاما به".

 ونسي الشيخ الغنوشي، أن فشل حركات الإسلام السياسي في تجربة الحكم، ليس فشلا للإسلام كدين، الذي تعتنقه الأمة منذ أكثر من 14 قرنا. غير أن الرجل أراد أن يعبر من خلال هذا الخلط المقصود، بين الإسلام كدين والحركات الإسلامية كتيارات وأحزاب لها قراءة معينة للدين، على حالة التشويش والضبابية الفكرية والإيديولوجية التي تعاني منها الأحزاب التي تتكلم باسم الإسلام، وادعائها أنها الناطق الرسمي باسمه وأنها حامية حماه. وهذا ما أسقطهم في تقسيم المجتمع إلى ثنائيات "إسلامي" و "علماني"، أو "مؤمنين" و "كفار".

كما حرص الغنوشي على تحقيق "غنيمة" سياسية من وراء التخلي عن السلطة، وهي ليست بالعملية الهينة، خصوصا وأن خصوم الحركة كانوا يشككون في مدي التزام الإسلاميين بالقبول بمبدأ التداول على السلطة، والتخلي عنها عبر القبول بنتائج الانتخابات التي قد لا تكون لفائدتهم. واذا بها "تفاجئ" خصومها وتعلن تخليها على السلطة، استجابة لمطلب مراده تحقيق وفاق وطني، وتهيئة البلاد لانتخابات تكون حظوظ كل الفرقاء متساوية فيها. أي انتخابات لا تشرف عليها النهضة وهي في الحكم. وبهذا فهي – حتى وان كانت مكرهة في التخلي عن السلطة- فانها ستظهر على أنها تقبل بشروط التداول على الحكم. على خلاف اخوان مصر الذين رفضوا قبول تنظيم انتخابات سابقة لموعدها أو مشاركة أطراف أخرى لهم في الحكم.

ان قرار النهضة بالخروج بصفة "سلمية"، عبر عن مرونة في التعاطي مع المتغيرات والضغوطات الداخلية والخارجية. وهو أيضا، دليل على قراءة براغماتية لتطورات الأحداث داخليا ودوليا،  وموقع النهضة فيها. وهذا ما أكدت عليه الحركة في بيان لها بمناسبة استقالة الحكومة. اذ اعتبرت أن استقالة رئيس الحكومة التي أفرزتها أول انتخابات حرة في تاريخ البلاد "فتح أفقا جديدا للتداول على السلطة تعزز فيه الشرعية الانتخابية بالتوافق الوطني". و "إن أهمية النجاح الذي تحقق في تونس من خلال الانتقال السلس للسلطة في هذه المرحلة من الحوار الوطني يقاس بحجم التحديات و التهديدات التي اعترضت سبيل الانتقال الديمقراطي وانتصر فيها خيار الحكمة و المسؤولية و التوافق على خيار المغامرة و التشكيك في جدية حركة النهضة و في قدرة الشعب على حماية ثورته والدفاع عن مكاسبها".

كما أكد البيان على "أن بلادنا تدخل طورا جديدا في طريق البناء الديمقراطي ملتزمة بأهداف الثورة التي يستعد شعبنا للاحتفال بالذكرى الثالثة لنجاحها و إن حركة النهضة تؤكد :أن ما تحقق يعد انتصارا لإرادة الوفاق و الحوار على نزعات الفوضى و التجاذبات العبثية وقد ساهمت حركتنا و أطراف وطنية كثيرة في تحقيق هذه الانجازات. و أن تونس قدمت درسا للعالم في التداول السلمي على السلطة و ان هذه الاستقالة عبرت عن الالتزام العميق لحركتنا بتقديم مصلحة البلاد العليا على أي مصلحة حزبية أو فئوية ضيقة وحرصها على نجاح الانتقال الديمقراطي. و أن الاستقالة الطوعية للحكومة و إيفاء الحركة بكل التزاماتها وتعهداتها يؤكد أن حركة النهضة غير متشبثة بالحكم و أنها مستعدة للتضحية من أجل مصلحة الوطن. و ان الحكومة القادمة برئاسة السيد مهدي جمعة هي حكومة الوفاق الوطني و اننا سندعمها ونطالب الجميع بدعمها من اجل المرور الناجح نحو تحقيق اهم اهداف المرحلة المقبلة وهو اجراء انتخابات عامة في اقرب وقت ممكن" /9/.

برغم أهمية السياق الذي أجبرت فيه النهضة على القبول بالتنحي عن السلطة، فان المحللين يرون أن ذلك لا يقلل من أهمية القرار الذي تم اتخاذه، والذي دفع صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" الأمريكية إلى القول بأنه "في ديمقراطية ناشئة، تبرز لحظة حاسمة في غاية الأهمية، والتي تتجلى في مشهد تخلي أول قيادة منتخبة في البلاد عن السلطة بشكل سلمي". وهو ذات الموقف الذي أشار اليه الباحث في "معهد واشنطن"، ديفيد بولوك ، الذي أكد على أن الإعلان عن تعيين رئيس وزراء جديد لرئاسة حكومة انتقالية في تونس "يمثل أهمية رمزية تتعدى حدود البلاد. إن اختيار مهدي جمعة غير المشهور، وشخصية مستقلة رسمياً، يمثل فرصة نادرة للغاية - ربما تكون المرة الأولى على الإطلاق، في أي مكان - يتنازل فيها حزب إسلامي طواعية عن السلطة السياسية دون حرب أهلية أو عنف جماهيري أو تدخل عسكري من أي نوع. إن هذا الحزب في هذه الحالة هو "النهضة"، الذي قاد التحالف الحاكم في تونس بعد فوزه بما يقرب من 40 بالمائة من الأصوات في الانتخابات التي أعقبت الثورة والتي جرت في تشرين الأول/أكتوبر 2011. بيد، منذ ذلك الحين تعرض الحزب لضغوط شعبية (وإن كانت غير عنيفة) للتنحي والسماح بإجراء انتخابات جديدة كان من المفترض إجراؤها منذ فترة طويلة في ظل حكومة "تكنوقراطية" غير حزبية".  /10/.

النهضة..سيناريوهات مابعد الحكم

مثلما سبق وأن بينا، فقد مثل خروج الإسلاميين من حكم تونس بهذه السرعة، دلالة على فشل مشروع حركات الإسلام السياسي، وأيضا عن وجود رفض مجتمعي لخيار "أسلمة" أو "أخونة" الدولة. كما أنه مثل أيضا، بداية لمرحلة تاريخية وسياسية جديدة في تونس، ما تزال متعثرة، بعد ثلاثة سنوات من الثورة، وبعد سنتين من حكم تيار إسلامي، عجز عن الإيفاء باستحقاقات الثورة، ومثل تهديدا للمكاسب التي قامت عليها الدولة المدنية في تونس، منذ النصف الثاني من القرن الماضي. وهذا ما يطرح التساؤل حول مستقبل حركة النهضة بعد خروجها من السلطة؟

سيناريو التفكك: بدأت إرهاصات الاختلاف داخل تنظيم النهضة، بعد قبول قيادة الحركة "التنازل" عن الحكم والخروج منه، وهي تباينات مرشحة للتطور مستقبلا، عبر حصول انشقاقات متوقعة للجناح الذي يوصف ب"المتشدد" والذي رفض مغادرة الحكم، بدعوى "أنه يمثل تفريطا في الأمانة" التي منحها لهم الشعب، خلال انتخابات حرة وديمقراطية.

كما يتوقع حصول انشقاقات، بسبب اقتناع البعض من المحافظين أو المحسوبين على "التيار السلفي" في الحزب، بأن الحركة "زاغت" عن وفائها لمبادئها التي تم تضمينها في وثيقة "الرؤية الفكرية والأصولية لحركة النهضة".

سيناريو الانكماش والمحاصرة: يقوم على تصور أن فشل الحركة في الحكم، سيكون له تأثير على جماهيرية الحركة، وبالتالي تراجع حظوظها في الاستحقاقات الانتخابية القادمة. ما سيفرض عليها خيار "الانكماش"، الذي يتوقع أن يفرض على الحركة، من خلال عدم استبعاد حصول تحول في إستراتيجية السلطة في التعامل مع الإسلاميين، وبالتالي عودة أسلوب ومنهج المحاصرة والتضييق الأمني، الذي كان متبعا قبل ثورة 14 يناير 2011. 

سيناريو التطور إلى حزب إسلامي/محافظ: هناك من لا يستبعد أن ينجح التيار البراغماتي داخل الحركة، في إحداث مراجعات جذرية، و إعادة تجربة الأحزاب المسيحية في أوربا. وهو السيناريو مرجح جدا،  ولعل  الحقل الثقافي والسياسي التونسي، المستفيد من ارث تراكم الحركة الإصلاحية التي قامت على التزاوج بين الإسلام والحداثة، خاصة مع خير الدين باشا  صاحب كتاب "أقوم المسالك"  تسمح بذلك، بل أنها تدفع نحو نحت أنموذج تونسي، وأظن أن طيفا واسعا من الحركة الإسلامية في تونس مستعدا لذلك.

في المدى القريب والمتوسط، وفي ظل استمرار ما يعرف ب "الحالة الثورية"، فان التيار الإسلامي-ممثلا في حركة النهضة- سيحافظ له على موقع قدم داخل الحقل السياسي. بل أنه ربما سيكون قادرا على الفوز في الانتخابات القادمة، بسبب تواصل ضعف المعارضة الديمقراطية و تشتتها. وهذا ما أشارت إليه أخر استطلاعات الرأي، حول نوايا تصويت التونسيين في الانتخابات القادمة.

 

المصادر

[1] نقصد بالتحييد "الايجابي" للمؤسسة العسكرية، عدم تدخلها بصفة لمباشرة في الحياة السياسية، وان كان هذا لم يمنع تدخل القوات المسلحة، في أكثر من مناسبة منذ تأسيس الدولة التونسية سنة 1956، لحماية انهيار الدولة سواء من أخطار داخلية –مثل انتفاضات 1978 و 1984- أو خارجية –دخول كمندوس ليبي مسلح بدعم جزائري سنة 1980 على مدينة قفصة جنوب تونس-. كما قام الجيش بدور ايجابي ، بعد ثورة 14 يناير 2011، حيث حافظ على الاستقرار وحمى مؤسسات الدولة، كما حافظ على زهده في الحكم.

[2] رفضت الدول الأوروبية تقديم قروض لحكومة النهضة، كما لم تساعدها في التحصل على قروض من المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي. ما زاد في متاعب حكم الإسلاميين، بعد أن تعمقت الأزمة المالية، بشكل أصبح يهدد الخزينة بالإفلاس، وكان مقدمة لفرض تسوية سياسية على حركة النهضة.

كما دعم الاتحاد الأوربي، خارطة الطريق، وضغط من أجل تطبيقها.  وفي  مبادرة غير مسبوقة، التقى حسين العباسي، الأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل بمعية رؤساء بقية المنظمات الراعية للحوار الوطني بسبعة عشر سفيرا يمثلون دول الإتحاد الأوروبي في تونس. أما الهدف من هذا الإجتماع الذي انتظم يوم 28 نوفمبر 2013، فكان مناسبة عبر خلالها السفراء عن ضرورة حل. وهو ما حصل بالفعل في 14 ديسمبر بعد الاتفاق على ترشيح وزير الصناعة في حكومة العريض، مهدي جمعة لرئاسة الحكومة القادمة. الذي قالت عنه جريدة "لوموند" الفرنسية، أنه جاء بعد ضغط أوروبي.

للتوسع، يمكن مراجعة مقال، صلاح الدين الجورشي، "السفراء الأوروبيون يرفعون الورقة الحمراء أمام الجميع في تونس"، راجع الرابط التالي: الرابط

[3] انطلق "المؤتمر الوطني للحوار"، يوم 5 أكتوبر 2013، ليتوج أشغاله بعد ثلاثة أشهر، بالإعلان عن استقالة حكومة النهضة الإسلامية.

[4] أكد صندوق النقد الدولي، في بيان له نشره يوم 3 ديسمبر 2013،  أن  المحادثات مع تونس بشأن الإصلاحات الاقتصادية، وصلت إلى مرحلة « متقدمة جدا إلا أنها لا تزال غير كافية للموافقة على قروض جديدة.   وأشار الصندوق  إلى « الصدمات » الداخلية والخارجية التي ضربت البلاد و »المخاض الطويل » للعملية الانتقالية السياسية بعد حوالى ثلاثة سنوات على سقوط نظام زين العابدين بن علي. وأضاف البيان أن « المخاض الطويل للعملية الانتقالية السياسية إضافة الى إلحوادث الأمنية كان لها أثر سلبي على الثقة في الاقتصاد التونسي.

[5]

Isabelle Mandraud ;Tunisie : un nouveau premier ministre nommé sous la pression occidentale ; LE MONDE | 16.12.2013 link

[6] مرجع سابق، صلاح الدين الجورشي، "السفراء الأوروبيون يرفعون الورقة الحمراء أمام الجميع في تونس"، راجع الرابط التالي:الرابط

[7] الولايات المتحدة تصنف "أبو عياض" وأنصار الشريعة في خانة الإرهاب الدولي، موقع "حقائق أونلاين"، راجع الرابط التالي:  الرابط

[8]  الشيخ راشد الغنوشي، " مدى مصداق فشل الإسلام السياسي؟"، راجع الرباط التالي: الرابط

[9]  بيان حركة النهضة، بعد استقالة رئيس الحكومة علي العريض، موقع "حركة النهضة"، راجع موقع الحركة:الرابط

[10] ديفيد بولوك، باحث ب "معهد واشنطن"،  " أول حزب إسلامي يتنازل عن السلطة طواعية: أهو نموذج تونسي جديد؟"، راجع موقع المعهد:الرابط

النشرة الالكترونية

عاجل

x