بين القرم وكوسوفا..والخارطة الأوكرانية الجديدة

بقلم : أحمد محمد أبو زيد أحمد محمد أبو زيد
الإثنين هـ - 31 مارس 2014م

استغل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذكري الخامس عشر لقصف يوغسلافيا من قبل حلف الناتو في الرابع والعشرين من شهر مارس ١٩٩٩ ليهاجم الغرب الذي رفض الاعتراف بنتائج الاستفتاء الـذي كان قد اجري في ١٦ من شهر مارس الجاري واسفر عن تأييد ما يقارب من ٩٦٪ من سكان اقليم القرم بالانفصال عن أوكرانيا والاستقلال، والتحالف مع جمهورية روسيا الاتحادية بعد أقل من ٢٤ ساعة من اعلان نتائج الاستفتاء. وجادل بأن ما حدث في القرم لا يختلف ابداً ما ما وقع في كوسوفا منذ خمسة عشر عاماً، بينما يرفض الغرب تماماً، كما جاء علي لسان الرئيس الامريكي منذ يومين، هذه المقارنة بالمرة، وينظر لما قام بوتين بمثابة اعتداءاً علي سيادة دولة مستقلة عضوة بالأمم المتحدة وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي يتوجب التراجع عنه بسرعة وعدم تكراره أو تشجيع الاخرين علي تقليده، لما له من تداعيات سلبية علي استقرار النظام العالمي الذي انشأ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.  

وصل رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف للقرم اليوم، وهي الزيارة الأولى لمسئول روسي رفيع المستوى للقرم بعد التحاقها بروسيا وتماشيا مع الأهمية الاستراتيجية والعرقية والعسكرية للقرم بالنسبة لروسيا، وسنعرض فيما يلي لأهم النقاط المتعلقة بالقرم وخارطة أوكرانيا الجديدة.

 

خريطة اوكرانيا بعد انفصال القرم

بضم القرم للسيادة الروسية (حسبما تقول بنود الاتفاقية الموقعة بين الحكومة في اقليم القرم والحكومة الروسية في ١٨ مارس الجاري) تكون اوكرانيا هي الطرف الخاسر في هذه الجولة من الصراع علي النفوذ والتوازن الجيوبولتيكي في منطقة اوارسيا والبلطيق بين الغرب وروسيا. حيث فقدت كييف ما يقارب من ٢٦ الف كيلو متر من مساختها الاجمالية (تبلغ مساحتها حوالي ٦٠٣ الف كيلو متر مربع) وأحد أهم المواقع البحرية والمواني علي البحر الأسود، التي كانت مقراً لواحدة من أهم القواعد البحرية علي البحر الأسود، وهي الان تحت سيطرة البحرية الروسية كما كانت قبل استقلال أوكرانيا. أما من الناحية الاقتصادية، فقد خسرت كييف أحد أكبر مصادر الدخل القومي الاوكراني، حيث كانت منطقة القرم من أكبر المناطق السياحية جذباً للعملات الصعبة لأوكرانيا، حيث زارها فقط العام الماضي ما يزيد عن ٢ مليون سائح روسي فقط. كذلك خسرت كييف واحدة من المناطق الاقتصادية الواعدة بالنمو لما تحتويه من ثروات وموارد طبيعية مثل النفط والغاز الطبيعي والفحم والنحاس وغيرها من المعادن والمواد الخام.  

 

روسيا: القرم هي كوسوفا

حيث عقد الرئيس بوتين في خطاب له يوم الاثنين الماضي (٢٤ مارس) مقارنة بين ما قامت به روسيا في مارس ٢٠١٤ باعلانها ضم القرم للسيادة الروسية بدون اراقة نقطة دم واحدة. حيث برر بوتين ما اقدم عليه في القرم من لانفصال عن أوكرانيا والانضمام لروسيا، مهاجماً نفاق الغرب وأمريكا ومعاييرهم المزدوجة في التعامل الدولي، فلماذا سمحوا لاقليم كوسوفا بالانفصال عن يوغسلافيا ويجحدون حق الروس والاوكرانيين وتتار القرم في الحصول علي ما حصل عليه البان كوسوفا.

 

في سبيله لتبرير وشرعنة ما قامت به روسيا، استخدم  بوتين حجتين رئيسيتين. الأولي تجادل بما ما حدث لا يتناقض مع القانون الدولي. فشعب القرم هو الذي اختار بارادته الحرة، وفقاً لما تنص عليه القوانين والمواثيق الدولية، وهو الامر الذي استند عليه بوتين في تبريره للخطوة الروسية، حيث استعان بوتين بقرار محكمة العدل الدولية التابعة للامم المتحدة الصادر في ٢٢ يوليو ٢٠١٠، وهو الحكم الذي يقول بأنه لا توجد سابقة في تاريخ مجلس الامن أي منع لاعلان الاستقلال من جانب واحد، ولا ينص القانون الدولي علي منع اي اعلان للاستقلال الوطني .

 

الحجة الاخري التي استخدمها بوتين هو اظهار نفاق الغرب وسعيه لوقوع خسائر بشرية تبرر القيام بما قامت به روسيا دون اللجوء للسلاح أو لايقاع خسائر بشرية او حتي تصفية عرقية كما حدث في كوسوفا من جانب الصرب تجاه الالبان. حيث قال بوتين إن عدم وقوع خسائر بشرية في القرم كانت نتيجة الجهد الذي قامت به اللجان الدفاعية الشعبية، ومن جانب أخر قال بوتين أن عدم وقوع وقوع خسائر لا علاقة له بقرار المحكمة الدولية الخاصة بحق الشعوب في تقرير مصيرها. ودعي بوتين الغرب والمجتمع الدولي للقبول بما جري في القرم، كما قبل من قبل ما وقع في كوسوفا (وغيرها) علي الرغم من أن ما وقع في كوسوفا كان ومازال تعتبره روسيا اجراءاً غير شرعي، علي الرغم من أعتراف ما يزيد عن مائة دولة بدولة كوسوفا (وحوالي ٢٣ دولة من اعضاء الاتحاد الاوروبي الـ ٢٨) بينما لم يعترف باستفتاء القرم حتي الان سوي عدد محدود من الدول.

 

الغرب: القرم ليست كوسوفا

يرفض الغرب جملة وتفصيلاً الرؤية التي يقدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويعتبر ما أقدم عليه بوتين باحتلال وضم القرم للسيادة الروسية أبعد ما يمكن عن مقارنته بما وقع وحدث في أقليم كوسوفا في ١٩٩٩. فبينما كان الالبان والمسلمون في كوسوفا يتعرضوع للابادة والتصفية العرقية من جانب الصرب والكروات، بصورة هددت بوقوع جريمة ابادة عرقية Genocide في احدي دول البلقان، إلا ان ذلك لم الوضع في أقليم القرم، التي يدعي بوتين تعرض سكانه لمثل هذه الحوادث من قبل الاوكرانيين. وهو الادعاء الذي لا توجد دلائل قوية علي وقوعه. ومن جانب أخر، فإن قوات حلف الناتو لم تتدخل عسكرياً إلا بعد استنجاد الالبان بالمجتمع الدولي لانقاذهم من القتل الجماعي الذي يقوم به النظام اليوغسلافي ضدهم، بينما الذي قامت به روسيا هو تدخل استبقائي، حيث استغلت روسيا تأزم الاوضاع السياسية في كييف وتدخلت عسكريا وفرضت سياسة الامر الواقع علي اقليم القرم، تماماً كما فعلت في اقليمي ابخازيا واوسيتيا الجنوبية التابعين للسيادة الجورجية في العام ٢٠٠٨، وخلقت واقعاً جديداً علي الخريطة. معتدية بذلك علي القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة، الذي يمنع البند (٤) من المادة رقم (٢)  منه " استخدام القوة المسلحة أو استخدامها ضد سلامة الاراضي او الاستقلال السياسي لاي دولة ... " وهو ما يري الغرب ان روسيا بضمها القرم قد انتهكته بصورة سافرة. وهو ما يجعله قراراً غير شرعياً ويتوجب الرجوع عنه. واعادة الاقليم للسيادة الاوكرانية.

 

هل يمكن أن تكون القرم دولة مستقلة؟

يدرك المطلع علي بنود الاتفاقية التي وقعت بين كلاً روسيا والسلطات في القرم أن الجمهورية الوليدة التي يتفاخر بها بوتين ليست في الحقيقية إلا حبراً علي ورق. حيث تنص المادة الاولي من اتفاقية " انضمام جمهورية القرم الي روسيا " علي " قبول جمهورية القرم في روسيا الاتحادية من تاريخ التوقيع علي هذا الاتفاق " بينما تحدد المادة رقم (٤) من الاتفاقية حدود جمهورية القرم هي نفسها حدود الدولة الروسية، بينما المادتين (٦) و (٩) تقران بسيادة القوانين والاعراف الروسية في التعامل داخل الجمهورية الوليدة، وفي حالة تعارض قوانين الدولتين يتم الاحتكام للقوانين الروسية. بأختصار، فإن الجمهورية الجديدة ستكون مجرد " جمهورية ورقية " تحركها روسيا وتتحكم فيها بما يخدم مصالحها الوطنية ومواجهتها مع الغرب.   

في الحقيقة، ما يريده بوتين من هذه الاتفاقية هو اعلانه الصريح بعدم اعترافه بالحدود التي اقرتها معاهدة دايتون ١٩٩٥ بخصوص العلاقات والحدود بين الشرق والغرب عقب انتهاء الاتحاد السوفيتي، وهي المعاهدة التي يعتبرها بوتين انها وضعت روسيا للابد في " خانة اليك " وحاصرتها للابد، وجعلت من الشعب الروسي " أكثر شعوب العالم تمزيقاً وتشرداً " باستغلال الغرب لمأساة كوسوفا واعلانه ضم بولندا والتشيك والمجر لعضوية الناتو. وهو الوضع الذي وجب تغييره الان وفقاً لاوضاع القوة الموجودة علي ارض الواقع، وهو الامر الذي يفسر اقدامه علي ضم كلاً اقليم ابخازيا واوسيتيا الجنوبية ثم القرم ومن يعلم ما سياتي بعدها.

أما من ناحية الغرب، فإن جل ما يخشاها القادة في أوروبا وعبر الاطلسي ان تفتح مثل هـذه الخطوات التي تدعمها موسكو في فتح باب لا يغلق أمام اعطاء الحق للكثير من الاقليات والاقاليم التي ترغب في الاستقلال والانفصال عن دولها في اعلان حقها هذا واتخاذها قرارات مماثلة لما اخذته السلطات في اقليم القرم، بالتعاون والتشجيع من موسكو، متذرعة بأن ذلك حق يكفله القانون الدولي. وهي الخطوات التي من الممكن أن تثير وتجدد الصراعات القومية والطائفية والعرقية في أوروبا وغيرها من المناطق المجاورة لها بحجة حماية الاقليات والناطقين باللغات الروسية وغيرها ضد الدول القومية التي تدخل هذه المنطقة في نطاق سيادتها، وهي الدعاوي التي بدأت في الظهور والبزوغ في عدد من الجمهوريات السوفيتية ومناطق البلقان، وهو ما قد يؤدي لانهيار نظام يالطا، الذي اقامته الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية في ١٩٤٥، والذي للصدفة التاريخية المحضة كان قد عقد ايضا في شبه جزيرة القرم في شهر فبراير ١٩٤٥. والذي اعطت للاتحاد السوفيتي بقيادة ستالين حق السيطرة علي البلقان وأوروبا الشرقية وبولونيا، وهي المناطق التي يري بوتين ان الغرب انتزعها من روسيا بالاكراه وضمها لمناطق نفوذه. فمن يدري، ربما كانت المنطقة التي شهدت بداية النظام الدولي تكون هي نفس المكان الذي سيتحطم عليه التوافق الدولي المستمر منذ حوالي سبعون عاماً.  

النشرة الالكترونية

عاجل

x