خارطة صراع جنوب السودان وسيناريوهات المستقبل

بقلم : بدر حسن شافعي بدر حسن شافعي
الأربعاء هـ - 01 يناير 2014م

تشهد دولة جنوب السودان تطورات دراماتيكية، بدأت، وفق الرواية الحكومية، بمحاولة مجموعة من قوات الحرس الجمهوري المعروفة باسم  "تايجر"، السيطرة على مستودع للذخيرة تابع لقيادة الجيش فى العاصمة جوبا، لتتفجر اشتباكات، بمحيط مقر وزارة الدفاع، بين الحرس الجمهوري وقوة الجيش المكلفة تأمين المستودع من ناحية، وبين المجموعة المهاجمة من جهة، ليعلن رئيس الجمهورية، سيلفا كير، ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان الحاكمة، عن فشل محاولة للإنقلاب عسكريا، يقدوها نائبه السابق، ريك مشار، ويفرض حظر التجول، وينشر قوات الجيش بالعاصمة، ومدن آخرى، لضبط الأوضاع الأمنية فى البلاد، ويعتقل 11 من الشخصيات السياسية البارزة، منها الأمين العام للحركة الشعبية، باجان أموم، وريبكا جارانج، زوجة الزعيم الراحل للحركة، جون جارانج، ولام أكول، وزير الخارجية السابق.

في المقابل نفى المعارضون، وعلى رأسهم مشار، محاولة الإنقلاب، وتحدثوا عن "مؤامرة دبرها كير للتخلص من خصومه السياسيين، وإكمال إحتكاره للسلطة. وأيا كانت حقيقة ما حدث، فأن كرة ثلج الصدام تدحرجت، لتضع وجود الدولة الوليد نفسه على المحك.

وتطرح الأزمة، أو المحاولة الانقلابية، عدة تساؤلات حول أسباب وتوقيت انفجارها، وسيناريوهاتها المتوقعة، التي قد تقود الدولة للتحلل، او التماسك، وتدشين بداية جديدة لها.

الأسباب الداخلية

هناك عدة أبعاد للصراع الحالي، ميراث من الخلافات السياسية، تتداخل تراكمات إثنية معقدة:

1- البعد الإثني

يضم الجنوب ثلاث مجموعات إثنية رئيسة، هي: النيليون، والنيليون الحاميون، والمجموعة السودانية. وداخل الأولى، تفجرت صراعات سياسية، متجددة، بين النوير والدينكا.

وغياب مؤسسات الدولة، يُرسخ الإعتماد على القبيلة، وتقديم الولاء لها على حساب الدولة، لتنعكس الصراعات القبلية التاريخية، ما يعرقل بناء مؤسسات دولة متبلورة الإنتماء القومي.

أولاً: النيليون:

يشكلون 65% من مجموع السكان، ويتوزعون بين 3 قبائل وهي الدينكا والنوير والشلك([1]).

1 - الدينكا: كبرى المجموعات الإثنية في الدولة، وتضم 40% من سكانها، موزعين على 12 عشيرة، أبرزها: دينكا ملوال، أقار، بور، نقوك، ريك، توج، كيج. ينتمي لها رئيس الدولة والحركة، سيلفا كير، وتنحدر منها القيادات التاريخية للحركة، منذ تفجر الحرب الأهلية، عام 1983، مثل جون جارانج، ودينق ألور.

2 - النوير: ثاني أكبر القبائل، تشكل 20% من السكان. منها أريك مشار، نائب الرئيس المقال. وتتركز جغرافيا في ولايتي أعالي النيل والوحدة، حيث مناطق النفط، ومنطقة جونجلي، التي كان يفترض أن يتم فيها إنشاء قناة جونجلي، لضم عدة مليارات من مياه نهر النيل لحصتي مصر والسودان. وتنقسم النوير إلى مجموعتين، شرقية وغربية، ويتفرع منهما 5 عشائر، أبرزها عشيرة "مايوت"، بشرق أعالي النيل، بإمتدادها الإثني داخل أثيوبيا. ربما لهذا الإمتداد طلب مشار نقل المعتقلين ألـ11، بعد إطلاقهم، لأديس أبابا.

3 - الشيلك: أقلها تعداداً، 5% من حجم السكان، وتعيش على الضفة الغربية للنيل الأبيض، وكذلك على الضفة الشرقية للنيل الأبيض إلى قرب من مدينة ملوط  شمالاً، وإلى بحيرة «نو» جنوباً. وللشيلك ذات نظام سياسي مركزي، على رأسه سلطان يُسمى «الرث»، يجمع السلطتين الزمنية والروحية معا، في صيغة مشابهة للتقاليد الفرعونية. من أبرز قيادات الشيلك الحاليين وزير الخارجية الأسبق، لام أكول، والأمين العام الحالي للحركة، باجان أموم.

 

ثانياً: النيليون الحاميون:

سُميت هكذا لاشتراكها مع المجموعة النيلية في كثير من السمات السلالية واللغوية، وفي نمط الحياة الاقتصادية، إعتمادا على رعي الماشية، خاصة البقر. وهم يتميزون بأن لون بشرتهم أقل سماراً من النيليين. ومن أهم قبائل النيليين الحاميين: الباري والمنداري والتوبوسا والتوركانا واللاتوكا واللانقا والدينكا.

ثالثاً: المجموعة السودانية:

أبرز  قبائلها، الزاندي ثالث أكبر مجموعة قبلية، والمورو والمادي والبون جو والكريش. ويغلب على طبيعة حياتها الإنتاجية الزراعة، لصعوبة رعي الماشية؛ بسبب انتشار ذبابة التسي تسي في أماكن وجودها.

2- البعد السياسي

يتمثل في الخلافات الشخصية، والنزاع على السلطة والزعامة، بين قيادات الحركة الشعبية الحاكمة، حتى أثناء الحرب الأهلية مع الخرطوم، وصحيح ان بعضها تجاوز البعد الاثني، لكن صحيح أيضا أن هذا البُعد يوظف لخدمة الصراعات السياسية، وهنا لدينا ملاحظتان.

الأولى: أن الشخصيات الثلاث البارزة على الساحة الآن: سيلفا كير، رياك  مشار، لام أكول، الذين ينتمون، على الترتيب، للدينكا والنوير والشيلك، تقاطعت مواقفهم السياسية ما بين التحالف أحيانا، والتنافس في أحيان آخرى.

فرياك مشار كان مختلفا مع جون جارانج، خلال الحرب الأهلية، مفضلا الانفصال عن الخرطوم، بينما دعا الزعيم الجنوبي الراحل لسودان موحد علماني كخيار أول، وفي حال فشله يتم الحديث عن الانفصال. لينشق مشار، أوائل عام 1990، فيما عرف بانقلاب الناصر، وتشكيله حركة "تحرير جنوب السودان"، أغلبها من النوير، لكنها ضمت أيضا كلا من لام اكول، من الشيلك، وكاربينو كوانين، أحد مؤسسي الحركة الشعبية،، وسيلفا كير، من الدينكا. في مقابل الحركة الشعبية بزعامة الدينكاوي.. جارانج، والشيلكي.. باجان أموم، لتتفجر حرب أهلية جنوبية – جنوبية بين الحركتين، وبين القبيلتين الرئيسيتين، الدينكا.. مُشايعة لجارانج، والنوير إنحيازا لمشار، الذي فاجأ المتابعين، رغم تركيز دعوته على الإنفصال، لتوقيع إتفاق مع نظام الخرطوم، عدو حركته، عام 1997، تم بموجبه تنصيبه مساعدا للرئيس السوداني عمر البشير، ومسؤولا عن إقليم جنوب السودان، على أن يتم الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب بعد أربع سنوات من التوقيع. ورأت الخرطوم، وقتها، أن جذب مشار أفضل لها، لسيطرة قبيلته، جغرافيا، على مناطق النفط.

أوائل عام 2002، نجح جارنج في إستعادة مشار، ومجموعته، للحركة الشعبية، لنشهد بعدها تصفية شخصيات شاركت في إنشقاق مشار، في ظروف غامضة. حينها تولى مشار منصب النائب الثاني لرئيس الحركة، في حين تبوء كير منصب النائب الأول، لأنه انضم لجارانج مبكرا.

وبعد رحيل جارانج عام 2005 في حادث غامض، أصبح كير رئيسا للحركة، والنائب الأول للرئيس البشير بموجب اتفاقيات نيفاشا، وكذلك منصب رئيس حكومة الجنوب، حتى تم الاستقلال النهائي أوائل عام 2011. فتولى منصب رئاسة البلاد والحركة في آن واحد، في حين تولى مشار منصب نائب رئيس البلاد ونائب رئيس الحركة، إلى أن اقاله كير يوليو الماضي من نيابة رئاسة الدولة، وإن ظل نائبا لرئاسة الحركة.

الثانية: الخلافات الشخصية المتجددة بين كير ومشار. ثمة فروق جوهرية بينهما، فكير تربى في ساحة القتال، حتى أصبح قائدا حربيا ميدانيا، عسكري صارم، قليل الصبر على معالجة الملفات، ويميل لحسم خلافاته مع الآخرين بالقوة. بينما مشار أكاديمي، حصل على الدكتوراه في التخطيط الاستراتيجي من بريطانيا، ويُعرف بانه منظرا، وخططا، بارعا، لهذا كلف بترأس وفد المفاوضات مع الخرطوم، لأنه يجمع بين الحكمة والحنكة والهدوء الشديد الذي يصل إلى درجة البرود. وانعكست الطباع الشخصية، المتناقضة، لكليهما على مسار علاقتهما، وفي الخلفية الصراع بين انتمائيهما القبلي، فالنوير والشيلك ينظران للدينكا بدرجة من الإستعلاء العرقي، رغم تفوق الأخيرة عدديا.([2])

أسباب الانقلاب وتوقيته([3])

هناك مجموعة مؤشرات أفرزتها حالة من عدم الاستقرار في الجنوب، رجحت وقوع صدام ما، سياسي أو عسكري.

فمنذ تولي كير الحكم، برزت خلافات كبيرة بينه وبين نائبه مشار. الأخير يتهم الأول بالسعي للهيمنة واحتكار السلطة، ويرى نفسه الأجدر بالقيادة. في حين يتهمه كير بتعمد إفشال تجربته في الحكم. هكذا أعلن مشار نيته خوض الانتخابات الرئاسية عام 2015، وطالبا كير بالتنحي عن رئاسة الحركة، وعدم الترشح في هذه الانتخابات. فرد الرئيس بإقالة نائبه، هو والحكومة، يوليو الماضي، وحل مؤسسات الحركة الشعبية، وهو ما أعتبره مشار إنقلابا دستوريا وحزبيا، ونجح في بلورة تحالف سياسي عابر للقبلية، من خصوم كير، ودعا للتظاهر، في كافة انحاء الدولة، يوم الجمعة 14 ديسمبر، أي قبل تفجر الأزمة/ الإنقلاب، بيومين، ضد ما سماها "محاولات الرئيس لصناعة ديكتاتورية"، ثم أعلن تأجيل دعوة التظاهر أسبوعا كاملا، لـ"إعطاء فرصة لرأب الصدع، خلال اجتماع مجلس التحرير القومي للحركة، الذي كان مقررا يوم الأحد 15 ديسمبر، والذي يضم 161 عضوا، منهم أعضاء المكتب السياسي. ملوحا بإمكانية عزل كير من قيادة الحركة، ما لم يتراجع عن حل مؤسساتها

خلال اجتماع مجلس التحرير الوطني، رفض كير مصافحة مشار وربيكا جارانج وباجان أموم، أمين عام الحركة، وشن هجوما عنيفا على خصومه، وجر النقاشات نحو تغيير لائحة الحركة، لما يصب في صالحه، بدلا من رأب الصدع، ما ساهم في تفاقم الأمور، وإنسحاب مشار ومؤيديه، وفشل المجلس في الخروج بنتيجة إيجابية. وبعد يوم واحد تفجرت الإشتباكات، التي أصر كير على وصفها بـ"محاولة إنقلابية"، ورأها مشار محاولة لدعم هيمنة الرئيس

 

أزمة أم إنقلاب؟

نحن أمام سيناروهان

الأول: أن مشار هو من يقف خلف المحاولة الانقلابية، وفق وصف كير، بعدما فشل مجلس التحرير في تحقيق المصالحة بين الفرقاء. فحرض النائب المُقال مجموعة من أتباعه على التمرد. ورغم نفي مشار ذلك، إلا إعلان قوات محسوبة عليه سيطرتها على مناطق النفط، يرجح تورطه المباشر، أو غير المباشر.

الثاني: أن كير هو من افتعل المحاولة الفاشلة للتخلص من خصومه، بدليل مسارعته بإعتقال 11 من خصومه فور إعلانه فشل المحاولة.

 

المواقف الإقليمية والدولية

بدا الإهتمام الدولي والإقليمي واضحا لمحاصرة الأزمة، لتداعياتها السلبية على دول الجوار، وعلى الدور المحوري، المنتظر للدولة الوليدة، أمريكيا وإسرائيليا. وسبق لواشنطن أن تدخلت، مرات لؤأد صراعات فرقاء الجنوب. ولا يعني حرص الدول الكبرى على إجلاء رعاياها، لإنقاذهم من تداعيات أعمال العنف المرشحة للتصاعد، أنها ستترك هذه الدولة التي دعمت إنفصالها للإنهيار.

وهي إكتفت، مرحليا، بإعلان، غير ملزم، أصدره اجتماع عاجل لمجلس الأمن، يدعو كير ومشار، الى "تحمل مسؤولياتهما، ووقف الأعمال الحربية والبدء الفوري في الحوار". وبـ"إدانة أعمال العنف التي تستهدف المدنيين وبعض المجموعات الاثنية، ودعمه لمهمة بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، وزيادة عدد قوات حفظ السلام العاملة هناك." إلا أن واشنطن أرسلت مبعوثا خاصا لجوبا، للتوزاى جهوده للوساطة مع ممثلي الاتحاد الأفريقي، ومبعوثا نيجيريا واثيوبيا وكينيا. وتقدمت "إيجاد" خطوة للأمام، موصية في اجتماع استثنائي في نيروبي، بوقف اطلاق النار، واطلاق سراح قيادات تحالف مشار، مع تأكيدها على رفض إطاحة بالحكومة بالقوة.

 

موقف الخرطوم

لأزمة الجنوب إنعكاستها السلبية والإيجابية، معا، على السودان، فمن ناحية تضعف القلاقل فرص بناء دولة مؤثرة، وتهدد مصالح الخرطوم، خاصة مع الخلافت الموروثة على مناطق الحدود، مثل "ايبي"، وعلى آلية التعامل مع تصدير نفط الجنوب، ودعم المتمردين على الخرطوم في أقاليم آخرى. ومن ناحية آخرى، تعرقل الإشتباكات فرص تصدير الجنوب لنفطه، عبر الشمال، وبالتالي تحرم الخرطوم من رسوم تصديره، الداعمة لإقتصادها المنهك أصلا، فضلا عن مخاوف فرار مئات الألاف من الجنوب للشمال.

 لهذا حاول الشمال إظهار قدرا من الحياد، وأرسل وزير خارجيتها، علي كرتي، مع نظرائه من دول الإيجاد. وحرص على إستمرار علاقته الجيدة بطرفي الصراع.

ولم يقتصر اهتمام الخرطوم بتطورات الأوضاع في الجارة الجنوبية على الصعيد الرسمي فقط، وإنما امتد إلى صعيد المعارضة أيضا. فقد أعلن تحالف المعارضة السودانية فى الشمال اعتزامه إرسال وفد إلى الجنوب لتقديم مبادرة تهدف لنزع فتيل الأزمة.

 

سيناريوهات المستقبل

هناك سيناريوهان أساسيان لاحتواء الأزمة

الأول: هو الأرجح،  بلورة تسوية سياسية، ترعاها القوى الدولية والإقليمية، تضع خارطة طريق محددة، أهم ملامحها:

1- الوقف الفوري للعنف.

2- تقاسم سلطة power sharing، كما حدث في كينيا وزيمبابوي، عقب انتخابات 2006، 2007. عبر تشكيل حكومة انتقالية، تذهب أغلب وزاراتها للفصيلين الأساسيين، والباقي للفصائل الآخرى، لمدة ستة أشهر أو عام، قد يرأسها رياك مشار. مهماتها الأساسية إتمام المصالحة الوطنية، وإجراء انتخابات رئاسية، منتصف يونيو القادم، تحت إشراف الأمم المتحدة والإتحاد الإفريقي والإيجاد، وتحسين الوضع الاقتصادي المتردي.

3- إعلان العفو الرئاسي وإطلاق سراح القيادات المعتقلة، إذ يصعب حدوث مفاوضات في غيابها، وهو ما اتفقت عليه تصريحات مشار، وتوصيات قادة الايجاد في اجتماعهم الأخير بنيروبي، ليطلق بعدها سراح 8 من القيادات ألـ 11.

 الثاني: استمرار الصراع

وهنا، سيصدر مجلس الأمن قرارا بحظر توريد  السلاح للجنوب، وستتوقف المساعدات الاقتصادية، خاصة الأمريكية. فنحن أمام دولة ولدت في ظروف غير طبيعية، ومعاناتها ستستمر طويلا، ما قد يقود الجنوب إلى خندق "الدولة الفاشلة"، ويهدد مستقبل وجوده ذاته.

 

المصادر

[1] - لمزيد من التفاصيل حول الوضع الاثني أنظر د. يوناس بول دي مانيال، المسلمون في جنوب السودان بعد الانفصال .. الواقع والمستقبل، مجلة قراءات أفريقية ،  24 ابريل 2013 على الرابط التالي : الرابط

[2] - لمزيد من التفاصيل أنظر ، خالد حسن سملتو هل دخلت دولة جنوب السودان الوليدة مرحلة الانقلابات،موقع سودانيز أون لاين على الرابط التالي : الرابط

[3] - حول هذه الجزئية أنظر د. بدر حسن شافعي ، ملاحظات حول انقلاب جنوب السودان ، وكالة الأناضول للأنباء، ديسمبر 2013

النشرة الالكترونية

عاجل

x