سيناريوهات ثلاث.. الموقف التركى من دولة الأكراد

بقلم : عبد العظيم محمود حنفي عبد العظيم محمود حنفي
الأحد هـ - 13 يوليو 2014م

صار مطروحا بقوة موضوع تقسيم العراق، كأحد السيناريوهات المحتملة لإنهاء المأزق العراقي الحالي، ففي الوقت الذي ينصرف فيه انتباه العالم إلى إعلان قيام "الخلافة" من قبل «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) وتهديدها بتقسيم العراق وفصل أجزائه الغربية، فإن مساعي الأكراد في الشمال والرامية أيضاً إلى الانفصال، تستحق الانتباه.

 كان الأكراد أبرز المكونات التي خرجت بمكاسب واضحة من الأزمة العراقية، حيث دفعوا بقواتهم إلى مدينة كركوك الغنية بالنفط، ممهدين للانفصال، فالأكراد اليوم وبعد دخولهم مناطق ومدنا متنازعا عليها أصبحوا يسيطرون على خمس التراب العراقي، كما أنه بعدد سكان يصل إلى 6.5 مليون نسمة يكون الأكراد قد عبدوا الطريق لدولتهم، ويثور هنا الموقف التركى  من انفصال الأكراد التى يبدو انها لم تعد على حدتها من الرفض  السابق [1] ، فقد أعلن مسؤول بارز في "حزب العدالة والتنمية" التركي الحاكم أن أنقرة قد تقبل بدولة كردية مستقلة في العراق، ، مع ملاحظة إن الأكراد ضاعفوا إنتاجهم النفطي بعد دخول كركوك بتصدير 400 ألف برميل يومياً بفضل أنبوب النفط الذي يصلهم بتركيا. [2]وهذا الموقف التركى لافت لانه يعتبر تحولا في التحالفات التركية في المنطقة .

 

العداء بين اكراد العراق وتركيا تجلى عام 2003

ان العداء بين اكراد العراق وتركيا كان مستعرا منذ عام 2003 عندما كان المقرر وفق الخطة الأمريكية الموضوعة لغزو العراق : أن الفقرة الرابعة الميكانيكية سوف تدخل إلى شمال العراق من " تركيا " وكان باديا أن تركيا لا تمانع بل على العكس تحبذ, خصوصا إذا كان هناك مقابل وكان المتصور أن المقابل مساعدات مادية، مالية وعسكرية، يسهل الاتفاق عليها مهما اشتدت المساومات ولكنه مع تقدم المفاوضات بدأ الشك يداخل بعض الأطراف فى أن المقابل المادي الذي يطلبه الأتراك ليس مالا وليس سلاحا, وإنما شيئا آخر مضمرا فى النوايا أكثر مما هو معلن على الموائد, وكانت جماعات الأكراد العراقيين هي التي بادرت وألحت, وأعلنت –صراحة -أن الأتراك يسعون إلى أهداف إقليمية واستراتيجية , ويرون الفرصة سانحة لتحقيقها :

1-يريد الأتراك تصفية بقايا حزب العمال الكردي "التركي " التي لجأت إلى المناطق الكردية العراقية, على اعتبار أن حركتهم المنادية بنوع من الاستقلال الذاتي لأكراد تركيا وهم مابين 11 إلى 18 مليون كردى (اى اكبر مجموعة من الأكراد بين جميع بلدان المنطقة ) تهديد خطير لوحدة الوطن التركي نفسه تتعهد به المؤسسة العسكرية "وهى الأقرب فى علاقاتها مع الأمريكان " , باعتبارها المسئولة بنص فى الدستور عن وحدة وعلمانية( الأمة التركية ) و(الوطن التركي ) وفى سبيل تحقيق هذا العهد فان السلطة التركية لديها العزم على تصفية الدويلات الكردية, وفى رأى قادة الجيش التركي أن الحرب الآن فرصة سانحة لوضع الأمور فى نصابها على الجانب الآخر من الحدود التركية .

 2-  أن الأتراك يحلمون بمنطقة الموصل , وفى خيالهم أنها جزء من تركيا, ومعنى ذلك انه إذا دخل الجيش التركي الى شمال العراق, فانه لن يخرج سواء بالدعاوى التاريخية القديمة ( الباقية من ارث الخلافة الإسلامية )  أو بعلة حماية الأقليات التركمانية هناك , وهى مرتبطة بالدم مع الوطن التركي  .[3]

 

الاكراد والعلاقات الأمريكية التركية قبيل غزو العراق

فى هذه اللحظة المحفوفة بالشكوك حول النوايا, ألقى زعماء الأكراد العراقيين ورقتهم الأخيرة والحاسمة, ومؤداها ببساطة أنه إذا دخل الجيش التركي الى شمال العراق شريكا فى المعركة ضد نظام صدام حسين , فأن مقاتلي الأكراد من الجماعتين ( البرزانى والطالبانى ) سوف يتصدون بالسلاح للجيش التركي , باعتباره الخطر الداهم وليس الجيش العراقي، فالجيش العراقي بالنسبة لهم " خطر الأمس الذي انتهى " وأما الجيش التركي فهو خطر اليوم الذي يوشك أن يطلع صبحه " وكان الاختيار المتاح للولايات المتحدة هو مع الأكراد.[4]

ومن الطبيعي, أن تبقى هذه المسألة شوكة فى العلاقات الامريكية التركية، حيث بدا ان تركيا تحصد مازرعته سابقا فى العراق منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي  والتى اتاحت ارساء اسس دولة كرة فى شمال العراق عبر السماح باستخدام " قوة المطرقة " لاراضيها لحماية اكراد العراق . وهذا السماح كان يتم بتوصيات من مجلس الامن القومى التركى نفسه[5].

 

حرب الخليج عام 1991 وضعت الاساس للدولة الكردية

ان تاييد حلم  دولة الاكراد ظهر قويا إما بطريقة رسمية أو بطريقة فعلية على الأرض حيث أدى فرض الأمريكيين , مناطق الحظر الجوى فى العراق مابين خطى عرض 33, 36 وتراجع قوى الدولة والأمن فى العراق نحو مناطق الوسط المحيطة ببغداد الى منح أكراد العراق الفرصة التاريخية لنيل وضعية تقارب الاستقلال ل وتتجاوز الحكم الذاتي دون أن يصل بهم الأمر الى إعلان دولة مستقلة . وفى نفس الوقت عملت تركيا على منع إقامة دولة كردية , حيث يمثل الملف الامنى الهاجس الأكبر الذي يقض مضاجع الأتراك , منذ إعلان الجمهورية التركية فى 29اكتوبر 1923 , وتخشى تركيا , استنادا الى خبرة تاريخية ممتدة , من احتمالات قيام دولة كردية عراقية وذلك  لتأثيرات ذلك على سلامة ووحدة الجسد التركي.

ونتيجة تراكم الاحداث في العراق بعد الانسحاب الامريكى منها والخلافات الحادة بين كردستان العراق والحكومة المركزية في بغداد التى تداخلت فيها عوامل عديدة  كان اهمهااحساس الاكراد  بأنهم ليسوا مدينين لحكومة المالكي بشيء، في ظل تهميشهم ضمن مخصصات الموازنة العامة واستفادتهم المتواضعة من صادرات النفط العراقية، مع اخطاء المالكي التي انتهجت سياسة طائفية وتمييزية في العراق، تكاد تودي به وبالبلاد على ما يبدو.

 

التحول في السياسة التركية تجاه الأكراد:

مع توتر العلاقات التركية مع حكومة المالكى, حدث تحول في اتجاهات السياسة التركية نحو الاكراد في العراق عندما تجاهلت الحكومة المركزية في بغداد وأبرمت  انقرة منفردة مع اكراد العراق اتفاقا لمدّة 50 عاماً، ينصّ على استخدام خطوط الأنابيب التركية لتصدير النفط الكردي.

.كما اتخذ التحول التركي في شمال العراق أشكالا أخرى فعلى الصعيد الاقتصادي تعمل أكثر من 1000 شركة تركية في شمال العراق حيث تحال أكثر من 90% من عطاءات المقاولات في إقليم كردستان على شركات تركية وتتفاوت عقود هذه الشركات في المجالات التجارية والصناعية والتصنيع والإنشاءات والأعمار والزراعة مع افتتاح قنصليات تجارية ودبلوماسية في إقليم كردستان،

وهو فتح صفحة جديدة من السياسة الخارجية التركية ترمي إلى تحقيق أهداف إستراتيجية تركية تتجاوز ملفاتها التقليدية المتعلقة في كركوك وتطلعات الأحزاب الكردية الانفصالية.

 

تفسير عدم ممانعة الأتراك:

بعد فرار الجيش العراقي من الموصل  امام قوات تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) في 10 يونيو/حزيران  . طلب مسعود بارزاني رئيس اقليم كردستان العراقي من البرلمان الكردى في اربيل الاعداد لاستفتاء على الاستقلا، .وقال" إنه لا يشعر انه يجب التقيد بالدستور العراقي الذي ينص على وحدة الدولة".كما علن الاتراك انهم لا يمانعون في اقامة الدولة الكردية الجديدة ويبرر بعض المحلليين ذلك  بان تركيا  اليوم تجمعها بكردستان العراق علاقات اقتصادية وثيقة من خلال أنابيب النفط الجديدة التي تمر إلى تركيا، واليوم مع تصاعد قوة «داعش» تلعب كردستان العراق دور المنطقة العازلة التي تفصل تركيا عن باقي العراق المضطرب.[6]

كذلك تشجع واشنطن اكراد الغراق على النظر إلى تركيا على أنها الطريق إلى العالم الخارجي والمرساة للغرب، بحيث تقدم للأكراد العراقيين إذناً بحرية الوصول إلى الغرب، سواء للتجارة مع أوروبا أو لتصدير النفط .[7] كما أن تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات كردية وشيعية وسنية جاء باقتراح من نائب الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن, لقد هيّأ جورج دبليو بوش الأرضية اللازمة للتقسيم في العراق وجاء أوباما ليترجمها على الأرض .[8]
 

سيناريوهات تركية ثلاث:

اولا سيناريو استعادة أحلام تورجوت أوزال:( الرئيس التركي السابق )  في ضم شمال العراق عندما طرح خرائط جديد لتركيا بضمنها شمال العراق والموصل وعرضها عام 1991 أمام البرلمان التركي عندما توقع انهيار العراق وتقسيمه. وكذلك التصريحات الواردة صراحة على لسان الرئيس (الراحل ) سليمان ديميريل المطالبة بضم الموصل في 3 مايو /ايار 1995 , حيث دعا الى " اعادة ترسيم الحدود بين تركيا والعراق لاسترداد اقليم الموصل الذي كانت تركيا قد اضطرت للتنازل عنه لصالح العراق , بحيث تنتهي حدود تركيا عند نهاية خط نفط الموصل كركوك بما يمنع ايضا تسلل متمردي حزب العمال الكردستاني.[9]

ثانيا الحصول على حصة من النفط العراقي  في الموصل

وفق اتفاق بريطانيا وتركيا والعراق فى 5 يونيو / حزيران 1926 , قضى بإبقاء الموصل – كركوك ضمن الاراضى العراقية مع منح تركيا نسبة عشرة فى المائة ولمدة 25 عاماً من دخل النفط العراقي, واستمرت تأخذ ذلك بصورة متقطعة حتى عام 1955, ويقدر بعض الأتراك بان هناك مبلغ المليوني جنيه استرلينى  ديون على نفط كركوك , يعادل ألان ثلاثين مليار دولار.

ثالثا سيناريو المرحلية لتفجير الموقف داخل البيت الكردى:

ويظل هذا السيناريو محتملا خاصة مع تنامى الاختلافات بين حزبي بارزانى وطالبانى،  وفي هذه الحالة ستتاثر سلبا العلاقات مع ايران بشدة .سيما مع تخوف ايراني من تشكيل القادة في منطقة كردستان العراق لتحالفات مع مجموعات أخرى، مثل الشيعة المنشقين.

 

 

المصادر

[1] الفاينانشال تايمز, عدد الاول من يوليو

[2] المصدر السابق .

[3] انظر تفاصيل ذلك فى :

عبدالعظيم محمود حنفى , العلاقات الامريكية التركية , مجلة السياسة الدولية عدد153 , يوليو 2003 , صص222-225 .

[4] عبدالعظيم محمود حنفي , الشرق الاوسط صراعات ومصالح , كتب جوجل . الرابط

[5] عبدالعظيم محمود حنفى , العلاقات الامريكية التركية , مجلة السياسة الدولية عدد153 , يوليو 2003 , , ص 224.

[6] دويل مكمانوس, الازمة العراقية.. تحالفات جديدة ,جريدة الاتحاد الاماراتية , عدد24 يونيو 2014

[7] سونير كاجابتي, هل يستطيع الأمريكيون والأتراك والأكراد الانسجام معاً في شمال العراق ؟ , معهد واشنطن ,22 مارس 2004 .

[8] محمد نور الدين , كردستان” العراق وتآمر الجميع, جريدة الخليج الاماراتية , عدد 11 يوليو , 2014 .

[9] Jonathan Eric Lewis, replace Turkey as a Strategic Partner? , Middle East Quarterly, SPRING 2006

 

النشرة الالكترونية

كلمات دليلة

عاجل

x