سيناريوهات صعبة.. استخدام التحالف قوات برية على الأرض ضد داعش

بقلم : ريهام مقبل ريهام مقبل
الأحد هـ - 09 نوفمبر 2014م

منذ الإعلان عن تشكيل التحالف الدولي العربي لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، ارتفع سقف الآمال بإمكانية تدمير داعش أو القضاء عليه، حسب تعبير الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وتسرع البعض في الحكم عليه مستعجلا للنتائج في القضاء سريعا على هذا التنظيم، غاضبا من عدم نجاح التحالف حتى الآن في مهمته التي قام من أجلها، وهي القضاء على هذا التنظيم الإرهابي، أو على الأقل وقف تمدده.

وهو ما استدعى الحديث مرةً ثانيةً عن أهمية توظيف القوات البرية في المعركة حتى تؤتي ثمارها، ولكنها مازالت محكومةً بعددٍ من المتغيرات، سواءٌ المتعلقة بخبرة واشنطن العسكرية "السيئة" في المنطقة، لا سيما مع التجديد النصفي للكونغرس ومدى قدرة أي من الحزبين للضغط على تبني آلية ما للتعامل مع داعش، أو صعوبة وجود بدائل، سواء داخل سوريا أو العراق يمكن الارتكاز عليها لمواجهة داعش، أو حتى مواقف القوى الإقليمية، التي يبدو أنها مازالت أقل تحمسًا عمَّا قبلُ، خوفًا من أثر الانتشار spill over في منطقة ملتبسة تعيش تحت بركان، قابل للانفجار في أية لحظة.

ينسى هؤلاء أن الحرب لازالت في بداياتها كما وكيفا، وحسب رويترز يوم الجمعة  الماضي 7 نوفمبر سنة 2014 تتجه الإدراة الأمريكية لزيادة عدد قواتها في العراق بشكل كبير والتي يبلغ عددها الآن حوالي 1400 جندي في الوقت الذي تسعى فيه واشنطن لتعزيز القوات العراقية التي تخوض حربا ضد تنظيم داعش، وأحرزت تقدما مهما يوما السبت 8 نوفمبر سنة 2014 بالسيطرة على بيجي وعدد من القرى في قضاء هيت، وكذلك باستهداف عدد من قيادات داعش، أشارت مصادر عشائرية لقناة العربية أنه كان بينهم زعيم داعش أبو بكر البغدداي وأنه تمت إصابته.

 

سنحاول فيما يلي قراءة مسارات هذه الحرب وخصوصيتها عبر مقارنتها بالحروب الدولية السابقة، وكذلك عبر طرح سؤال القوات البرية ومدى الاحتياج إليه وخياراته الممكنة.

-حرب "غير متماثلة" asymmetrical warfare؟

منذ بدء الحملة العسكرية على سوريا والعراق في 8 أغسطس، نجحت الحملة الدولية في منع سقوط محتمل لأربيل على أيدي التنظيم، واستعادة السيطرة على سد الموصل، وصد الهجوم على سد حديثة، وإنقاذ آلاف من الأيزديين الذين عانوا في جبل سنجار، وكذلك كسر الحصار حول قرية آمرلي التركمانية.

 ولكنها لم تنجح حتى الآن في القضاء على داعش، مما يلزم استخدام قوات برية، على غرار التحالف الذي شُكِّل في حرب الخليج الثانية، وكذلك حرب أفغانستان عام 2001م، وترجع أهمية توظيف القوات البرية في هذا التوقيت إلى عدة أسباب هي:

 أولها: الحرب لا زالت في بدايتها:

  لا زالت ضربات التحالف الدولي محدودة، فبرغم أن قوات التحالف الدولي أطلقت 1700 ضربة جوية في 1 أكتوبر، فإن 20% من هذه الضربات حقق نتائج فعلية. غير أنها لا زالت محدودة الحجم، إذا قورنت بالغارات العسكرية ضد القذافي في ليبيا، حيث شنَّت ضربات جوية تعادل 9700 في 203 يوم، ومكنَّت المعارضة من هزيمة 20-40 ألف من القوات الليبية، حتى وصلت في نهاية المطاف إلى 26000 ضربة، وكذلك إذا قارنناها حرب الخليج الثانية عام 1991م، حيث أطلقت الولايات المتحدة 116000 ضربة جوية في غضون أسابيع قليلة. ([1]) وفي كوسوفو، شنَّ الناتو 3400 ضربات جوية  في 78 يوم.

ثانيها: تعاظم نفوذ القدرات العسكرية لداعش:

 برغم أنه لا توجد تقديرات رسمية حتى الآن على حدود قدرات داعش العسكرية، ولكن هناك اعتقاد أنها تمتلك مجموعة واسعة من المعدات والقواعد والدبابات والمدافع الميدانية وقاذفات وصواريخ متقدمة، سواء في سوريا أوالعراق، استولت عليها من مستودعات الأسلحة السورية والعراقية.[2] أشارت تقارير إلى أن داعش حصلت - على الأقل - على سبعة صواريخ (BM-21)، وقاذفات وصواريخ متعددة من طراز(MRLS)، وعدد 400-500 صواريخ جراد، ودبابات القتال الرئيسية التي تسمًى((T-55، ومئات من الدبابات العسكرية، ومئات من القذائف الصاروخية، وعشرات الآلاف من طلقة ذخيرة الأسلحة الصغيرة، وصواريخ مضادة للدبابات (RPG)، وعشرات الآلاف من طلقات ذخيرة الأسلحة الصغيرة، وكميات كبيرة من بنادق هجومية وقنابل يدوية([3]).

ونجحت أيضًا في إسقاط عدة طائرات هليكوبتر تابعة للجيش العراقي، وذلك باستخدام محمولة نظام الدفاع الجوي(MANPADS) ([4]). وامتلاك داعش هذه القدرات يثير تساؤلات حول مدى قدرة تنظيم عابر للحدود أو دون الدولة تهديد الدولة الوطنية ذات سيادة، وهي تنظيمات تظهر لملء الفراغ الأمني في الدول الفاشلة،  كما أن لديهم سهولة الوصول إلى مصادر الدعم الخارجية.

ثالثها: قدرة  داعش علي التكيف adaptation"":

 مع الضربات الجوية التي تتلقاها من قبل دول التحالف، نتيجة لوجود مقاتلين أجانب داخل التنظيم، يمتلكون خبرات واسعةً جراء المشاركة في الحرب على أفغانستان أو الشيشان أو حتى ليبيا، والتي تساعدهم على الفرار والتخبئة في أوقات الأزمات والصراعات. أضف إلى ذلك، تعد الضربات الجوية "غير استباقية"، بمعنى أنها تنتظر سيطرة داعش على بعض المناطق للتحرك، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من خلال عدم تحرك التحالف في منطقة كوباني، وكذلك  قرار تسليح الأكراد، الذي جاء كرد فعل على تقدم داعش في المناطق التي تخضع لسيطرة الأكراد، والتي اعتبرها الرئيس الأمريكي حينها خطًّا أحمر.

 إلى جانب ذلك، تمكنًت داعش من الجمع بين عناصر التكتيكات الإرهابية وحرب العصابات الحضرية والحرب التقليدية، فعلى سبيل المثال، تنفذ الهجوم بالمدرعات في الليل وتزرع عبوات ناسفة، ولكن في الوقت ذاته، تقوم لاحقاً بتطهيرها، وقبل تنفيذ العملية تحاول إلهاء العدو عبر نشر رسائل كاذبة على الفيس بوك وتويتر سواء للأعداء أو المدنيين، ثم تجمع في أماكن أخرى كي تنفذ عملياتها.[5] ووضع قيود على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة تويتر في إطار ما تطلق عليها حملة وسائل الإعلام السرية "media secrecy campaign"[6]، وهو ما يعكس مدى تقدم داعش، سواء في المجال الاستخباراتي أو العسكري أو حتى التكنولوجي، وكذلك معرفتها الجيدة بمواقع السورية والعراق، وهو ما يعجز التحالف الدولي أن يعرفه.

رابعها: نجاح "داعش" وحاضنة سنية محدودة:

في كسب تعاطف بعض السنة وأهل العشائر في الأنبار، برغم ما ذِيع ونُقِل عن وحشية التنظيم في التعامل مع المدنيين، إلا أن هذه الممارسات بدا أنها لا تختلف كثيرًا عن باقي التنظيمات الشيعية، وهذا ما أشار إليه تقرير صدر عن منظمة العفو الدولية، أكد أن الشيعة المسلحة تستهدف السنة المدنيين في بغداد وضواحيها، بمساندة الحكومة العراقية، حيث يتم استهدافهم سواء في منازلهم أو عملهم أو حتى في نقاط التفتيش، مستغلة غياب القانون والإفلات من العقاب، وفي ظل أيضًا غياب الحكومة العراقية([7]).

ومما سبق، يتضح أن هناك "ضرورة" للتدخل البري حتى تؤتي الحملة ثمارها، وهو سجال لم يعد يختلف عليه الكثيرون، ومع ذلك يبدو أن الرئيس الأمريكي يصًر على الاكتفاء بالضربات الجوية، وهو ما يمكن فهمه استنادًا إلى عاملين هما:

 أولا: هناك تخوف من ارتفاع تكلفة الحرب البرية، فقد تراوحت تكلفة انخراط واشنطن في التحالف على "داعش" ما بين 250 و 400 مليون دولار، بينما بلغ إجمالي اشراك التحالف ككل من منتصف يونيو حتى 24 سبتمبر ما بين 780 و 930 مليون دولار، [8]بما يعني أن تكلفة الحرب البرية ستكون أضعاف وربما ثلاثة أضعاف هذه التكلفة، وهو ما لا ستتحمله واشنطن أو حتى حلفاؤها خاصة بعد تجربة أفغانستان والعراق، والأزمة المالية التي ضربت واشنطن، ومازالت تعيش تحت وطأتها. 

ثانيا: يبدو أن الرئيس أوباما يصًر على عدم التورط في مستنقع المنطقة، والحفاظ على إرثه التاريخي عبر خروج واشنطن من العراق وعدم شن حروب أخرى، لذلك ربما ينتظر لحين الانتهاء من ولايته، ويكون القرار في يد خلفه، أو حتى انتظار بانتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، فقد أشار أوباما في 17 سبتمبر "أننا لا نعتزم إرسال قوات أميركية لاحتلال أراضٍ أجنبية".

-حرب الاختيار أم حرب الضرورة في سوريا:

يبدو أن التحالف الدولي لن يستمر في الاعتماد على نفسه، بل إنه سيسعى لإشراك الأطراف المحلية سواء المتعلقة بالمعارضة السورية المعتدلة أو الجماعات العراقية، وذلك للارتهان عليها في نجاح الحملة الدولية. ففي ظل الدعوات المتكررة لاستهداف داعش في سوريا، على غرار داعش في العراق، تعهًد أوباما بتدريب المعارضة السورية المعتدلة، وتبنى مجلس الشيوخ خطة أوباما بتمويل تبلغ قيمته خمسمائة مليون دولار، وذلك بتأييد 273 نائبًا مقابل رفض 156، وهو الموقف الذي عارضه الرئيس أوباما منذ ثلاثة سنوات،برغم توصية وزيرة خارجيته السابقة هيلاري كلينتون ووزير دفاعه السابق ليونبانيتا، ورئيس الاستخبارات الأميركية السابق الجنرال ديفيد بتريوس أيضًا.

ولكن هذه الخطة كشفت عن "عدم الوضوح"، برغم أنها تضمنت تسليح المعارضة السورية وتدريبها، بيد أنها حتى الآن لم تتخذ أية خطوات حيال تسليح المعارضة وما إذا كانت الحملة ستستهدف نظام الأسد من عدمه، فلم يعد واضحًا هل ترغب الولايات المتحدة في تدريب المعارضة بشكلها الحالي، أو أنها ستخلق كيانًا جديدًا متجانسًاhomogenous"". علاوة على ذلك، فان تدريب المعارضة وإمدادها بالأسلحة لا يضمن نجاح المعارضة في هزيمة نظام الأسد، وتشير الخبرة التاريخية إلى أن تقديم مثل هذه المساعدات يحقق انتصارات "وقتية"، ففي الثمانينيات، حيث ساعد تقديم صواريخ ستينغر وميلان المضادة للطائرات لأفغانستان على تكبد خسائر، ولكنها لم تسفر عن هزيمة الجيش الأحمر، مع المقارنة أن أفغانستان كانت بمثابة"حرب الاختيار"، ولكن الحرب الأهلية في سوريا يبدو أنها بمثابة "حرب الضرورة". وهذا يرجع إلى أن هناك "غموض" حول آلية التعامل مع نظام الأسد، حتى فرض حظر الجوي هناك إمكانية بعدم نجاحه، برغم أنه قد يفيد في منع المساعدات والمؤن التي تقدم له، ويشل قدراته الجوية في استهداف المعارضة، ولكنه لن يكون "فعًالًا"؛ لأن هذه المساعدات تأتي من ناحية البحر، كما أنه يستهدف المعارضة، ليس عبر القصف الجوي فقط، بل عبر القوات البرية.

فمن ناحية، لم يعد واضحًا أياً من الدول التي ستقوم بمهمة تدريب المعارضة، فتركيا اكتفت بدور المراقب على الحدود، رغم إطلاق الرهائن المحتجزة، بسبب مطالبها بإقامة منطقة عازلة داخل الحدود السورية المحاذية للحدود التركية، و أعلن رجب طيب أردوغان في 24 أكتوبر أن 1300 جنديًّا من الجيش السوري الحر سيعبرون الحدود التركية للانضمام إلى الأكراد التي تدافع عن مدينة عين العرب أو كوباني، ولكن يبدو أن أردوغان يرفض اختزال الأزمة في داعش، أو حتى اختزال المعركة ضد داعش في كوباني، ويبدو أن تركيا أو أية دولة إقليمية مثل الأردن، تتخوف من تعرضهم لأية تداعيات جراء تولي أية مهمة عسكرية ضد نظام الأسد، خشية الارتدادات من قبل الأسد نفسه أو حتى إيران، كما أن هذه الدول قد لا تتحمل الكلفة العسكرية، فالأردن نفسها تستقبل 660 مليون دولارًا كمساعدات من الولايات المتحدة سنويًّا. وفي فبراير 2014م، تعهَّد الرئيس أوباما بتقديم مليار دولار ضمانات قروض لمساعدة الأردن لتحمل أعباء اللاجئين([9])، كما أن تكلفة تدريب المعارضة السورية، ستعتمد على مدى دعم الحملة الجوية الأمريكية للمعارضة السورية، ومدى تحمُّل حلفاء واشنطن التكلفة، والتي قد تتراوح بين 1-2 مليار دولار سنويًّا لتدريب، وتنظيم وتسليحهم، وربما أيضًا ما بين 1,5-2,75 كمساعدات مدنية.

 

ومن ناحية أخرى، تعاني المعارضة السورية من مشكلات جمة سواء تلك المتعلقة بمشاكل التمويل، بعد أن سيطرت داعش على معاقل وحقول النفط التابعة لجبهة النصرة والجبهة الإسلامية وصعوبة الحصول على جهات تمويل، وحدوث انشقاقات داخل جبهة الثوار الاسلامي، وانشقاق 800 في الطرف الشرقي من حلب في أغسطس، والتحاقهم بالجيش السوري الحر، مع تقدم الجماعات المتطرفة على حساب المعتدلة، حيث قامت جبهة النصرة المتطرفة مؤخرًا بالسيطرة على معقل تنظيم "جبهة ثوار سوريا" المعتدلة، حتى باتت تسيطر على مساحة كبيرة في غرب المحافظة وشمالها، وتحكمت في منطقة جبل الزاوية الواسعة، وهي من أولى المناطق التي طردت منها المعارضة القوات النظامية من ريف إدلب في شمال سوريا([10]).

ورغم هذه الصعوبات، هناك إمكانية من تحقق تقدم للمعارضة السورية المعتدلة وبروزها كلاعب رئيسي في سوريا؛ سواء في إطار التحالف ناشئ بين الأكراد والعرب، خاصة مع تشكيل وحدات حماية الشعب العربية، والدفاع عن قراهم الواقعة في المناطق الكردية ضد داعش، أو بعد تمكنها من الوصول قرب العاصمة دمشق، بهدف فتح الطريق بين درعا والقنيطرة، والوصول إلى دمشق وريفها الغربّي المحاصر في 27 سبتمبر، والتي عرفت بمعركة "الوعد الحق".[11]ومن بين التنظيمات المعتدلة: حركة حزم، والفرقة  13 والفرقة 101 مشاة في إدلب وحلب، وتجمع صقور الغاب والجبل في حماة وإدلب، ولواء العاديات في اللاذقية. ([12])

 

-استعادة تجربة الصحوات:

يمكن للولايات المتحدة أن تعتمد على العشائر العراقية، كشريك لمواجهة داعش، لتعيد ربما تجربة الصحوة العراقية في محافظة الأنبار بين عامي 2006-2008، تحت مسمَّى "قوات الحرس الوطني"، وتم إعداد مشروع قانون في 9 سبتمبر الماضي، وتنظيم التطوع الشعبي ضد داعش، كما أنها متضمنة في الفقرة السادسة من برنامج رئيس الوزراء العبادي، ولكن تتباين المواقف حولها، مما يهدد بإفشاله، نتيجة لعدد من العوامل؛ فمن ناحية هناك حاجة إلى إعادة هيكلة القوات المسلحة في كردستان العراق، بعد أن كشف القتال ضد "داعش" مدى ضعف كتائب كردية، مثل وحدات "كتائب الحرس الإقليمي" التابعة لوزارة البيشمركة، أو وحدات الشعب الكردي في كوباني التي أحرزت تقدما ما موازيا للضربات الجوية ضد داعش فيها.

ولعل مظلومية العشائر التي تستهدفها داعش ستزيد هذا الاحتمال، ليس فقط مع إعلان كثير منها الاستعداد لذلك، والتحرك باتجاه بيجي مع قوات الأن العراقي، ولكن مع تكرار حوادث ومآس بيد داعش كتلك التي أوقعتها بعشائر بونمر أو عشائر بوحبارة.

كما أن هناك شكوكا وتخوفات حول احتمال استغلالها من قبل الكيانات السياسية لتكريس الطائفية وخدمة مصالحها، و حدوث صراعات دموية على غرار ما حدث في سبايكر، حيث قتلت داعش 157 من طلبة القوة الجوية في قاعدة سبايكر بتكريت.

ومن ناحية ثانية، فتنظيم "داعش" ليس التنظيم السني الوحيد المعارض للحكومة العراقية، فهناك تنظيمات أخرى تختلف انتمائهما الإيديولوجية من السلفية الجهادية إلى السنية، وسيمثلون تهديدًا حقيقيًّا في حالة القضاء على "داعش"، وهي جماعات نشطت في البداية بعد الحراك السني عقب سقوط نظام صدام حسين، وكانت جزءًا من مجالس الصحوة للقضاء على تنظيم القاعدة بين عامي 2007-2008، ولكن فشلت حكومة المالكي في ضم أعضاء الصحوة للجيش الوطني، وقامت القوات العراقية لاحقًا في 24 أبريل 2013م باقتحام الحويجة ومقتل 20 من السنة وجرح المئات، وهو ما أفضى إلى مقاومة سنية وقتل أكثر من 200 في صراعات مسلحة.

وللمفارقة، بعضُ هذه الجماعات تعاون مع "داعش"لإبعاد القوات العراقية من المناطق التي سيطرت عليها "داعش"، منها المجلس العسكري الأعلى للثورة الإسلامية (GMCIR)، وجيش رجال الطريقة النقشبندية، والمجلس العسكري لثوار الأنبار، ولواء 1920، والجيش الإسلامي في العراق، وأنصار الإسلام، وغيرهما. وعلى الرغم من سعي داعش لاستهدافهم في الموصل أيضًا، ولكن قامت "داعش" بالقبض على 25-60 من السنة. وفي 14 يوليو، قبضت "داعش" على 10 من الجيش الإسلامي، وعدمت أعضاء من التنظيمات الإسلامية، ولكن هذا الأمر يتبدد في حالة المواجهة مع الشيعة أو القوات العراقية، حيث إنها تتعاون مع داعش.[13]

وفي حالة موافقة السُّنَّة على الانضمام لهذا الكيان الجديد، فعلى الأرجح سيرفض السنة الخضوع لأوامر الشيعة، مما قد يؤجج من المزيد من الصراعات الداخلية، ففي الأنبار، سرَّع إعلان نشأة هذا الكيان من حدوث بعض الانشقاقات في صفوف قبائل محلية، خاصَّة قرب أربيل. هذا إضافةً إلى تخوف حدوث حرب بالوكالة، ومحاولة دول الإقليم توزيع الأدوار داخله، وهذا الأمر انعكس بقد قيام حيدر العبادي رئيس وزراء العراق الجديد بزيارة طهران عشية إعلان الانتهاء من تشكيل الحكومة العراقية، مما يعني أن الوضع لم يتغير في العراق، وأنها مازالت تخضع لهيمنة ونفوذ إيران.

وهذا لا ينفي حقيقة أن هناك أكثر من 20000 من رجال العشائر بعضهم مازالوا في مرحلة التدريب، والبعض الآخر يقاتل بجانب القوات الكردية أو الحكومية في أنحاء العراق، ومنذ إعلان تشكيل في    6أغسطس، ضم قبائل عراقية عديدة، من بينهما "الجبور"، المنتشرة في وسط وشمال العراق، ونجحت هذه المجالس في إحكام السيطرة على مناطق عدَّة في محافظة ديالي في الشرق، فهناك أربع عشائر تقاتل الآن إلى جانب قوات بغداد([14])ولكن المشكلة تكمُن في قيام "داعش" باستهداف العشائر لتثبيطهم من المشاركة في الحرب؛ حيث أشارت مصادر بإعدام تنظيم داعش المزيد من أبناء عشيرة "البونمر" غرب محافظة الأنبار، وإن تنظيم "داعش" قتل 50 نازحًا من أفراد العشيرة، وأعدم أكثر من 300 شخص([15]).

-مسارات ثلاثة محتملة:

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات محتملة في الفترة المقبلة، نجملها في الآتي:

1-تكثيف الهجمات الجوية، ووصولها إلى مستوى الـ120 طلعة في اليوم الواحد و150 هدفًا للهجوم في الشهر الواحد، وستتراوح التكلفة بين 350-570 مليون دولار. وبِناءً على هذا، ستستمر المناوشات بين الطرفين، ولاسيما في ظل تقدم داعش في بعض المناطق. وتكمن المشكلة الرئيسية في أن الضربات الجوية، كخيار في حد ذاته، لن تكون ضامنًا لنجاح الحملة، وذلك في ظل حالة "الغموض" التي تكتنف الحملة، والناجون من الضربة سيتمكنون من الانتشار، والتي تشبه ما يسمى لعبة "Whack-a-Mole"، بمعنى أنه مجرد استهداف العدو والتخلص منه، فإنه يعاود الظهورَ مرة أخرى في أماكن كثيرة، وهذا يعني عمليًّا أن توجيه ضربات ضد داعش، ستكون نتيجته معاودة ظهور قيادات "داعشية" أخرى في أماكن مختلفة.

2- اتساع العمليات البرية، يفترض نشر ما يقارب من 25 ألف جندي أمريكي في العراق وسوريا، وستصل تكلفتها إلى بين 1,1 و  1,8مليار دولار. ولكن استخدام قوات على الأرض ستعتمد على ثلاثة متغيرات رئيسية نحددها فيما يلي:

. أولا:  ضغط الكونغرس الذي غدا ذا أغلبية جمهورية على أوباما، وسيتم استئناف مناقشة هذا الموضوع عقب عودتهم من العطلة في 12 نوفمبر، في ظل رغبة عدد من المشرعين باتساع نطاق الحملة عسكرياً، خاصة من قبل الجمهوريين، كما ان السباق الانتخابي تحول إلى سجال حول دور واشنطن في التحالف ضد داعش، فعلى سيبيل المثال، انتقد المرشح الجمهوري سكوت براون ان داعش تهدد بانهيار دولتهم، واتهم أوباما ومنافسه الديمقراطي السيناتور جان شاهين بعدم الاكتراث بطبيعة التهديد، وهو ما ردت عليه بالقول أنها تدعم الضربات الجوية، وأثنت على جهود أوباما بقطع تمويل داعش، وفي حالة فوز الجمهريين أغلبية المقاعد، ستمثل ورقة ضغط على أوباما من أجل مزيد من التحرك العسكري.

ثانيها: دخول داعش بغداد والسيطرة على المطار الدولي، فقد كشفت واشنطن أن مطار بغداد كاد يسقط بـيد مقاتلي "داعش" لولا تدخل مروحيات "الأباتشي"، لصد هجوم المتطرفين على بعد عشرين كيلومترًا من مطار بغداد، ولم يستبعد قائد القوات المسلحة الأمريكية، مارتن ديمبسي، قيام قوات أميركية بدور على الأرض في العراق مستقبلاً.

وسادت حالة من الاستياء داخل الولايات المتحدة قد يرغمها على تغيير استراتيجية مواجهة "داعش"، خاصة وأن هناك توجهًا شعبيًا يدعم ذلك، كما تكشف عن ذلك بعض استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخرًا، يؤيد العمليات البرية ضد "داعش"، ومنها استطلاع للرأي العام الأمريكي أجرته شبكة CBS News بين 23- 27 أكتوبر، أيًد 47% من العينة القوات برية، مقارنة بـ 44% في 10 أغسطس، و 39% في شهر سبتمبر([16]) ورغم أن نسبة التغيًر"ضئيلة"، ولكنهاتعكس مدى رغبة الشعب الأمريكي في تورًط واشنطن عسكريًّا في المنطقة لصالح التهديد الجديد الأخذ في الصعود.

التوجه السياسي المؤيدون لنشر قوات برية المعرضون لنشر قوات برية
نتائج استطلاع شهر أكتوبر
جمهوريون 58% 36%
ديمقراطيون 36% 58%
مستقلون 42% 51%
الإجمالي 44% 50%
نتائج استطلاع شهر سبتمبر
الإجمالي 39% 55%

 

اتجاهات الرأى العام الأمريكي بشأن نشر قوات برية في الحرب علي "داعش" وفقًا لنتائج استطلاع شبكة

ثالثها: وصول تهديدات داخل الأراضي الأمريكية، حيث قال الجنرال راي أوديرنو، رئيس هيئة الأركان المشتركة في القوات البرية  في 30 أكتوبر أنه على الولايات المتحدة أن تركز أكثر على حماية مواطنيها ومصالحها من تهديدات تنظيم "داعش" وغيره من المنظمات الإرهابية في 30 أكتوبر، وحذًر دانكانهانتر عضو الكونجرس الأمريكي عن ولاية كاليفورنيا في 7 أكتوبر من أن تنظيم "داعش" الذي يشغل انتباه الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط يتسلل في سرية إلى داخل الولايات المتحدة. وفي حالة حدوث ذلك، ستكون بمثابة 11 سبتمبر الجديدة، حيث تسبب هذا الحادث في تدخل واشنطن في أفغانستان للإطاحة بطالبان وصدام حسين لاحقاً.

3-إشراك دول وقوى أخرى في العملية البرية، عبر عدد من الشركاء الإقليمين أو الدوليين،  أو المعارضة المعتدلة في سوريا، التي أثبتت عدم طائفيها بالمشاركة في الدفاع عن كوباني رغم الخلاف مع العمال الكردستاني، ولا زالت تحتفظ بعدد من الجيوب في درعا وحلب وغيرها، أو عبر الاستعانة بقوى بعض الدول الغربية التي لديها قواعد قريبة من مناطق الصراع مع داعش مثل استراليا وفرنسا، وبعض الدول في المنطقة أبدت استعدادا قويا للمشاركة، مثل مصر،  أو عبر مشاركة تركيا بقوات برية تدخل الأراضي السورية. ولكن تراجع تأثير الحملة الجوية يثير شكوكًا حول جدية واشنطن في المهمة، ويبدو أن الحلفاء باتوا يشككون في تبني واشنطن استراتيجية الاحتواء "containment"، أكثر منها حملة متعمدة.([1])

خاتمة:

يمكن القولُ بأن الحرب على داعش ستكون "مفتوحةً" وممتدة في ظل صعوبة، فكل سيناريو يحمل بين طياته عقبات ومخاطر ستطال جميع الأطراف، لذلك فالحرب البرية لن تحقق الهدف الرئيسي وهو القضاء على داعش وباقي التنظيمات الإرهابية، فتجربة أفغانستان والعراق واضحة، حيث لم تفضِ إلى انتشال القاعدة من جذورها، بل إن العراق مثَّل مقبرة لإمبراطورية أمريكا في العالم graveyard of empire""، حيث لم تستطع التخلص من تداعياتها، فقد أنفقت ما يعادل 252 مليار دولار لتدريب وتسليح الجيش العراقي، الذي أنتج في نهاية المطاف داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية، لذلك فالولايات المتحدة تعيد سياسة الإدارة الأمريكية السابقة المتمثلة في اختزال الأزمات، مثلما اختزلت أحداث سبتمبر في مقتل أسامة بن لادن، فهي تتصور أن القضاء على داعش سيعيد الاستقرار في المنطقة، ولذا فنتيجة الحرب على داعش قد لا تمثل انتصارًا كاملًا لأيٍّ من الأطراف سواء المتصارعة أو حتى المتشابكة، بالإضافة إلى أن القضاء على تنظيم داعش عسكريًّا دون القضاء عليه إيديولوجيًّا.

المصادر

 

[1] الرابط

([2])“Department of Defense Press Briefing on Operations in Syria by Lt. Gen. Mayville in the Pentagon Briefing Room”, US Department of Defense, 23 September 2014

([3])Louisa Brooke Holland and Claire Mills, ISIS" the Military Response in Iraq and Syria, House of Commons Library, 17 October, 2014.

([4])الرابط

([5])الرابط

([6])الرابط

([7])Absolute Impunity, Military Rule in Iraq, Amnesty International, October 2014.

[8] Todd Harrison, John Stillion, Eric Lindsey and Jacob Cohn, Estimating the Cost of Operations against ISIL,Centre for Strategic and Budgetary Assessments, September 2014.

([9])Mark Landler and Sarah Wheaton, “Obama Promises New Aid to Jordan in Refugee Crisis,” The New York Times, February 14, 2014.

([10])الرابط

[11] الرابط

 ([12])فيلكس لغراند، التوزيع العسكري والإيديولوجي للكتائب المقاتلة في سوريا، مبادرة الإصلاح العربي، أكتوبر 2014م.

[13] Sinan Adnan and Aaron Reese, Beyond the Islamic State:Iraq's Sunni Insurgency, Middle East Security Report, 24, Institute for the Study of War, October 2014.

([14])الرابط

[15] الرابط

([16]) الرابط

([17]) الرابط

عاجل

x