قبل الجولة الثانية..جنيف 2 بين الإرادة المفقود والسيناريوهات المحتملة

بقلم : محمود حمدى أبوالقاسم محمود حمدى أبوالقاسم
الأحد هـ - 09 فبراير 2014م

برعاية أمريكية روسية وتحت وطأة ضغوط شديدة وافق طرفا الأزمة السورية النظام والمعارضة على المشاركة فى جولة من المباحثات فى جنيف فى 22 من يناير 2014 فيما يعرف بمؤتمر جنيف ـ2، وذلك وفق مرجعية تستند إلى بيان جنيف ـ1 الذى جمع مجموعة العمل الدولية فى جنيف فى يونيو 2012، والتى اقترحت إنشاء هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة تشمل الأمن والجيش والاستخبارات يتفق عليها الجانبان السوريان في تسوية سياسية. وإذا كان قد مر على جنيف ـ1 ما يزيد عن سنة ونصف فهل تهيأت الظروف حول الأزمة السورية بما يسمح بأن يكون جنيف ـ2 نقطة انطلاق جديدة تفضى إلى نتيجة إيجابية فى سوريا؟، أم أن المعطيات على الأرض وفى الخارج حول الأزمة لا زالت كما هى؟.

بين مونترو وجنيف .. إرادة مفقودة

فى مونترو التى افتتحت بها جولة جنيف ـ2 بدا وفد النظام متشنجا وركز على توجيه هجوما حادا للمعارضة والأطراف الدولية المختلفة، فى حين كانت المعارضة أكثر وضوحا وركزت على الأزمة السورية ومضامينها الأساسية، وهو ما انعكس على مباحثات الجولة الأولى والتى ركز فيها النظام على حربه ضد الإرهاب، بينما ركزت المعارضة على تجاوزات النظام والتى ترقى إلى انتهاكات ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وقد واكب ذلك تسريب لآلاف من الصور بثتها وكالة الأناضول لتجاوزات النظام فى معتقلاته وسجونه السرية. كما ركزت المعارضة على علاقة النظام بتنظيم القاعدة فى بلاد العراق والشام. وبنهاية هذه الجولة يمكن القول أن المعارضة قد حققت مكسبا مهما، وأن النظام أرغم على الجلوس معها كطرف ثان فى الأزمة، وأن حالة الإنكار التى تبناها النظام منذ بداية الأزمة قد انتهت وهذا مكسب فى حد ذاته، لن تتوقف تداعياته على هذا الاعتراف بل إنها تهز صورة النظام الذى يحاول إظهار التماسك منذ بداية الأزمة، كما قد يمهد الطريق نحو تبلور موقف يتشكل مع الوقت على المستويين الاقليمى والدولى بل والداخلى بأن الحل يمر عبر هذا المسار التفاوضى وهذه الرعاية الاقليمية والدولية وأنه لن يمر سوى وفق تسوية مقبولة لا تمنح كل شئ لطرف.

وبانتقال المباحثات إلى جنيف ركزت المحادثات بين الطرفين على المسائل الإنسانية ولا سيما فى حمص. لكن تعثرت المفاوضات ورفضت من كل الأطراف نتيجة شروط فرضها النظام للسماح بتقديم المساعدات الإنسانية، ومنها مغادرة المقاتلين المسلحين للمناطق التى يتم تقديم مساعدات انسانية لها، وكذلك تسجيل أسماء الذكور قبل مغادرة تلك المناطق مع السماح للنساء والأطفال بالخروج، لكن ضغوطا دولية قوية تمارس من أجل إيصال مساعدات عاجلة لبعض المناطق المتضررة من القتال أو الحصار.

أما فيما يتعلق بقضية نقل السلطة إلى حكومة انتقالية، وهو النص المختلف عليه فى بيان جنيف ـ1، فقد قدم النظام إعلان مبادئ لكنه لا يتطرق لمسألة نقل السلطة، ومن ثم رفضته المعارضة التى طرحت رؤيتها استنادا إلى بيان جنيف ـ 1.  فالنظام يرى فى الانتخابات القادمة وسيلة للمنافسة السياسية وفق القواعد والقوانين السورية وفرصة أمام المعارضة السورية للتغيير، وهذا بالطبع مرفوض على نطاق واسع من المعارضة وحلفائها، وغير واقعى فالوضع فى سوريا تجاوز قدرة النظام نفسه على السيطرة وفرض الشرعية حتى لو كانت عبر ما يدعيه صناديق الانتخابات لأن وقع براميله المتفجرة فوق رؤوس المدنيين هى التى تصبغ المشهد وتخضبه، وهى التى تشى بفقدان الدولة السورية لكثير من مقوماتها الطبيعية بما يسمح بالسير قدما فيما يطرحه النظام من أفكار.

هل تغيرت المعطيات فى جنيف ـ2؟

لا شك أن الظروف الدولية ما بين جنيف ـ1 وجنيف ـ 2 تعطى بعض مؤشرات بأن الأوضاع لم تعد كما كانت عندما عقد مؤتمر جنيف ـ1، وربما هذا ما دفع روسيا والولايات المتحدة نحو الاتفاق على جولة جديدة من المفاوضات، لا سيما بعد الاتفاق الروسى الأمريكى حول نزع السلاح الكيماوى فى سوريا، والذى أعطى دلالات على عدم ممانعة الغرب فى وجود فرص للأسد فى سوريا المستقبل، وتأكد ذلك من خلال تصريحات لمسئولين غربيين تعطى نفس الدلالة. وثانيها تطورات الصراع على الأرض وتنامى قوة الفصائل المتطرفة والمخاطر التى قد تترتب على ذلك، وثالثها انعكاسات الصراع على الاستقرار الاقليمى والتكلفة الإنسانية الباهظة لاستمراره.

لكن يبدو أنه رغم هذا الاتفاق بين الطرفين فإن مصالح ووجهات نظر طرفى الصراع فى الداخل والخارج لازالت متضاربة، مما يعنى أن الظروف لم تتهيأ بعد لإنجاز تسوية تنهى الأزمة، فدوليا يتضح هذا من الإصرار على التفسير المتضارب لبيان جنيف ـ1، فروسيا ترى أن تشكيل هيئة حكم انتقالى يتم من خلال اتفاق مشترك بين المعارضة والنظام ومن ثم يجب أن يكون النظام جزء من هذه المرحلة الانتقالية. وذلك عكس الموقف الغربى الذى يرى أن الأسد ليس لديه أى فرصة فى مستقبل سوريا. ولعل موافقة الكونجرس على تقديم دعم عسكرى للمعارضة السورية أثناء انعقاد المؤتمر يدعم هذا الاتجاه. وربما يفسر هذا بأنه نوع من الضغط بحيث يقتنع فى النهاية النظام وحلفائه بأن فرض حل بالقوة شبه مستحيل، وأن مسار تفاوضى وانتقال للسلطة هو السبيل الوحيد للخروج من المأزق وفى الوقت نفسه هو الفرصة الوحيدة للحفاظ على جزء من المصالح لان بقاء الوضع على ما كان عليه مستحيل.

لكن إقليميا فإن الموقف يعكس حجما كبيرا من تناقض المصالح، فسوريا ساحة لمعركة إقليمية كبرى بين إيران ودول الخليج، وازدادت حدة الصراع بعد الاتفاق الايرانى الغربى بشأن الملف النووى؛ لأنه عزز التخوفات من إفساح المجال أمام دور إيرانى فى المنطقة على حساب دور دول الخليج وحلفائها، وقد انعكست هذه الخلافات على المعركة داخل سوريا، بحيث أصبحت أكثر علنية ويضخ فيها كل أنواع الدعم لإضعاف الطرف الآخر، كما عجز المجتمع الدولى فى الضغط على الفاعلين الاقليميين فى سوريا ليكونوا أكثر إيجابية، واتضح هذا فى ردود الفعل على دعوة إيران للمشاركة فى المؤتمر من جانب الأمين العام للأمم المتحدة، والتى سحبها نتيجة شرط ائتلاف المعارضة مشاركته بعد مشاركة إيران وكذلك الموقف السعودى الرافض لمشاركة إيران. لكن إنكار الواقع واستبعاد إيران لم يمنع وجود مسار مواز للمفاوضات العلنية فى جنيف، حيث استضافت برن مفاوضات سرية شاركت فيها إيران.

أما الموقف فى الداخل فهو الأشد وضوحا وتعقيدا فى آن واحد، فالمعارضة لديها موقف حدى جامد يفسر بيان جنيف ـ1 على أنه يعنى مرحلة انتقالية لا دور للأسد فيها، بينما ذهب وفد النظام وخلفه تاريخ مهم وكبير من القدرة على المراوغة والتلاعب بالأوراق وإغراق الخصم فى التفاصيل ومتاهة الوقت اللامحدود، وكذلك يذهب بموقف مناقض لتفسير بيان جنيف ـ1، بل يطرح رؤية لمكافحة الإرهاب وهى الحجة التى بررت بها السلطات السورية قمع المعارضة والتنكيل بها منذ بداية الأزمة مطلع 2011 مما أدى لمقتل ما يقرب من 130 الف سورى ولجوء ملايين السوريين لدول الجوار علاوة على النزوح الجماعى الداخلى من مناطق الصراع المسلح. كما أن النظام السورى لا يعترف بجوهر الأزمة ويصر على التمسك بالسلطة منفردا، ويظهر هذا فى تمسك الرئيس السورى بالسلطة بل واعلانه ترشحه لدورة رئاسية قادمة، دون التفات إلى الانهيار الذى لحق بالدولة السورية ومقوماتها المادية والمعنوية.

وبهذا فإن كلا الطرفين ذهبا إلى المؤتمر لا يجمعها مساحة مشتركة يمكن البناء عليها فكل طرف يرى سورى دون وجود الطرف الأخر. ويعزز موقف كل طرف التوازن العسكرى على الأرض، فالنظام لازال يظهر تماسكا بين مكوناته السياسية والاجتماعية ونواته العسكرية، كما أن فصائل المعارضة رغم أنها تبدو متفرقة ومختلفة فيما بينها حيث تتعدد كياناتها فى الداخل والخارج، فإنها تتفق على رؤية واحدة فيما يتعلق برحيل النظام، ولازالت تتلقى دعما ماديا وإعلاميا وسياسيا وعسكريا من الخارج يكفل لها مواصلة خوض المعارك على الأرض.

ومن ثم يكون جنيف ـ 2 كجولة قد فشلت لكنه كمسار لم يفشل، وربما هذا ما يتضح من الدعوة لجولة أخرى فى نهاية عقد المؤتمر، لكن قبل أن يجلس طرفا النظام إلى جولة جديدة، يتوجب أن تحسم مسألة مشاركة إيران  بصورة أكثر جديدة ولا يجب أن تصر بعض الأطراف على استبعادها رغم أنها طرف أصيل فى الصراع كما أنها ستكون جزء من أى حل، كما أن وجودها يجنب وجود مسارين أحدهما علنى والآخر سرى كما جرى فى الجولة السابقة.

وربما يكون الإصرار على عدم مشاركة إيران مفهوم فى إطار الضغط الدولى والاقليمى للقبول بمرحلة انتقالية فى سوريا دون التمسك بالأسد، لكن فى مراحل قادمة ربما تحسم مسألة المشاركة، ولكنها ستكون جزء من ترتيبات أوسع تشمل علاقة إيران بالغرب وكذلك علاقاتها الإقليمية وذلك فى إطار ترتيبات الأوضاع فى المنطقة فى المستقبل وفقا لتوازنات جديدة.

الأزمة ما بعد جنيف ـ2

لا شك ان جنيف ـ2 مثل نقطة متقدمة على مسار الأزمة السورية تم بها تجاوز حالة الإنكار التام للآخر، فطرفا الصراع جلسا معا، وتناقشا وطرحا رؤيتيهما. لكن فرص عملية تسوية الأزمة ما بعد جنيف 2 شديدة الغموض وتطرح سيناريوهات متعددة منها:

أولا: عودة الأزمة إلى المربع ذاته واتجاه الجهود نحو القوة والعنف كبديل عن التفاوض والبحث عن حل لا سيما فى ظل اختفاء الإرادة فى التسوية لدى الطرفين، وكون الأطراف جميعها يقفون عند المراكز نفسها عندما فشلت مبادرة الجامعة العربية ومن بعدها مبادرة كوفى عنان، وكذلك مبادرة معاذ الخطيب وغيرها من المبادرات التى طرحت لحل الأزمة. فإنه يمكن القول إن الأزمة السورية مرشحة للدخول فى جولة جديدة من العنف والاقتتال الأشد ضراوة دون استبعاد لمزيد من التطييف الداخلى والاقليمى للصراع، ومن ثم توسع دائرته وتأثيره على المنطقة ككل. وربما حينها يمكن أن يكون الوضع محفزا على تسوية للصراع، مع الخشية من أن يكون الحل حينها على حساب الدولة السورية بجغرافيتها ومكوناتها الحالية لحساب توازنات إقليمية ودولية معقدة.

وفيما يخص هذا السيناريو فإن احتمالات قدرة النظام على إخماد الثورة الشعبية والقضاء على المظاهر المسلحة فى البلاد واردة وذلك من خلال عملية بطيئة أو سريعة مستفيدا من تشتت المعارضة وقتالها فيما بينها، وتراجع الغرب والحلفاء الاقليميين عن تقديم دعم قد يصل الى الجماعات المتطرفة فى الوقت نفسه الذى يستمر دعم حلفاء النظام للأسد. كما أن فرص المعارضة فى استعادة الزخم تزاحم هذا السيناريو لكن هذا يتوقف على دعم حلفاء النظام ومغامرتهم بتقديم مزيد من الدعم للمعارضة لا سيما الفصائل الإسلامية المعتدلة منها كالجبهة الاسلامية السورية التى تشكلت نهاية عام 2013.

 ثانيا: أن تكون جولة جنيف ـ2 ضمن جولات قادمة متعددة بحيث تصبح نقطة ارتكاز لمسار يسير بموازاة مسار المواجهة المسلحة على الأرض، ووحينها ستكون التسوية لصالح الكفة الراجحة ميدانيا، وهذا بلا شك يتوقف على القدرة على الصمود والمواجهة وتحقيق مكاسب ميدانية بجانب حجم الدعم الخارجى وتواصله، حيث سوريا ساحة لتصفية حسابات دولية وإقليمية كبرى. وقد يشهد هذا المسار التفاوضى الاضطرار لقبول مشاركة طرف لم يكن مرغوب فيه مثل إيران، أو حدوث مفاجآت غير متوقعة تاتى من جانب أى طرف.

ثالثا: وربما تحمل فرص نجاح فى جولات قادمة، لا سيما أن الأطراف اتفقت على إجتماعات فى المستقبل كما أعلن فى نهاية المؤتمر على لسان الأخضر الإبراهيمى. لكن هذا يحتاج لمرونة وعملية تفكيك للأفكار المسبقة لكل الأطراف، مع وجود إرادة دولية لدى روسيا والولايات المتحدة تسعى لبلورة حل عملى جديد للأزمة، مع ممارسة ضغوط على القوى الإقليمية بما يجعلها تلتقى عند نقطة ما فى سوريا، وكذلك استخدام أدوات ضغط على الأطراف الداخلية للشروع فى مرحلة انتقالية ترسم خطوطها العريضة هذه القوى بما يتيح لكل طرف عدم كسب كل شيئ وكذلك عدم خسارة كل شئ. لكن حل مثل هذا يبدو أنه غير متاح فى المرحلة الراهنة وهو ما ينذر بخطورة شديدة على مستقبل الدولة السورية وحدودها الجغرافية.

النشرة الالكترونية

عاجل

x