إدارة التوحش..والملاذات الآمنة للإرهاب من نظام الأسد إلى إمارة داعش!

بقلم : هاني نسيرة هاني نسيرة
الإثنين هـ - 26 مايو 2014م

استقال الحل السياسي في سوريا مبكرا، ربما قبل استقالة المبعوث الدولي كوفي عنان في 2 أغسطس 2012، أو استقالة الأخضر الإبراهيمي التي تأخرت طويلا في 13 مايو سنة 2014، واستمرت مأساة سوريا، حتى تحولت لملاذات آمنة، ضمنت فيه داعش البقاء وتطالب القاعدة بالبيعة كما ضمن الأسد بها حجته للاستمرار! وصار بقاء الاستبداد الأسدي مرتبطا ببقاء الإرهاب الداعشي والعكس! بينما ترتبط الثورة بآمال السوريين وحدهم في نهاية مأساتم من كليهما..

إن من أهم ما أشار إليه شريط القيادي في داعش أبو محمد العدناني الأخير في 12 مايو سنة  2014 أن التنظيم صار يعتبر نفسه الدولة أو الإمارة إسلامية في العراق والشام، وأنه يوجب بيعة تنظيم القاعدة وسائر الجهاديين له ولقائده أبو بكر البغدادي، كما كان حالهم مع  إمارة طالبان في أفغانستان وأميرها الملا عمر والذي بايعه زعيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن والحالي أيمن الظواهري.

كما  أوجب قيامها عام 1994 الهجرة إليها على الجهاديين من مختلف أنحاء العالم إليها كونها دار الإسلام التي تجب الهجرة إليها، وهو ما فعله الكثيرون من العائدين من أفغانتسان ك الراحل يوسف العييري وناصر الوحيشي والزرقاوي وغيرهم، ممن أنشأوا فروع القاعدة في العالم فيما بعد، وبفضهم تحولت القاعدة قبل خفوتها بعد وفاة المؤسس، وظهور داعش، من تنظيم إلى شبكة! لهذا السبب وغيره نرى أن استمرار المأساة السورية دون حل أو تدخل ينذر بتحول بعض أجزائها في ظل فشل وبقاء الأسد وفظاعاته وتعثر الثورة السورية ساحة جهادية جديدة أكثر جذبا للجهاديين والمقاتلين الأجانب وإعادة تصديرهم من الساحات الجهادية السابقة في أفغانستان والعراق وغيرهما..!

حدث التوحش باستمرار التردد والارتباك الأمريكي والدولي، وتكرار عقبة الفيتو الروسي الصيني لأخذ أي إجراء رادع ضد نظام الأسد الذي  تجاوز الخطوط الحمر، وأفشل عديد المبادرات للحل السياسي حتى استقال الوسطاء الدوليون من مهمة مستحيلة! بدءا من كوفي عنان في أغسطس سنة 2012 إلى الأخضر الإبراهيمي في 13 مايو سنة 2014، وتحولت في عهده سوريا من جمهورية للخوف قبل الثورة إلى منطقة توحش، تمثل ملاذا آمنا لتنظيمات الإرهاب، في هدنة غير معلنة بينه وبينها، حيث يستفيد كل منهما من بقاء الآخر.

 أنتجت فظاعات النظام واستعانته الأولى بميليشيات جهادية مساندة له خطاب وجذب جهاديات مضادة كانت داعش أبرزها،  ولكن لم تحارب داعش الأسد بل حاربت فصائل الثورة، فهي تريد إمارتها لا دولة الثورة، بوينما نجح الأسد في ترويج فزاعة الإرهاب، الذي تلبب بها قبل أن توجد،  نجحت  داعش في المقابل داعش في توفير ملاذات آمنة، ينذر خطرها بموجة إرهابية جديدة، لا تقف عند سوريا وثورتها ودول الجوار، وخاصة لبنان، ولكن قد تلف المنطقة ككل خاصة مع تزايد أعداد الجهاديين والمقاتلين الأجانب بها، وهو موضوع هذه الورقة.

سوريا وإدارة التوحش:

ابتداء للحديث عن المقاتلين الأجانب في سوريا ومقارنتها بالجهاد الأفغاني، لا بد من تذكر استراتيجية إدارة التوحش، التي صدرت في كتاب عام 2007 وكتبها أحد منظري الجهاد العالمي والقاعدة أبو بكر ناجي( محمد خليل الحكايمة قتل سنة 2008) قبل سنوات بعنوان " إدارة التوحش" وآثار جدلا كبيرا حينها، وقد ذكر فيه أن التوحش هو المرحلة القادمة التي ستمر بها الأمة، وتمثل فرصة للتنظيمات الجهادية حسب تعبيره، وقد عرف ناجي منطقة التوحش بقوله " منطقة تخضع لقانون الغاب بصورته البدائية يتعطش أهلها الأخيار منهم بل وعقلاء الأشرار لمن يدير هذا التوحش"..

ليست سوريا، ونزيف مأساتها ما يقرب من أربعة أعوام الآن أكثر من ذلك! فقد غدت سوريا تشبه ليبا القذافي قبل سقوط الأخير ومقتله في 20 أكتوبر سنة 2011، ومع وجود ملاذات آمنة للقاعدة وجماعات الإرهاب في بعض مناطقها، وهو ما كان مبررا لحركة الكرامة التي قادها الجيش في مايو 2014  ولكن بدلا من التدخل الدولي، كما حدث في ليبيا، تأخر الدعم للثورة السورية، وبدلا من الإجماع الإقليمي والدولي ضد القذافي ارتبكت الجامعة العربية والقوى الدولية في تأييدها، مما ينذر بخطر استمرار الصراع وتوالد موجة أكثر عنفا للإرهاب العالمي خاصة مع عودة المقاتلين الأجانب لبلادهم! أو نجاحهم في تكوين ملاذ آمن لهم في بعض مناطقها مع الهدنة القائمة بينهم وبين نظام الأسد!

إن بقاء المأساة السورية دون حل أو تدخل، مع سيطرة تنظيمات ك داعش والنصرة على مناطق شبه آمنة ومحصنة من ضربات النظام الذي يستهدف الثورة فقط، سيمثل ثقة للمقاتلين الأجانب بعد عودتهم، وعامل جذب لهم.  

 

في اجتماع للمفوضية الأوروبية في 25 يناير سنة 2014، جدد الاتحادُ الأوروبي التحذيرَ من المخاطر المباشَرة التي تمثلها عودة آلاف المقاتلين الأجانب إلى بلدانِهم الأصلية في اوروبا والدول الأخرى

ذكرت تقديراته حينها أن ما لا يقل عن 1200 اوروبي سافروا للقتال في سوريا وأن عددهم في ازديادٍ، وقد تدربوا على القتال في بيئة الحرب. وأكدت أنهم سيشكلون خطرا على بلادهم الأصلية عند عودتهم!

بعضُ التقديرات تشير إلى أن عدد المقاتلين الأجانب في صفوفِ المجموعات الجهادية يتجاوزُ عشرةَ آلاف. ويقابلهُم الآلافُ من العراق وايران ولبنانَ للدفاع عن النظام. وكثيرونَ منهم سيكونُون بمثابة القنابل الموقوتة، عندما يعودون إلى بلدانهم في اوروبا والمنطقةِ العربية، وهو ما يؤكد تحول سوريا لساحة جهاد جديدة تفوق في قوتها وخطر العائدين منها ما كان سابقا في أفغانستان والعراق.  

 أوائل مايو 2014 وصل عدد المقاتلين الأمريكيين 400 أمريكي يجاهدون بجوار داعش والنصرة، وتشير تقديرات الاتحاد الأوربي إلى أن عشرين بالمائة منهم يحملون الجنسيات الأوربية، كما جاء في مؤتمر وزراءالداخلية الأوربيين، في بروكسل في 8 مايوا 2014، وهو ما يعني أن تفوق المقاتلين الأجانب في سوريا الآن عن أمثالهم في أفغانستان سابقا، فبعض التقديرات تذهب إلى أن عدد المقاتلين الأجانب الذين سافروا إلى أفغانستان للجهاد في الفترة من 1980 – 1992 يقدر بما يتراوح بين 5 – 20 ألف مجاهد فقط، لم يكن أكثر من ثلاثة آلاف فقط منهم يشاركون في الحرب الدائرة بينما يبلغ البعض بعناصر داعش الآن أكثر من اثنى عشر ألفا.

المقاتلون الأجانب من أفغانستان إلى العراق:

من المهم التذكير بأن عودة المقاتلين الأجانب من مناطق الحرب إلى أوطانهم ليست ظاهرة جديدة، وقد تلقى آلاف الرجال المسلمين التدريب في المعسكرات التي أُقيمت في باكستان بعد الغزو السوفياتي لأفغانستان، بينما تدرب آلاف آخرون في المعسكرات التي أُقيمت في أفغانستان خلال الحقبة التي إمتدت بين الإنسحاب السوفياتي من أفغانستان، وإحتلالها من جانب الولايات المتحدة في عام 2001. ويُقدّر عدد الجهاديين الذين تم تدريبهم بين عاميِّ 1979 و2001 بنحو عشرين ألف رجل، ولكن من شاركوا في العمليات العسكرية خلال تلك الحقبة، لم يتجاوز الثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف مقاتل أجنبي.

وبرز تنظيم القاعدة حينئذ من بين مختلف التنظيمات الجهادية الأخرى وتعود جذور القيادة الحالية لتنظيم القاعدة، بمن فيهم أيمن الظواهري،إلى الحركة الجهادية التي قاتلت في أفغانستان. وظل العديد من الجهاديين الأجانب في أفغانستان حتى قُتل بعضهم وطرد بعضعهم الآخر، على أيدي القوات الأمريكية والقوات الوطنية الأفغانية في عام 2001.

وهاجر عدد من الجهاديين الأجانب إلى المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان لمواصلةا لقتال بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، علماً أن هذا العدد انخفض بشكل دراماتيكي بعد الإحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003 لأن العراق – خلافاً لأفغانستان – يقع في قلب العالم الإسلامي. كما أن الوصول إلى العراق كان أسهل من الوصول إلى أفغانستان. وبسبب هذه العوامل،

حل العراق محل أفغانستان كالوجهة المفضلة لدىالمقاتلين الأجانب وتوجّه آلاف الجهاديين إلى العراق. وكان معظم هؤلاء المقاتلين من الشرق الأوسط لكن كان في صفوفهم أيضاً عدد من الجهاديين الأوروبيين والأمريكيين. وقال الجيش الأمريكي إنه قتل وأسر أكثر من ألف مقاتل أجنبي في العراق في عام 2006 وحده.

وشاركت أيضاً أعداد كبيرة من الجهاديين الأجانب في الحرب الشيشانية الأولى (1994-1996) وفي البوسنة (1992-1995)، لكن هذه الأعداد كانت أقل بكثير من تلك التي قاتلت في أفغانستان أو العراق. وعلى غرار الحالةالأفغانيةإبان الإحتلال السوفياتي، سافر المقاتلون المسلمون إلى الشّيشان والبوسنة للجهاد دفاعاًعن إخوانهم المسلمين، بدلاً من الجهاد من أجل تأسيس (أو إعادة تأسيس) دولة إسلامية كما شهدنا في أعقاب إحتلال أفغانستان والعراق. وقاتلت أيضاً أعدادا أصغر من الجهاديين الأجانب في الصومال وليبيا ومالي وسواها.

ومع أن عشرات الآلاف من الجهاديين شاركوا في هذه النزاعات المختلفة منذ السبعينيات، إلا أن نسبة ضئيلة منهم عادت إلى أوطانها لتنفيذ هجمات إرهابية هناك. ولعل السبب الأهم لهذه الظاهرة هو العقيدة. فمع أن العديد من المسلمين يشعرون بواجب السفر إلى دول مثل سوريا للقتال هناك، إلا أن معظم هؤلاء المسلمين لا يعتنقون الفكر الجهادي. علاوة على ذلك، هناك أيضاً اختلافات أيدولوجية بين الجهاديين. على سبيل المثال، يوجد بين الجهاديين من يعتقدون أن الدين يُجيز السفر إلى دول مثل سوريا أو العراق لنصرة المسلمين المضطهدين أو الذين يتعرضون للاعتداء، في سياق حرب طائفية داخلية؛ لكنه لا يجيز تنفيذ هجمات ضدّ المدنيين خارج مناطق القتال، ولا يتردد مثل هؤلاء المقاتلين في قتل المسلّحين في مناطق القتال لكنّهم يعتقدون أنّ الإسلام يحرّم قتل المدنيين العزّل.

علاوة على ذلك، يقتصر تدريب الجهاديين عموماً على حرب العصابات الذي يشتمل على التدريب على استخدام الأسلحة الخفيفة، مثل البنادق الآلية والمسدسات والقنابل اليدوية، ولكنه لا يشتمل على التدريب على الأسلحة المتطورة وتقنيات الرصد والمراقبة والإتصالات السري، مثلاً، ناهيك عن التدريب على مهارات الأعمال الإرهابية الضخمة، بالرغم من وجود بعض الجهاديين الذين اكتسبوا مثل هذه المهارات.

أين الحل؟ .. مع بقاء الأسد:

يمثّل الوعي أقوى العوامل التي ستساعد في الحد من تأثير التهديد الذي يمثله الجهاديون العائدون من سوريا إلى أوطانهم، وعلى ما يبدو تدرك أجهزة الأمن في العالم بأسره مدى خطورة هذا التهديد وتراقب جميع الجهاديين الناشطين في سوريا، كما تراقب الجهاديين العائدين منها إلى أوطانهم، بكل عناية واهتمام.

وفي بعض الدول، يتم التحقيق مع هؤلاء المقاتلين لدى عودتهم إلى أوطانهم، بينما يخضع الذين يتم إطلاق سراحهم للمراقبة المستمرة. وفي بعض الدول الأخرى، مثل المملكة العربية السعودية والمغرب والأردن – التي أعلنت أن القتال في سوريا عمل غير قانوني- يواجه المقاتلون العائدون من سوريا عقوبةالسجن، أما المملكة المتحدة، فقد بدأت بسحب الجنسية من مواطنيها الذين يسافرون إلى سوريا بهدف القتال هناك.

ولا يقتصر الوعي بالتهديد المحتمل لهؤلاء الجهاديين على الحكومات، بل امتدّ إلى المجتمعات الإسلامية أيضاً، فقد شهدنا العديد من الأُسر التي أخبرت الحكومات عن أبنائها الذين تركوا البيت من دون إذن بغرض القتال مع الجهاديين.

وفي حالات أخرى، أدت بلاغات الأسر إلى إعتقال الشباب قبل أن يغادروا البلاد من أجل السفر إلى سوريا، وإلى إكتشاف وتوقيف الذين يجنّدون المقاتلين. ومن شأن هذا الوعي الإجتماعي أن يعزز الضغط الأيديولوجي المفروض على الجهاديين العائدين إلى أوطانهم، الأمر الذي سيساعد في منعهم من تنفيذ هجمات إرهابية ضدّ الناس الأبرياء في الدول التي يستقرّون فيها.

ولكن ستظل سوريا موطن جذب طالما استمرت فظاعات الأسد، وطالما استمرت طوأفته للثورة أي تحويلها لحرب طائفية تستخدم فيه الميليشيات والشعارات الطائفية، فبقاء الأسد من بقاء داعش والعكس! واستقرار نظامه من استقرار إمارتها.

عاجل

x