الأزمة الأوكرانية والحرب الباردة الجديدة. في فهم الواقع الدولي

بقلم : أحمد محمد أبو زيد أحمد محمد أبو زيد
الثلاثاء هـ - 25 مارس 2014م

هل العالم أمام مرحلة جديدة في النظام الدولي، وهل تشهد العلاقات الدولية تغييراً جوهرياً بسبب الأزمة الاوكرانية، التي تسببت باجماع الاراء في عودة اجواء الحرب الباردة بين القوي الكبري في النظام الدولي (الولايات المتحدة، روسيا، والقوي الاوروبية) بعد اقل من عقدين ونصف من نهاية نظام القطبين وانهيار الاتحاد السوفيتي وبزوغ النظام الدولي الجديد عقب حرب الخليج الثانية.

 

يقول المتشائمون بأن جولة الصراع الدولي التي تجددت حول أوكرانيا تعتبر " أخطر أزمة تواجهها أوروبا منذ نهاية الحرب الباردة " علي حد قول الامين العام لحلف الناتو اندرس فوج راسموسن، وبأن روسيا تحاول " أعادة تشكيل الحدود في العالم " كما صرحت وزيرة الخارجية الامريكية السابقة هيلاري كلينتون، وهي التصريحات التي اعلن مثلها كلا من وزراء خارجية المانيا وفرنسا وبريطانيا. وهو ما ينذر بنشوب صراعاً دولياً كبيراً في منطقة أوراسيا بين روسيا من جانب والغرب من جانب أخر إذا استمرت روسيا في انتهاج سلوكياتها العدوانية تجاه جيرانها. بينما يقول المتفائلون بأن الازمة الراهنة لا تتعدي كونها أزمة عادية بين القوي الكبري لا تستحق كل هذا الاهتمام والمبالغة في تهويل تداعياتها وعواقبها علي الامن والاستقرار الدولي والاقليمي في أوروبا، وذلك لان اوكرانيا لا تمثل مصلحة حيوية بالنسبة للغرب أو للولايات المتحدة، وإن كانت كذلك بالنسبة لروسيا، وهو ما سيجعل القوي الغربية (والامريكية تحديداً) أكثر ميلا للقبول بحلول دبلوماسية وسلمية لهـذه الازمة، بصورة تحول دون تصعيدها لحافة الهاوية أو الصراع بينها وبين روسيا.

 

بين هاتين الرؤيتين يغلي العالم بمئات التوقعات والاحتمالات عما يمكن أن تسفر عليه هذه الازمة علي مستقبل الامن والاستقرار العالمي والاقليمي (ليس فقط في أوراسيا ولكن في مناطق اخري مثل البلطيق والبلقان والشرق الاوسط والشرق الاقصي وغيرها) إلا ان الاكيد أن هناك تطوراً وتغيراً كبيراً حدث في منظومة السياسات الدولية وتوازن القوي علي مستواه العالمي. ولعل من اهم هـذه التطورات هو عودة سياسات القوي الواقعية لتصدر المشهد الدولي مرة أخري بعد عقود من الانزواء والتجاهل من قبل الكثير من المراقبين والمهتمين بالشؤون الدولية، وثانيها هو طغيان اهمية الصراعات الجيوبولتيكية علي الصراعات الجيواقتصادية في تحديد مصير مستقبل التوازن الدولي والعلاقات بين القوي الدولية الكبري في النظام الدولي.

في هـذه الورقة سنحاول استشراف مستقبل العلاقات الدولية بين القوي الكبري في النظام الدولي بناء علي التطورات التي شهدتها الساحة الدولية خلال الاسابيع الثمانية الاخيرة بسبب الأزمة الاوكرانية، التي شدت انتباه العالم بعيداً عن أزمات وصراعات دولية واقليمية أخري، مثل الازمة لسورية، الازمة الايرانية، وأزمة كوريا الشمالية، وأزمات الربيع العربي وغيرها من الصراعات التي تشهدها الساحة الدولية منـذ بداية العقد الثاني من هذا القرن، بناء علي تقديم رؤية الاطراف الرئيسية الثلاثة في الأزمة (روسيا، أمريكا، وأوروبا) وكيف ينظرون لها ولتبعاتها وتأثيرها علي مستقبل التوازن الدولي، وربما علي النظام الدولي عموماً في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين.

 

بوتين والحرب الباردة الجديدة  

 إن عدم وجود بوتين في موقع صانع القرار في روسيا وقت الازمة كان سيساهم بشكل ما في عدم تصعيد أزمة شرعية سياسية داخل أوكرانيا الي أزمة دولية تهدد باشعال حرب دولية. حيث ساهمت طريقة أدراك ورؤية بوتين للصراع في منطقة أوراسيا وللعلاقات الروسية الامريكية (والغربية عموماً) منذ توليه الحكم في العام 2000 في تأزيم الاوضاع وتصعيد حدة الازمات لحافة الهاوية في الكثير من الحالات، كونه يعتبر هذه المنطقة جزء لا يتجزأ من الآمن القومي والمصالح الوطنية الروسية المركزية التي لا يمكن التهاون معها.

 

في سبيله للحفاظ وصيانة هذه المصالح الروسية يسلك الرئيس بوتين سياسة ثلاثية الابعاد. الأولي تتمثل في محاولة أقامة اتحاد سوفيتي جديد، تحت مسمي " الاتحاد الاوراسي " وهو عبارة عن محاولة لاقامة نوعاً من التكامل الاقليمي في منطقة اوراسيا بقيادة روسيا الاتحادية، وبعضوية مجموعة من الجمهوريات السوفيتية السابقة (مثل بيلاروسيا وكازاخستان) في مواجهة الاتحاد الاوروبي، وهي نفس الاستراتيجية التي انتهجها الغرب ضد الاتحاد السوفيتي خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وطوال الحرب الباردة. البعد الثاني هو مواجهة المساعي الاوروبية لتطويق واحتواء روسيا، وذلك عن طريق اللجوء للتدخل العسكري الصريح في بعض الدول التي يحاول الغرب استقطابها وضمها للتحالف الغربي بصورة تساهم في الاخلال بالتوازن بين روسيا والغرب، وهو ما حدث حتي الان في جورجيا واوكرانيا. البعد الثالث هو التوازن ضد الغرب وأمريكا خارج منطقة أوراسيا مثل الشرق الاوسط ووسط اسيا والشرق الاقصي، في محاولة لزعزعة السيطرة الغربية علي النظام الدولي وتخفيف قبضتها وتحكمها في ادارة الشؤون الدولية، اي تحويل النظام الدولي إلي نظام متعدد الاقطاب والمراكز. 

 

اذا استمر بوتين في التصرف علي هذا النحو مع اوروبا والولايات المتحدة، وخصوصاً في البعد المتعلق بالتدخل العسكري في شؤون الدول الآخري والبعد المتعلق باعاقة والتقييد علي التحرك الغربي والامريكي عبر العالم، فإن ذلك الامر ينبأ باحتمال خروج الامور عن نطاق السيطرة في المستقبل التي قد تبدأ في النظر لتصرفات روسيا وبوتين كسلوك توسعي وعدائي غير مبرر، وليس فقط للدفاع عن المصالح الروسية التي يمكن الاتفاق أو الاختلاف عليها. 

 

أما بخصوص الأزمة الأوكرانية الحالية، فمخطئ من يعتقد أن هذه الازمة بين الغرب والولايات المتحدة وروسيا وليدة العام ٢٠١٣، إن هذه الازمة في رأينا ترجع لبداية القرن الحالي، وتحديداً عقب وصول جورج بوش الابن للحكم في واشنطون في العام ٢٠٠٠، وقتها كان بوتين أيضا حديث العهد بالرئاسة في روسيا (أيضا سنة ٢٠٠٠) وكانت لديه وقتها استراتيجية ورؤية مختلفة للتعامل مع الغرب ومع الولايات المتحدة. حيث كان بوتين وقتها يتبني رؤية تعاونية بناءة في التعامل مع الغرب، وهو ما بدء واضحاً في التقارب الشديد مع امريكا عقب وقوع احداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ والحرب علي الارهاب. إلا ان السلوك الاحادي والعدواني من جانب إدارة بوش الجمهورية، وسعيها لتطويق روسيا واضعافها، سواء بتبني ادارة بوش لدعاوي ضم كلاً من جورجيا واوكرانيا لحلف الاطلسي، والانسحاب الاحادي الجانب من بعض الاتفاقيات الاستراتيجية التي وقعت بين البلدين (مثل معاهدة ستارت وغيرها) ومن جانب أخر تجاهل روسيا في العديد من الازمات والصراعات في العالم (مثل حرب العراق ٢٠٠٣) وغيرها من السلوكيات التي اضرت جداً بالمصالح الروسية واظهرت بوتين بمظهر الضعيف، والتعامل مع روسيا باعتبارها دولة منهزمة لا حول ولا قوة لها علي الساحة الدولية. وهو الامر الذي يبدو ان بوتين لم ينساه أو يغفره للولايات المتحدة.

 

عقب حرب احتلال العراق (٢٠٠٣) بدأ واضحاً أن روسيا في سبيلها للتعامل باسلوب مخالف مع الولايات المتحدة بعدما ظهر أن الولايات المتحدة مازالت مصرة علي التعامل بمنطق أنها المنتصر في الحرب الباردة وروسيا هي المهزوم (بتعبير السفير الامريكي السابق في روسيا جون ماتلوك Matlock) بدأ بوتين في التشدد في التعامل مع أمريكا، وهو ما بدء جلياً في تعامل روسيا في ازمات مثل البرنامج النووي الايراني، الحرب في الشيشان، توسع الناتو، الازمة الاقتصادية العالمية، الصراع في جورجيا، الازمة الليبية والسورية، وصولاً الي الازمة الاوكرانية الاخيرة.

 

كان واضحاً جداً ان السلوك الذي انتهجه بوتين تجاه مساعي جورجيا للانضمام للغرب والقيام باستفزاز روسيا، بانتهاج بعض السلوكيات العدائية في بعض القضايا الثنائية المشتركة بينهما، بتحريض ورضا غير مباشر من الادارة الامريكية الجمهورية وقتها، وهو الامر الذي دفع بوتين للتدخل العسكري المباشر في جورجيا وانتزاع اقليمي ابخازيا وأوسيتيا الجنوبية بالقوة المسلحة، غير مبالي بالاعتراضات الدولية والغربية التي نددت باقدامه علي هذه الخطوة. حيث استغل بوتين انشغال أمريكا واوروبا بالتعامل مع الازمة الاقتصادية التي كانت قد بدأت في ضرب الاقتصاديات الغربية بشدة منذ النصف الثاني من العام 2008. وهو بهذه الخطوة الجريئة يكون قد نجح في وقف مساعي أمريكا واوروبا الداعية لاقتلاع جورجيا من محيطها الجيوبولتيكي وضمها للناتو أو لعضوية الاتحاد الاوروبي، وهو الامر الذي يمثل تهديداً جوهرياً لمنظومة الامن القومي الروسي، واخلالاً كبيراً بتوازن القوي القائم في المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة.

 

ولأن جورجيا لا تمثل مصلحة جوهرية للغرب أو للولايات المتحدة، ولا يمثل سقوطها في ايدي الروس تهديداً جوهرياً علي مصالحها أو علي أمنها القومي، فقد تم التسامح مع ما قامت به روسيا من احتلال لاقليم ابخازيا وفرض سياسات الأمر الواقع علي الأرض. وهو ما اعتبر وقتها انتصاراً لروسيا علي حساب الغرب. 

 

أما بالنسبة لحالة أوكرانيا، ومنذ اندلاع الثورة البرتقالية في 2004 (ومثلها في جورجيا وقرغيزيا)  فقد اعتبرتها روسيا منذ البداية محاولة أمريكية لتغيير النظم الموالية والصديقة لروسيا في منطقة أوراسيا والبلقان وشرق اوروبا عموماً، حيث كانت ادارة الرئيس بوش الابن (ومن قبلها أدارة كلينتون) قد تبنت استراتيجيات " نشر الديمقراطية " و " تغيير النظم " منذ نهاية الحرب الباردة في محاولة لنشر النموذج الديمقراطية الليبرالية حول العالم. وتحددت استراتيجية روسيا للتعامل مع هذه الانتفاضات الشعبية علي هذا الاساس. حيث عارض بوتين تولي السلطة في هذه الدول (خصوصاً اوكرانيا) نخباً موالية للغرب ومعادية لروسيا. فعلي الرغم أن جزء كبير من الثورة البرتقالية كان مدفوعاً بسبب المظالم الاجتماعية بالاساس، وبالكراهية من التبعية لروسيا، الا ان الاخيرة كانت في نجحت في تمكين أحد الموالين لها وهو فيكتور يانوكوفيتش (الرئيس الاوكراني الهارب حاليا في روسيا) من الفوز باول انتخابات تجري بعد الثورة علي خصمه الديمقراطي الموالي للغرب فيكتور يوشينكو بفارق صغير. وحتي بعد انجاح الغرب في اعادة الانتخابات واسقاط حليف روسيا، نجحت روسيا في اعادة للحكم في العام 2010.  

 

ظلت روسيا المتحكم الحقيقي في أوكرانيا، وعلي الرغم من تأييد الغالبية من الشعب الاوكراني للانضمام للاتحاد الاوروبي، إلا ان بوتين نجح بفضل ضغوطه السياسية علي الرئيس يانوكوفيتش، والوعود بتعويض ومساعدة أوكرانيا عن المعونات والمنح الهزيلة، وحتي عرضت روسيا علي اوكرانيا الانضمام في اتحاد جمركي معها تعويضا لها عن عرض الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي. إلا ان المشكلة كانت بالاساس من الداخل، فالغالبية من الشعب تريد الانضمام للغرب والابتعاد عن السيطرة الروسية. وقد كان من المقرر أن يتم استفتاء نهائي علي الانضمام للاتحاد الاوروبي في شهر نوفمبر الماضي. وهو الاستفتاء الذي تم الغائه واعلان حكومة يانوكوفيتش الانسحاب من التوقيع علي اتفاقية التعاون ومنطقة التجارة الحرة مع الاتحاد الاوروبي بعد حوالي ثمانية عشر شهراً من الدعاية والتعبئة، تحت زيادة وطأة الضغوط الروسية. وهو الأمر الذي ساهم الي حد كبير في الانتفاضة الجماهيرية التي خرجت بعد الاعلان عن عدم التوقيع بيومين فقط.

 

أدرك بوتين مبكراً أن هذه الانتفاضة سوف يستغلها الغرب مرة أخري مثلما حدث في العام 2004 لاعادة فتح مسألة انضمام أوكرانيا للغرب وتولي السلطة حكومات معادية لروسيا وموالية للغرب. وهو ما جعله يعلن من اليوم الاول أن ما حدث هو انقلاب علي الشرعية، ويعلن استعداده للدفاع عن الشرعية القانونية والدفاع عن المواطنين ذوي الاصول الروسية (علي الرغم من عدم وقوع احداث عنف ضدهم أو ضد غيرهم). حيث قام بوتين باتخاذ العديد من الخطوات الوقائية Preventive والاستباقية Preemative لمنع علي الغرب استغلال الأزمة السياسة الداخلية في أوكرانيا لفرض اوضاع جديدة علي روسيا، من شأنها الاضرار بمصالحها وأمنها القومي.  

 

قيام بوتين باحتلال شبه جزيرة القرم تعتبر خطوة مماثلة تماماً لما قام به في جورجيا في العام 2008، يريد من وراءها الابقاء علي اوكرانيا كدولة عازلة محايدة، علي حد قول مساعد وزير الخارجية الامريكي الاسبق بي جي كروللي (Crowley) خارج سيطرة الاوروبيين والامريكيين لانه يدرك أن محاولات ضم اوكرانيا لعضوية الاتحاد الاوروبي (ولعضوية الناتو الكاملة بالتبعية) سيكون ذلك ضرراً كبيراً وخلل في توازن القوي الهش بينه وبين الغرب، وبالتالي ستكون روسيا هي الخاسرة، كونها ـ اي اوكرانيا ـ تعتبر واحدة من المصالح الوطنية الجوهرية وقضية أمن قومي لروسيا التي لا يمكنها التسامح معها. وهو الآمر الذي عبر عنه الرئيس بوتين في المناقشات الخاصة التي جرت بينه وبين الرئيس الامريكي السابق جورج بوش الابن في قمة دول الثمانية 2008. حيث نقلت احدي تسريبات ويكيليكس أن بوتين قال لبوتين بالنص "عليك أن تفهم يا جورج أن اوكرانيا ليست دولة، فجزء من اقاليمها يقع في أوربا الشرقية، والجزء الاكبر منها ملك لنا " وهو نفس الكلام الذي ردده بوتين منذ أيام في البرلمان الروسي، عقب التوقيع علي اتفاقية ضم القرم للاتحاد الروسي. حيث أعلن بوتين أن " شبه جزيرة القرم كانت أبداً جزء لا يتجزأ من روسيا " وانه تم منحها لاوكرانيا في العام 1954 في اجراء غير دستوري من قبل الرئيس السوفيتي خرتشوف.

 

مثلما كان الغرض من احتلال وضم اقليم ابخازيا الجورجي في العام 2008 للسيطرة الروسية، كذلك هو الغرض الذي من أجله احتل بوتين أقليم القرم وضمه فعلياً لروسيا (كما تذكر المواد رقم 1 و 2 من الاتفاقية التي تم توقيعها يوم ١٨ مارس الماضي بين روسيا والحكومة القرمية الجديدة). وهو اجبار الغرب علي ايقاف مساعيه الداعية للتوسع في الشرق وتطويق روسيا واحتوائها بمجموعة من الدول الموالية للغرب والمعادية لروسيا، وهي استراتيجية تشابه تماماً ما حاول الغرب فعله تجاه الاتحاد السوفيتي طوال الحرب الباردة. وانتهي الأمر بتفكيك الاخير لخمسة عشر جمهورية، أغلبها الان في حالة من التمزق بين المطرقة الغربية والسندان الروسي.

 

في رأينا، فإن المشكلة في التعاطي الروسي مع هذه الازمة هي في شخص الرئيس بوتين بالاساس. فعلي الرغم من أن بوتين لديه أكثر من بديل سياسي واقتصادي (وحتي اجتماعي) للتعامل مع هذه الازمة وادراتها والانتصار بها ايضا، بل ويلحق الهزيمة بالاوروبيين تماماً، كان يقوم بمنع أو وقف امدادات الغاز الطبيعي الذي يغذي نظام التدفئة الاوروبي بالكامل (ثلث احتياجات اوروبا من الغاز مصدره روسيا) او الامتناع عن اقراض اوكرانيا التسعة مليارات التي وعدها بها (ولم يسلم سوي ٣ مليارات فقط). ولكن لانه خريج مدارس الحرب الباردة، فإن طريقة قراءته وفهمه للسياسة الدولية (الواقعية الهجومية تحديداً) جعلته يتصرف بعدوانية وهجومية (وإن كان بعقلانية بلا شك) تجاه الاخرين، وتفضيله الحصول علي اهدافه بالطرق الاكراهية، سواء في الداخل او بالخارج.

 

إن الرئيس بوتين، وبمنطق الواقعية السياسية التي تعطي الاولولية (بالتالي الحق) للدفاع عن منظومة المصالح الوطنية للدولة وعلي رأسها الأمن والاستقرار بكل ما تمتلكه من وسائل وادوات القوة القومية المتاحة، في سبيله لحماية ظهر روسيا من توسع الاتحاد الاوروبي، مازال يؤمن بالحل العسكري لمواجهة هذا التوسع ومحاولات الضم، لأنه يدرك خطر الاحتواء الاوروربي/الامريكي لروسيا عن طريق تطويقها (منذ العام 2009 وقعت اوكرانيا اطار تعاون مع منظمة الناتو وهو ما يجعلها تعامل معاملة الدول الاعضاء في الحلف). الا ان تسلطية بوتين تقنعه بأن اوروبا لا تستطيع التحرك عسكريا او أن تتورط في مواجهة مباشرة ضد روسيا، بما يجعله يتحرك بسهولة وأكثر حرية. وبالتالي فالمشكلة هنا ليست في أوروبا بقدر ما هي في الولايات المتحدة، التي لا تريد هي الاخري فتح جبهة جديدة مع روسيا أو في منطقة اوراسيا (استعادة اجواء الحرب الباردة) وتريد التركيز أكثر علي منطقة الشرق الاقصي والباسيفك. وبالتالي فإن روسيا بوتين تتحرك في هذه الازمة بمنطق من سيتراجع اولاً Chicken Game هل ستتراجع اوروبا (وامريكا حليفتها) عن مساعيها بضم اوكرانيا لعضوية الاتحاد الاوربي والناتو، وبالتالي استكمال مخطط تقويض روسيا بحزام من الدول الصغيرة الموالية للغرب، ام سيتراجع بوتين ويقبل بالامر الواقع، وبالتالي تعريض المصالح والأمن الروسي للتهديد من قبل الغرب والدول الحليفة له علي حدودها الغربية.

 

أوروبا: الانكشاف الدائم أمام روسيا    

علي الرغم من مرور ما يقارب من خمسة وعشرون عاماً علي نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي، العدو الرئيسي لدول أوروبا الغربية طوال مرحلة العقود الستة اللاحقة للحرب العالمية الثانية (1945ـ 1990) إلا أن نظرة أوروبا لوريثة الاتحاد السوفيتي (روسيا الاتحادية) لم تتغير كثيراً عن نظرتها لسلفها. حيث مازلت اوروبا تخشي من عدوانية روسيا وتسلط نظامها السياسي، وهو الآمر الذي يفسر إصرار دول الاتحاد الاوروبي علي استمرار وجود منظمة شمال الاطلسي (الناتو) بل وتوسيع عضويتها شرقاً لتضم عدداً من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق (مثل لاتفيا وليتوانيا واستونيا) في محاولة لابقاء روسيا خلف حدودها وردعها عن التعرض للجمهوريات الأوروبية الديمقراطية السلمية. وذلك اعتماداً علي المظلة الدفاعية الضخمة التي توفرها الولايات المتحدة لحلفائها الاوروبيين المقربين.

 

الاعتماد الاوروبي الكامل علي المظلة الدفاعية الامريكية، الي جانب إلي انها حافظت علي حالة السلام داخل القارة التي عرف عنها انغماسها في حروب وصراعات بينية مميتة طوال القرون الخمسة الماضية، جعل دول اوروبا الغربية تركز جلها اهتماماتها الوطنية علي الجوانب الاقتصادية والتنموية والاجتماعية (دول الرفاهة والرعاية) والنأي قدر الامكان عن الاهتمام بالجوانب العسكرية والامنية والانغماس في الصراعات المسلحة. حيث ظلت أوروبا بعيدة عن التورط في صراعات مسلحة داخل القارة طوال خمسة عقود من نهاية الحرب العالمية، وكان اول اختبار حقيقي للقوة المسلحة للاتحاد الاوروبي هو الحرب في البلقان (حرب يوغسلافيا) في أوائل تسعينات القرن الماضي، وهو الاختبار الذي اظهر جلياً ضعف القوة العسكرية لدول أوروبا (بما فيها فرنسا والمانيا). وارتكانها الكامل علي القوات الامريكية.  وبدء جلياً أن أوروبا باتت فقط عملاقاً دولياً اقتصادياً وتكنولوجياً، لكنها ليست سوي قوي دولية عسكرية من الدرجة الثانية وربما حتي من الدرجة الثالثة.

 

بسبب هذه الطبيعة السلمية Pacifist للقوة الاوروبية وقفت الدول الاوروبية شبة عاجزة عن التصدي للعدوانية والنزاعات الهجومية والتوسعية لروسيا طوال العقدين الماضيين. حيث لم تستطيع أوروبا التصدي لشهية روسيا التوسعية في 2008 وفي الازمة الراهنة في أوكرانيا وغيرهما. ولم يخرج السلوك الاوروبي عن التنديد بانتهاك القانون والاعراف الدولية، أو اللجوء لسلاح المقاطعة والعقوبات الاقتصادية علي روسيا، وحتي هذه الاجراءات اثبتت فشلها وعدم فاعليتها في التأثير علي روسيا، كون أوروبا في حاجة لروسيا (خصوصاً في مجال امدادات الطاقة) أكثر من حاجة روسيا لأوروبا.

 

ساهمت الازمة المالية الطاحنة التي ضربت الاقتصاد العالمي (وخصوصاً أمريكا واوروبا) منذ العام 2008 في زيادة حالة الانكشاف الاوروبي، ليس فقط في مواجهة روسيا، ولكن في مواجهة القوي الدولية الاخري في النظام الدولي مثل الصين وغيرها. حيث كانت التداعيات والاثار الكارثية للأزمة المالية العالمية في أوروبا أكبر منها في أي منطقة اقتصادية أخري في العالم. وكان لها الي جانب الاثار الاقتصادية المباشرة أثار وتداعيات سياسية وامنية فادحة، حيث انتشرت اجواء من عدم الاستقرار والاضطراب في عدد من الدول الاوروبية (اليونان وايطاليا واسبانيا وحتي فرنسا) بصورة جعلت اوروبا تواجه أكبر تحدي اقتصادي يهدد وحدتها السياسية للمرة الأولي، حيث مازلت الحلول المقدمة عاجزة عن اخراج دول أوروبا المتأزمة من حالة التعثر الاقتصادي حتي الان. الي جانب هذه الاوضاع المتردية جاءت الازمة الاوكرانية لتزيد من ورطة وانكشاف القوة الاوروبية (هذه المرة سياسياً ودبلوماسياً وعسكريا بالتأكيد).

 

حيث وقف 28 دولة أوروبية عاجزة عن منع قوات بوتين من دخول أوكرانيا واقليم القرم فيما بعد، واحتلاله وضم بسياسات الامر الواقع لسيطرة روسيا. واقصي ما أمكن لأوروبا القيام به هو اصدار بيان تندد به بما اقدمت عليه روسيا من تحدي للقانون الدولي وانتهاج سياسات عدوانية غير مقبولة أو مرحب بها تجاه جيرانها. والقيام بالاعلان عن فرض حزمة من العقوبات الاقتصادية علي بعض الشخصيات السياسية الروسية، وهي العقوبات التي يري أغلب المحللين والمراقبين انها لن تؤثر أو تجبر روسيا علي التراجع أو القبول بالجلوس والاستماع للشروط الاوروبية. حيث تزيد حاجة أوروبا لروسيا (وللاموال الروسية) عن حاجة الاخيرة لها. فالاستثمارات الاوروبية المباشرة في روسيا تزيد عن 170 مليار دولار، بينما الصادرات الاوروبية لروسيا لا تزيد عن 100 مليار دولار سنوياً.  وهو ما يعني ان السياسات الاوروبية تجاه هذا الصراع ستكون مجرد " هواء ساخن " وستضطر أوروبا للقبول بالحلول الروسية المقترحة لهذا الصراع، وهي هنا التوقف عن مساعي ضم أوكرانيا لعضوية الاتحاد الاوروبي، والتوقف علي التحريض علي روسيا ونشر مشاعر معاداة وكراهية روسيا داخل المجتمع الاوكراني. وإلا فإن روسيا لن تتردد في تصعيد الأزمة الاوكرانية لحافة الهاوية التي قد تجبر أوروبا علي التدخل العسكري لضمان وحدة أوكرانيا ومنع روسيا من ابتلاعها كاملة، وهي المسألة التي لن تسمح الاوضاع الاقتصادية والسياسية والعسكرية في أوروبا علي المضي فيها قدماً للنهاية. 

 

مثل هذا السلوك الاوروبي سيجعل الازمة الاوكرانية مجالاً مباشراً للتنافس والمواجهة بين روسيا والولايات المتحدة الامريكية، تماماً كما كان عليه الحال طوال الحرب الباردة.

الولايات المتحدة وروسيا: تعايش حذر

جلب التعاطي الامريكي الهين والمتساهل مع الازمة الاوكرانية الشك في قدراتها علي ادارة مشاكل وازمات العالم، بل وذهب الكثيرين للتوقع والتنبؤ بأن القوة الامريكية في العالم في حالة من التراجع المتزايد تجاه القوة الروسية الصاعدة بقوة منذ بداية سنوات العقد الثاني من القرن الجديد. ففي مقابل التهور والاقدام الروسي علي تحدي القانون الدولي والقوي الاوروبية، لم يكن رد الفعل الامريكي سوء التنديد بالسلوك الروسي، واعلان الكونجرس مجموعة من العقوبات الاقتصادية علي بعض المقربين للرئيس بوتين، والميل للاقرار بالوضع الراهن في اقليم القرم وفي طريقة ادارة روسيا للازمة الاوكرانية في العموم. مثل هذا السلوك (اللين في نظر الكثيرين) جعل الكثير من المراقبين والمحللين يقولون بأن ادارة الرئيس أوباما فشلت فشلاً ذريعاً في ادارة الازمة وفي ردع عدوانية بوتين، وهو السلوك الذي يهدد ليس فقط مصالح ومكانة امريكا الدولية، ولكن الاستقرار العالمي بشكل واسع في المستقبل، خصوصاً في مناطق واقاليم مثل اوراسيا والبلطيق والشرق الاوسط.

 

لان الحرب دائماً ما تجد طريقها، ومن ناحية أخري لان المخاوف من اندلاع الحروب تكون دائما دافعاً للخوف والتهويل من الاحداث، والميل لتبني مقولات مبالغ فيها للغاية. ولعل المثال الجلي لذلك هو الازمة الراهنة في اوكرانيا. إن المعارضين والرافضين للسلوك الامريكي تجاه الازمة يبالغون جداً في مخاوفهم وتوقعاتهم المتشائمة بخصوص تداعيات وعواقب الأزمة الحالية بين روسيا وامريكا. لكن للاسف هذه الدعاوي والمقولات غير مبنية علي وقائع حقيقية أو علي قراءة واقعية للاوضاع ولحقائق القوة والمصالح الامريكية في هذه المنطقة من العالم. وهو ما يجعل من هذه المقولات غير واقعية، وليست سوي مخاوف مبالغ فيها، جزء منها واقع تحت تأثير معاداة وكارهية روسيا، والجزء الاخر منها بسبب التضخيم في مكانة أوكرانيا في منظومة المصالح الامريكية في منطقة اوراسيا أو في أوروبا تحديداً، وهو ما يحتاج في رأينا لبعض التوضيح.

 

كأي قوي دولية كبري، تتحدد السياسة الخارجية الامريكية في العالم بناء علي عدد من المحددات الرئيسية، مثل مصالحها القومية الجوهرية، أمنها القومي وتوازن القوي بينها وبين خصومها، حسابات العوائد والتكلفة .... وغيرها من المحددات الواقعية. حيث تقول الاطروحات الواقعية بأن سلوك الدول يتحدد ويتشكل بالاساس بناء علي مدي تعرض هذه المحددات (المصالح/الأهداف) للخطر أو للتهديد. وحتي نوعية السلوك ودرجته تتوقف علي تحديد ما هي المصالح المعرضة للخطر. بمعني أن درجة تدخل أو انغماس احدي القوي في احد الصراعات او الازمات الدولية او الخارجية تتوقف علي نوعية مصالحها أو أمنها القومي للخطر. وهو الامر الذي يجعل من السياسة الخارجية عملية شديدة التعقيد والعقلانية، وليست عملية عاطفية أو عملية تقودها مشاعر الحب أو الكراهية. وطبقاً لهذا المنطق فإن سياسات وتعامل الأدارة الامريكية مع الازمة الاوكرانية الراهنة يعتبر سياسة ناجحة من المنظور الواقعي، وليس تراجعية أو انهزامية، كما يجادل معارضي الرئيس الامريكي (داخل الولايات المتحدة وخارجها).

 

إن الذين هاجموا الرئيس أوباما بسبب تصريحه عقب قيام بوتين بغزو القرم واعلانه رسمياً ضمها للسيطرة الروسية بأن الولايات المتحدة " لن تقوم بالتدخل العسكري في أوكرانيا " وإنما ستعتمد استراتيجية مختلفة قوامها " حشد الموارد الدبلوماسية كي نشكل تحالفاً دولياً صلباً لتوجيه رسالة واضحة لروسيا ". ورأوا في مثل هذه التصريحات دليلاً حياً علي التراجع الامريكي والتخاذل أمام روسيا، بصورة قد تشجعه علي الاقدام علي خطوات أكثر عدوانية وانتهاكاً لسيادة واستقلال دولاً أخري في المنطقة، وربما حتي الاقدام علي احتلال شرق أوكرانيا واخضاعها للسيادة الروسية، وهو السلوك الذي شبه البعض بنفس الاسلوب الذي اقدم عليه ادولف هتلر قبيل الحرب العالمية الثانية (1938) عندما اقدم علي غزو تشيكوسولفكيا، ثم ضمه بولندا عندما لم تردعه القوي الاوروبية وقتئـذ، أو حتي تقليد بوتين لما اقدم عليه الاتحاد السوفيتي في العام (1968) عندما قام باحتلال تشيكوسلوفاكيا لاخماد الثورة هناك. وأيضا الترويج لفكرة أن التراجع الامريكي في أزمة أوكرانيا سيكون له تداعياته الكارثية علي أوضاع الولايات المتحدة (وحلفائها بالتأكيد) في مناطق أخري من العالم، مثل الشرق الاوسط. وهو الآمر الذي سيكون له اثاره الكارثية علي مصالح وأمن ومكانة أمريكا عبر العالم، وهي الدعاوي التي لا يمكننا الموافقة علي القول بصحتها الكلية.

 

طبقاً للبروفيسور ستيفن والت (استاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد) لا تعتبر أوكرانيا أو تدخل ضمن مجموعة المصالح الوطنية الجوهرية الامريكية (Essential Interests) ولا تمثل تهديداً بأي شكل من الاشكال للامن القومي الامريكي، واخيراً وليس اخراً، فلا توجد لامريكا مصالح كبري مع اوكرانيا، التي لا تعتبر حليفاً رئيسياً لها في هذه المنطقة من العالم (مقارنة ببولندا) فأمريكا لديها علاقات ممتازة مع عدد من جيران أوكرانيا، الذين لديهم مكانة أهم من أوكرانيا، ويمتلكون من القدرات والامكانيات ما يمكن ان يساعد أمريكا علي تحقيق مصالحها في هذه المنطقة وتعزيز أمن واستقرار هذه المنطقة من العالم. وهو ما يجعل من أوكرانيا تاتي في مرتبة تالية لحلفائها في هذه المنطقة من العالم. وبالتالي، وطبقاً لهذا المنطق، فإن القول وحث أمريكا علي الدخول في مواجهة وتصعيد علاقاتها مع روسيا لحافة الصراع بسبب (أو من أجل) أوكرانيا لا يعتبر الخيار الصحيح أو المفضل للادارة الامريكية الراهنة (أو حتي القادمة) تماماً كما كانت جورجيا بالنسبة لادارة الرئيس جورج بوش الابن، الذي لم تتصرف بصورة تختلف جذرياً أو شكلياً عن السلوك الذي اتخذته ادارة الرئيس أوباما. فهذا هو المنطق الوحيد المقبول لادارة أزمة مثل هذه  الازمة (وغيرها بالطبع في مناطق أخري من العالم).

 

الخلاصة، مادامت المصالح الامريكية (الجوهرية) والامن القومي الامريكي في مأمن أو محصن من التهديد، فإن الولايات المتحدة، ببساطة، لا تبالي بالقدر الكافي، أو كما يتمني البعض أن تهتم.  إن السجل التاريخي للسلوك الخارجي الامريكي طوال النصف الثاني من القرن العشرين يوضح لنا أن الولايات المتحدة لم تتدخل في الكثير من الازمات الدولية ما لم يكن هناك تهديداً أو خطراً يواجه مصالحها القومية الجوهرية أو لامنها القومي، الذي تحدده الاستراتيجية الوطنية للامن القومي التي تصدر عن البيت الابيض كل أربعة سنوات.

 

مسارات متوقعة

سنحاول الان التطرق للمآلات والسيناريوهات المتوقعة لادارة هذه الازمة بين القوي الدولية الثلاثة الرئيسية المعنية بها، وتأثير ذلك علي مستقبل العلاقات الدولية فيما بينهم وعلي الامن والاستقرار العالمي خلال العقود القادمة. 

بخصوص روسيا:  لعل الخطاب التاريخي الذي القاه الرئيس الروسي بوتين أمام الجلسة المشتركة لمجلس النواب والمجلس الاتحادي في موسكو يوضح لنا بجلاء الاستراتيجية الجديدة التي تعتزم روسيا انتهاجها في المستقبل. حيث اعلن بوتين بكل صراحة "علينا أن نقرر ما اذا كنا مستعدين للدفاع عن مصالحنا الوطنية، او اننا سنفرط بها الى الأبد؟" وهو ما يعني أن روسيا لن تتسامح في المستقبل مع اي خطوات او مساعي اوروبية أو غربية للتوسع أو ضم أي من الجمهوريات السوفيتية السابقة للتحالف الغربي، أي أن مسألة ضم دولاً مثل أوكرانيا أو جورجيا أو غيرهما لن تسمح بها روسيا، وسوف يتم التعامل معها بنفس الصورة التي تعاملت بها في عامي 2008 و 2014.

 

من ناحية أخري، فإن الرئيس بوتين يبدو أن يعرف الحد بين أين ينتهي التصرف بشجاعة وبين التصرف بتهور في منطقة أوراسيا أو البلطيق. فهو وعي تماماً أن بولندا مثلاً ليست أوكرانيا. حيث بدأت الولايات المتحدة في وقت مبكر من الأزمة في ارسال مزيداً من قواتها ومعداتها العسكرية للقاعدة العسكرية التابعة للناتو في وارسو، وهي رسالة غير مباشرة لروسيا بأنه غير مسموح أو مقبول لروسيا الاقتراب من بولندا أكثر من اللازم، والابقاء علي أوكرانيا كدولة عازلة بين المعسكرين، حيث تقف حدوده هنا، لتبدأ حدود الغرب والولايات المتحدة، التي أوضحت بجلاء انه لن يتم السماح بالتعامل مع بولندا بمثل هذا المنطق الذي تم التعامل به مع أوكرانيا وجورجيا، وهو ما يمثل في رأينا اتفاقاً ضمنياً علي الأوضاع التي سيتم الاتفاق علي ارساها في ترسيم مناطق النفوذ لكلاً الطرفين، تماماً كما كان الحال طوال الحرب الباردة.

 

بخصوص أمريكا: علي العكس مما يعتقد الكثيرين، فإن مكانة الولايات المتحدة ونفوذها الحقيقي لم يتضرر كثيراً حتي الان. فالمصالح الامريكية العليا لم تتضرر، والامن الامريكي (أو أمن حلفائها) غير مهدد بصورة خطيرة. والاتهام الذي يوجهه البعض للادارة الامريكية بتعاملها اللين والضعيف تجاه بوتين ليس صحيحياً. فالولايات المتحدة ككقوي دولية عظمي لديها من الالتزامات والواجبات ما يوجب عليها التحرك بتأني وبصبر استراتيجي شديد (علي حد قول وزيرة الخارجية الامريكية السابقة كوندليزا رايس) وأن تنظر للصورة الكاملة وعلي المدي البعيد، وليس علي المدي القصير وعلي المكاسب الوقتية.

 

إن الولايات المتحدة تعلم جيداً أين تقع مصالحها القومية الجوهرية، التي تستحق وحدها المخاطرة بالتورط في صراعات مع بقية القوي الدولية في اي منطقة من العالم، مثل حالات دول أوروبا الغربية ودولاً مثل بولندا في منطقة أوراسيا، السعودية في منطقة الشرق الأوسط، اليابان في الشرق الاقصي، ودول أمريكا الشمالية والجنوبية (وهذا مبدأ سائد منذ القرن التاسع عشر) وعليه، ومادامت أوكرانيا (أو غيرها) لا تمثل مصلحة عليا لامريكا فإنها لا تستدعي الاهتمام بها بالدرجة التي قد توصل لحالة الصراع مع قوي نووية مثل روسيا من جانب، وتحميل الولايات المتحدة ودافعي الضراذب الامريكية فاتورة حرب غير ضرورية، في ظل الاوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. 

 

بخصوص أوروبا:  من بين التحولات التي اظهرتها الازمة الاوكرانية هي مدي انكشاف وضعف النفوذ الدولي لدول الاتحاد الأوروبي في التأثير علي التطورات الجارية في العالم. حيث بدا واضحاً للجميع أن أوروبا لم تعد كما كانت من قبل قوي دولية (سياسياً أو عسكرياً) كبري، حيث عجزت القوي الاوروبية التقليدية (فرنسا، المانيا، ايطاليا، بريطانيا) عن الوقوف في وجه روسيا، ومنعه من غزو واحتلال القرم، أو حتي اجباره علي قبول التصور الاوروبي لحل الأزمة. وهو ما سيجعل من مستقبل الامن والاستقرار في القارة العجوز مهددة بصورة شبه مستمرة بسبب العدوانية الروسية، التي تواجهها ضعف أوروبي جلي.

 

كذلك أكدت الازمة الاوكرانية وكشفت مدي الاعتماد الاوروبي علي المظلة الدفاعية الامريكية. حيث تعهدت الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بتوفير الامن والاستقرار والدفاع عن دول اوروبا عن طريق منظمة حلف شمال الاطلنطي، وهو الامر الذي ما يزال السبب الرئيسي وراء استمرار حالة السلام بين القوي الاوروبية من جانب، ويمثل رادعاً قوياً  أمام روسيا. حيث بدا واضحاً الان أن الولايات المتحدة لن تقبل، كما دائبت طوال الحرب الباردة، باعتداء روسي علي دول أوروبا الغربية، أو علي اي دولة من دول الاتحاد الاوروبي وحلف الناتو.

 

من ناحية أخري، علي اوروبا تخفيف حدة خوفها من روسيا، فروسيا في نهاية الامر ما زالت في حاجة لأوروبا، كحاجة أوروبا لها. فروسيا بحاجة الي الاستثمارات الغربية، ورجال الاعمال الروس يعملون بدأب علي الربط بين موسكو وعواصم المال في اوروبا خصوصاً برلين وباريس ولندن، التي تمثل هي الاخري ملاذاً آمنا للأموال الروسية التي يتم تهريبها للبنوك في الغرب، وثالثاً، فإن روسيا علي الرغم من انها تقوم بابتزاز أوروبا ببسبب الطاقة (وتحديداً الغاز) إلا انها مازالت في حاجة ماسة للاسواق الاوروبية لتصدير الغاز الذي يمثل جزءاً كبيراً من عوائدها القومية. أخيراً، فإن أوروبا علي التخفيف من الاعتماد علي الغاز الروسي، حيث ستساهم طفرة اكتشافات النفط والغاز في أميركا الشمالية ستضعف قدرات موسكو الإنتاجية، علي حد قول كوندليزا رايس، وهذا من شأنه الترخيص بمد أنبوب الغاز " كيستون إكي إل " ودعم صادرات الغاز الأميركية، أن يبعث بالرسالة المناسبة لبوتين بقدرة أوروبا على تنويع مصادر الطاقة ومد أنابيب لنقل الغاز لا تمر عبر روسيا وهو ما سيقلل من مصادر القوة التي تساعد روسيا علي الاستمرار في التنمر علي دول أوروبا الغربية.

 

باختصار، إن الازمة الاوكرانية أزمة خطيرة بكل المقاييس، لكن تصويرها للعالم علي انها ارماجدون أو نهاية العالم ليس صحيحاً. فيجب علي الجميع التحلي بالصبر واعادة قراءة المشهد من منظور مختلف، بعيداً عن مشاعر الخوف أو الكراهية، ولكن علي اسس واقعية قائمة بالاساس علي الحقائق القائمة علي ارض الواقع، وهي الحقائق القائلة بأن أوكرانيا تمثل مصلحة روسية عليا لا يمكن لروسيا التعامل معها بطريقة تسمح للغرب بانتزاعها وضمها للتحالف الغربي، وهي الخطوة التي تري فيها روسيا تهديداً جوهرياً لمصالحها ولأمنها القومي. بينما علي الجانب الآخر، يجب النظر للسلوك الامريكي للأزمة من نفس المنطق. فأوكرانيا ليست مصلحة أمريكية عليا، ولا تستحق التدخل والتورط في صراع مع روسيا، ولكن ما تريد أمريكا التأكيد علي عدم حدوثه هو السماح لبوتين بالتمادي في سلوكه العدواني والتوسع الي ما وراء أوكرانيا، أو تهديد مزيداً من الدول الأخري بصورة تهدد الامن والاستقرار الاقليمي. وهو أمر سيدفعها للتدخل لو تأثرت مصالحها وأمنها، ساعتها قد تكون كل التوقعات المتشائمة حول مستقبل التوازن والاستقرار الدولي محل حدوث، وقتها سيكون العالم فعلاً في خطر، ولكن حتي وقوع هذه التوقعات، يمكن للجميع أن يطمئن،  فسيظل الوضع الدولي كما هو عليه الحال الأن، صراعاً من أجل القوة والنفوذ بين القوي الدولية.

النشرة الالكترونية

عاجل

x