الساعة النووية الايرانية تواصل الدق!..اتفاق جنيف ودروس بيونغ يانغ

بقلم : عبد العظيم محمود حنفي عبد العظيم محمود حنفي
الإثنين هـ - 25 نوفمبر 2013م

توصلت مجموعة الدول الكبرى، وإيران، أو وما يسمي بمجموعة 5+1 لاتفاق في جنيف مع إيران حول برنامجها النووي، وهذا الاتفاق، بعيدا عن وصف نتنياهو له بأنه خطأ تاريخي عشية الاتفاق في 24 نوفمبر، أو ما تم تسريبه من كونه مليئا بثغرات التفسير، فبينما يؤكد الرئيس الإيراني حسن روحاني أنه يعطي إيران الحق في التخصيب على أراضيها، وهو ما رحب به كذلك آية الله خامنئي في نفس اليوم، نجد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري يؤكد أن الاتفاق لا يعطي إيران حق التخصيب.

وهكذا ومع أسباب أخرى يعرضها هذا التحليل تظل الساعة الإيرانية تدق. 

 

الاتفاق مرغوب ولكن:

لا أحد ينكر ان التوصل لاتفاق، جيد، هو هدف مرغوب فيه بشدة، إذا كان بالإمكان منع إيران من صنع أسلحة نووية، أو الاقتراب بشدة من صنع هذه الأسلحة، من دون عمل عسكري، فإن هذا سيكون أكثر النتائج المرغوبة. للسلام في منطقة الشرق الأسط وكذلك لسلام الشعب الإيراني، يستحق فرصة للعودة إلى الازدهار، لذا فان تقليل التوترات الدولية سيعود بالنفع على الجميع، ولكنه ليس القضية الوحيدة التي تضمن سلام إيران مع منطقتها، حيث يمثل الملف النووي مسارا خاصا، ولا علاقة له بملفات أخرى كالدور الإيراني في سوريا أو لبنان أو غيرها، كما صرح مقرب من لبنان يوم 25 نوفمبر الحالي[1].

إن كان التوصل لاتفاق شامل وكامل ليس الهدف النهائي، ولكنه يمتلك هدفا محددا، هو وقف وتفكيك تقدم إيران نحو تصنيع السلاح النووي. ولن يحقق هذا الاتفاق هذا الهدف المطلوب بشكل مطمئن أو مقبول، لعدد من الأسباب نوجزها فيما يلي:

أولا: غياب التخلص الكامل واحتمالات السرية:

 أتاح الاتفاق لإيران التصرف في اليورانيوم المخصب، دون لتخلص لإيران فحسب، دون  ذكر على اشتراك الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والاتفاق اوقف عمل نصف أجهزة الطرد المركزي في منشأة ناطنز (وسط)، و75% من هذه الأجهزة في منشأة فردو (جنوب طهران)، وتكتفي إيران باستبدال أجهزة الطرد المركزي التي يطرأ عليها عطل وتتجنب إنتاج أجهزة أخرى، وتتجنب إنشاء منشآت جديدة لتخصيب اليورانيوم، ومعنى  استبدال اجهزة الطرد (انتاجها ) وهو ما يتناقض مع (انتاج) اجهزة جديدة ثم لم يذكر الاتفاق امكانية ان تكون هناك منشات سرية ( وهو الغالب) وما حدث في السابق، دون أن تحدد موقفا أو رد فعل في هذه الحالة.

ثانيا: أراك والماء الثقيل:

 كان المتوقع تفكيك وغلق مفاعل آراك، لكن الاتفاق ترك مفاعل آراك، جنوب شرق طهران، الذي يعمل بالماء الثقيل وهو من الممكن أن ينتج البلوتونيوم الكافي لصنع عدة قنابل نووية عندما يبدأ تشغيله، الاتفاق يسمح لإيران بوقف النشاط في تلك المنشاة، خاصة إنتاج الوقود للمنشأة وإنتاج الماء الثقيل وهذا يعنى الاستمرار-ضمنا - في بناء مصنع آراك للبلوتونيوم طالما أن طهران وافقت على الامتناع عن تشغيله خلال الستة أشهر التي يغطيها الاتفاق المؤقت.

وواقع الامر ان هذا الاتفاق يتم وقد تخطت ايران الاصعب في رحلتها للحصول على السلاح النووي فالثابت ان ايران نجحت في ثلاث خطوات في هذا المجال , فهي تمتلك ما يكفي من اليورانيوم الخام ،ونجحت فى تحويله الى يورانيوم هيكسوفلورايد ،والاهم من ذلك كله ،انها نجحت فى تخصيب اليورانيوم ليصل الى الدرجة الرابعة من النقاوة .حيث ان تخصيب اليورانيوم هو التحدى التكنولوجى الاساسى .

ثالثا: المعلومات الجديدة لوكالة الطاقة الذرية: إن البرنامج النووي الإيراني، تم العمل به بصورة سرية، ولم يكتشف الا عبر المعارضة الإيرانية، وقد يقتضى انتاج صواريخ باليستية طويلة المدى لحمل اسلحة نووية؟ ونشير إلى ما كشفه أحدث تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية في 14 نوفمبر سنة 2013 قبل أيام من اجتماع جنيف، والذي جاء في الصفحة العاشرة من التقرير البالغ عدد صفحاته ثلاث عشرة صفحة، "منذ عام 2002، أصبحت «الوكالة» أكثر قلقاً بشأن وجود منظمات مرتبطة بالأسلحة النووية غير معلن عنها في إيران، بما في ذلك الأنشطة المرتبطة بتطوير حمولة متفجرات لصاروخ"، كما تلقت «الوكالة» معلومات تشير إلى أن إيران نفذت أنشطة "ذات صلة بتطوير جهاز انفجاري نووي"، وقد اعتبر التقرير أن هذه المعلومات "موثوقة"، وذكر أنه منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2011 حصلت «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» على معلومات إضافية "تعزز" تحليلها.وبالإضافة إلى ذلك، يذكر التقرير أن إيران "رفضت مخاوف «الوكالة»" و "تراها قائمة على مزاعم لا أساس لها من الصحة".

رابعا: الموقف الأمريكي وتخفيض العقوبات: كادت العقوبات تخنق النظام الإيراني، منتصف تسعينيات القرن العشرين، وفرضت هذا النظام بقوة ــ على سبيل المثال، فقد فرضت عقوبات على بنك اتس اس بي سي في العام الماضي بلغت قيمتها 1.9 مليار دولار، ووضع الكيانات التي تساعد إيران في التهرب من القيود المالية على قائمة سوداء، وأضحت هذه العقوبات من خلال المشاركة المتنامية من قِبَل طائفة واسعة من البلدان.

وأدت تلك العقوبات الى نتائج جيدة فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي الإيراني بنسبة 1.9% من مارس/آذار 2012 إلى مارس 2013، ويتوقع صندوق النقد الدولي انخفاضاً إضافياً بنسبة 1.3% هذا العام، كما انهارت العملة الإيرانية، حيث هبطت قيمة الريال غير الرسمية من نحو 13 ألف الريال في مقابل الدولار الأميركي في سبتمبر/أيلول 2011 إلى نحو 30 ألف ريال في مقابل الدولار. وليس من المستغرب أن يرتفع التضخم إلى عنان السماء، حيث بلغ المعدل وفقاً لإعلان البنك المركزي في إيران رسمياً نحو 39% عن 12 شهراً انتهت في أغسطس/آب.

خامسا: استنزاف التمدد الإيراني في المنطقة:

 بالإضافة الى انه نتيجة التدخل المعيب والفاضح من قبل النظام الايراني في الشئون الداخلية العربية فقد استنزف النظام الكثير من أمواله، وكان من شأن اضافة المزيد من العقوبات الرادعة- لا تخفيضها- كما حدث على النظام الإيراني خضوعه الشامل والكامل وقبوله بتفكيك برنامجه النووي، وتوقف ايران عن التدخل السافر في الشئون الداخلية العربية.

سادسا: إهمال دروس التجربة الكورية الشمالية:

في عام 1994، ونتيجة العقوبات الموجعة على النظام الكوري الشمالي، بين بيونغ يانغ وادارة الرئيس كلينتون. ونص الاتفاق المعروف باتفاق جنيف الموقع في 21 أكتوبر من العام 1994 على تعليق البرنامج النووي الكوري الشمالي، مقابل حصول الأخيرة على مفاعلات تعمل بالماء الخفيف، وأصرت فيه الاتفاقية على تعليق البرنامج النووي لكوريا الشمالية، مقابل تطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة: خلال ثلاثة أشهر من توقيع الاتفاقية، وتسهيل الأنشطة التجارية والاستثمارية، بما في ذلك تلك التي تتعلق بالاتصالات وتحويل الأموال.

بالإضافة لذلك على كان على كلا الطرفين فتح مكتب اتصالات في عاصمة الطرف الأخر، وإعادة تأسيس مكتبي التبادل كسفارات اعتمادا على تحقيق تقدم فيما يتعلق بالاتفاق، مع نزع الأسلحة النووية والسلام في شبه الجزيرة الكورية، يجب ألا تستخدم الولايات المتحدة التهديد بالقوة النووية ضد كوريا الشمالية، كما على كوريا الشمالية وضع إجراءات لتحقيق نزع الأسلحة النووية من شبه الجزيرة الكورية.

ولكن ما حدث كان شيئا آخر، فقد ظهر بأن كوريا الشمالية تقوم بتطوير برنامج للأسلحة النووية تستخدم فيه تخصيب اليورانيوم بشكل سري. وفي النهاية تم بناء محطة جديدة تدعى مرفق اغطسطس وان المكان مخبأ داخل غابة ومربوط بسكة حديد جديدة تمر عبر المرافق الاخرى وهي تعالج اليورانيوم لاستخدامه في مرافق أخرى، وقامت كوريا بتجربة نووية ثالثة هذا العام 2013، ولو كانت الولايات المتحدة استمرت في فرض العقوبات وتشديدها لكان امام كوريا اما الانهيار او الاستسلام ولكن تراخى واشنطن ادى الى كوريا النووية، ووفق الخبرة فلن ينفك الايرانيون عن التخصيب السري الذي برعوا فيه مهما كانت جهود الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتفتيش اليومي كما ذكر اتفاق جنيف الأخير.

سابعا تفكيك البرنامج النووي أم تفكيك العقوبات:

يقول الامريكيون ان الاتفاق خطوة اولى لمدة ستة شهور، والواقع ان تلك الفترة سيتم فيها واقعيا وفعليا بدلا من "تفكيك" البرنامج النووي، "تفكيك" نظام العقوبات والدليل ان الشركات الغربية تنهال في زيارات الى طهران لعقد الصفقات وقام وزير الخارجية الياباني بزيارتها خلال شهر نوفمبر الحالي،  

ولا شك أن العديد من الدول ستجد فرصة أكبر في التعاون الاقتصادي الإيراني، مثل الصين التى طورت علاقاتها مع إيران في عام 2009، وبلغ حجم التجارة الثنائية بينهما 21.2 مليار دولار. وتعمل أكثر من 100 شركة حكومية صينية في إيران، ويقدر أنه في الفترة بين 2005 و2010، وقّعت المؤسسات الصينية عقود مع قطاع النفط والغاز (الهيدروكربون) الإيراني تصل قيمتها إلى 120 مليار دولار. وفي عام 2008، وقّعت "الشركة الوطنية الصينية للبترول" و"شركة النفط الوطنية الإيرانية" صفقة قيمتها 1.76 مليار دولار لتطوير حقل نفط "أزاديجان الشمالي"، وفي آذار/مارس 2009، وقّعت الصين على صفقة بمبلغ 3.2 مليار دولار لتطوير حقل "بارس الجنوبي للغاز" [الطبيعي]. وفي حزيران/يونيو 2009، أبرمت "الشركة الوطنية الصينية للبترول" صفقة مع "شركة النفط الوطنية الإيرانية" قيمتها 5 مليار دولار للمساعدة في تطوير المرحلة الحادية عشرة من الحقل.

وفي آب/أغسطس 2009، وافقت الصين على صفقة قيمتها 3 مليارات دولار لتوسيع معامل التكرير في "عبدان والخليج العربي" التابعة لإيران، وفي أيلول/سبتمبر 2009، وقّعت "الشركة الصينية للبترول والكيماويات" ("ساينوبيك") و"الشركة الوطنية الصينية للبترول" عقدا بقيمة 4 مليار دولار لزيادة إنتاج النفط في حقول النفط الإيرانية.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2009، وافقت "ساينوبيك" على زيادة هذا التمويل ليصل إلى 6.5 مليار دولار، وفي نيسان/أبريل 2010 -- في الوقت الذي كانت فيه العقوبات الأمريكية الأحادية الجانب على واردات البنزين الإيرانية وشيكة الحدوث -- قامت "الشركة الوطنية الصينية للبترول" بتصدير 600,000 برميل من البنزين إلى إيران قيمتها 110 مليون دولار، بينما وافقت "يونيبيك" -- الشركة التجارية لـ "ساينوبيك"-- على شحن ما يقرب من 250,000 برميل إلى إيران عن طريق طرف ثالث في سنغافورة، وهكذا من المنتظر ان تنكسر العزلة الدولية الخانقة على طهران، عد ان تراخت قبضة العقوبات و من الصعب ان تستطيع الولايات المتحدة  ارجاعها.

ثامنا غياب الشفافية الأمريكية:

 ماذا عن المباحثات السرية بين واشنطن وطهران، حيث  قال مسؤول امريكي كبير يوم 24 نوفمبر، إن الولايات المتحدة أجرت بعض المحادثات المباشرة مع النظراء الايرانيين التي لم يعلن عنها في حينها خلال الاشهر القليلة الماضية في اطار الجهود الرامية الي التوصل لاتفاق نووي، وماذا تم فيها من صفقات غير معلنة؟ ويقال ان الاتفاق المؤقت سيكون نفسه الاتفاق الدائم بتحويل الشهور الى سنوات قليلة.

واخيرا ان ذلك الاتفاق الذي خان نضالات الايرانيين وتوقهم الى الحرية لم ينص بكلمة واحدة عن التدخلات الإيرانية في دول المنطقة، أو موقفها من دول الخليج العربي، المحتلة لبعض أراضيه في الجزر الإماراتية الثلاث، فضلا حقوق الشعب الايراني نفسه، والاقليات التي تفقتقد المواطنة والحقوق الأساسية فيه.

إن ذلك الاتفاق خفف العقوبات ومهد لتطبيع العلاقات وأعطى مساحات أكبر لشرعية النظام الثوري للجمهورية الإيرانية الإسلامية ضد المعارضة الإيرانية، كما أطلق يد هذا النظام في أدواره الخارجية المريبة في المنطقة وفي مقدمتها سوريا ولبنان والعراق، وسائر دول الشرق الأوسط، ولعل اتضاح اختلاف التفسيرات له في تصريحات عدد من المسئولين بعد يوم واحد من توقيعه يجعل النتيجة الوحيدة الواضحة والمحسوم بها هي تأجيل وتعطيل ايران نووية ولكن ليس تفكيك البرنامج النووي الإيراني، أو تطمين دول الجوار لها.

المصادر

 

[1] انظر جريدة الرأي الكويتية على الرابط التالي: الرابط

النشرة الالكترونية

عاجل

x