الصراعات الطائفية في بؤر الصراع العربي.. مساراتها وسيناريوهاتها

بقلم : نوح فسيفس نوح فسيفس
الأربعاء هـ - 05 نوفمبر 2014م

لم تكن الساحة العربية تنتظر تأطيرات المستشرق اليهودي برنارد لويس لكي تشتعل بالصراعات الطائفية؛ فاليقظة الطائفية سمة أصيلة ومتجذرة في حضارات الشعوب والمجتمعات، وحضور تلك اليقظة لا يحتاج سوى شرارة لإشعالها،  والقضية الطائفية تنبعث بين فترة وأخرى، متجاوزة السكوت المحيط بها، ومتخطية الركود الحاصل فيها، عندما تتأزم المسارات السياسية، وتحتقن المشكلات في عنق الزجاجة، وهي في واقع الحال؛ جاثمة في نفوس الأفراد وتشكل حيزا من ثقافات المجتمعات في أغلب البدان شرقا وغربا ولا تترك أمامها بابا مغلقا، لذا يكون انبعاثها مدويا وربما كارثيا، ما من شأنه تهديد كيانات الدول ووحدة أراضيها ومستقبل أبنائها، من هنا تأتي ضرورة الدولة كفاعل مهم في قطع الطريق أمام مثيرات هذه اليقظة التي تمثل بذرة الصراعات الطائفية في المجتمعات، ذلك أن تلك الصراعات تعد أشد ضراوة وفتكا من الحروب الخارجية مع دول مجاورة مثلا، وقد قالوا قديما أن حروب الطائفية أكثر حصدا للأرواح مما سواها من الحروب، والتجارب التاريخية تحتشد بالصراعات الإثنية والطائفية وتعتبرها الأسوأ في تاريخ البشرية، لأنها لا تنتهي بالسهولة التي بدأت بها، كما لا تحقق انتصارا لأي من أطرافها، بل تعود بالخسارة على الجميع.

هل يذكر أحدكم حرب الثلاثين عاما التي مزقت أوروبا بين عامي 1618 و1648م؛ وقد راح ضحيتها قرابة ثمانية ملايين أو يزيد من البشر، ناهيك عن الدمار الهائل في القرى والمدن والتهجير واللجوء؛ حتى أطلق عليها "مأساة أوروبا"، وقد اندلعت الحرب في البداية كصراع ديني بين الكاثوليك والبروتستانت وانتهت كصراع سياسي من أجل السيطرة على الدول الأخرى.

واليوم يستعيد التاريخ نفسه من جديد؛ وفي المشرق العربي هذه المرة، ويكأن الرياح اللواقح قد هبت بنسمات النزعة الطائفية من الغرب إلى بلاد المشرق، لتستعيد معها مشاهد الظلمة الطائفية المتطرفة، وتدخل فيها الأجيال في مستنقع خطير فتهدد حاضرهم وتقضي على مستقبلهم، بل وتضع مستقبل المنطقة كلها في رهان المجهول.

 

مسارات التأسيس للطائفية في المنطقة العربية

الطائفية جاءت الى المنطقة العربية، مع الغزو الامريكي للعراق في العام 2003، وبالتحديد منذ ان أنشأ الجنرال الامريكي بول بريمر حاكم العراق العسكري في حينها، مجلسا للحكم جرى توزيع المقاعد فيه على أسس طائفية وعرقية بامتياز، الأمر الذي انعكس بشكل واضح على مجمل العملية السياسية في العراق التي انبثقت من رحم الاحتلال، وأوصلت نوري المالكي ذو الخلفية الشيعية والمدعوم إيرانياً إلى رئاسة الوزراء، والذي عمل طوال ولايته على تعزيز الطائفية لصالح الشيعة على حساب السُنّة العراقيين، وما أن غادر الأمريكيون العراق حتى باتت ساحة للشحن الطائفي والاستقطاب الثنائي بين كبرى فِرق الدين الإسلامي "السنة والشيعة"، تلك كانت الوصفة الأمريكية في المنطقة العربية لتكريس أزماتها الداخلية وإغراقها في حروب ذاتية باردة تعصف بمقدراتها وتنتهي فيها آمالها وطموحاتها.

والغريب في هذا الأمر؛ أن تلك الوصفة الأمريكية لتدمير الساحة العربية عبر قناة الاحتقان الطائفي، هي نفسها الوصفة التي استخدمت في لبنان خلال القرن الماضي والتي أدخلت لبنان في أتون حرب طائفية مهلكة دامت خمسة عشر عاما، وكادت أن تُنهي وجود هذا البلد من الخارطة العربية، وفقا لخطة قامت بالتأسيس لها قوى الاستعمار في قلب الأمة العربية وعبر أوهن الأوتار لدى الشعوب؛ ألا وهو وتر النزعة الطائفية وصراعات الدين والمذهب.

وتماما هو الحال في واقعنا الحالي؛ تشهد المنطقة العربية موجة من الشحن الطائفي والمذهبي يترجم من خلال المواقف والتصريحات والنشاطات والأحداث الأمنية التي تجري في بعض الدول العربية.

فمن العراق إلى سوريا إلى لبنان إلى اليمن وكذلك البحرين وغيرها، تعلو وتيرة هذا الشحن متخذا حالة من التوترات الأمنية في بعض الأحيان من خلال مواجهات مسلحة أو تفجيرات أو عمليات قمع وصلت حدها إلى تصفيات جسدية يومية، وفقا لإرادة خفية لأطراف عدة تستهدف الوقيعة بالمنطقة وجرها نحو الهاوية.

يرتبط هذا الشحن الطائفي بالسياسة الأميركية التي اعتادت بحسب تجارب الماضي وشواهد التاريخ اللعب على هذا الوتر الحساس لإضعاف القوى أو الدول التي تعارض سياساتها، ويظهر جليا هذا الدور للإدارة الأمريكية في تشجيع حالة الانقسام الطائفي والمذهبي في هذه الدول، وما برز أخيرا من مساندة حالة العداء بين العرب وإيران والعمل على إذكائه وترسيخه.

لقد عملت القوى الاستعمارية على تأسيس نظرية "التحريض الطائفي" والدفع نحو إشعال الصراع الطائفي بين أبناء الوطن الواحد، مع أن هذه القوى الاستعمارية ليست طائفية في حد ذاتها وتدعو إلى تعزيز العلمانية وقصور الدين على مستوى الأشخاص، إلا أن سياسة "فرق تسد" الاستعمارية القديمة الجديدة، تجعل من القناة الطائفية الأكثر نجاعة في تمرير تلك السياسة.  

فبعد حرب الخليج ونهاية الحرب الباردة أراد الصهاينة استغلال اللحظة المناسبة من أجل صياغة المنطقة على مقاسهم، وتحدث شمعون بيريز عن شرق أوسط جديد تقوده تل أبيب بدل القاهرة. شرق أوسط مدجج بالتنمية والرفاه. هذا في الظاهر، أما في الباطن فهو شرق أوسط مفكك على أسس عرقية وطائفية ومذهبية يشتبك الجميع فيه مع بعضهم البعض بينما يتصالحون جميعاً، وربما يتحالفون أيضاً مع الدولة العبرية (1).

 

في حديث لمجلة "الفيغارو ماغازين" الفرنسية قبل أيام قال الكاتب اليهودي المعروف جورج شتاينر : "إن خلاص اليهود في إسرائيل هو في الحرب بين السنة والشيعة" (2)، ما يعبر عن تورط المخابرات الإسرائيلية في تأجيج تلك الحملة المسعورة التي تستهدف المنطقة العربية طائفياً ومذهبياً.

فى هذه اللحظة لا توجد قضية أخطر من قضية تأجيج الانقسامات والصراعات المذهبية الطائفية عبر أرض العرب كلها ودون استثناء. فى هذه الأجواء المجنونة لا يمكن الحديث عن وحدة وطنية أو سلم أهلى، ولا عن تضامن على مستوى الأمة، بل ولا حتى عن أى نوع من التنمية السياسية والاقتصادية، إذ سيصعب إحراز تقدُّم معقول نحو حل أية مشكلة بدون تعرية جسد الطائفية ومن ثم إطفاء حريقها (3).

ودون تأويل لم يعد خافيا أن المشهد الطائفي بات هو الغالب في الساحة العربية هذه الأيام تبعا لما يجري في بعض البلاد العربية كالأزمة السورية التي دقت طبول الحرب الطائفية وتداعت لها دول أخرى في المنطقة، وليس ثمة من شكوك في أن ربيعا من نوع جديد قادم إلى المنطقة لا محالة، تكون فيه الطائفية هي الوقود لحرب طويلة مستعرة ستشغل المنطقة ردحاً من الزمان عما يخطط لها بالليل والنهار.

 

الأزمة السورية .. مصير الطائفة يهدد الدولة

لا تزال الثورة السورية مستمرة، واكتسبت مع الوقت طبيعتان، طبيعة حراك سياسي سلمي متمثلة بالشعب السوري الأعزل، وطبيعة عنفية متمثلة بالجيش السوري الحر؛ الذي نشأ كردة فعل على القمع الوحشي الذي انتهجه نظام الاسد بمواجهة الحركة الشعبية، بالإضافة إلى فصائل المعارضة المسلحة وكذلك التنظيمات الإسلامية المتشددة والتي دخلت على خط المواجهة مع تصاعد حدة المواجهات المفتوحة، مثل : جبهة النصرة وحركة أحرار الشام وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وقد أدت كل هذه التدخلات إلى تصاعد وتيرة الأوضاع العسكرية في الأراضي السورية عموما، بل وتجاوزت الحدود السورية إلى بلاد مجاورة وفي خطوط التماس معها كالعراق ولبنان وتركيا.

ما يجري اليوم في سوريا من أحداث دامية تفجرت بسبب اندلاع الثورة الشعبية لإسقاط النظام الحاكم في سوريا، تلك الأحداث جابت الأراضي السورية شرقا وغربا، لم تكن سوى ثورة شعبية قادها الشعب السوري بنفسه من أجل الحرية والكرامة ورفع الظلم الجاثم على صدور السوريين طيلة عقود مضت والذي يمثله نظام آل الأسد العلوي، ولكن لم تأتي سوى أيام حتى أعلنها بشار الأسد مؤامرة على سوريا تستهدف تدمير البلاد والقضاء على الممانعة في المنطقة، وقد حذر الأسد حينها من انزلاق البلاد إلى حرب طائفية وأهلية تحرق الأخضر واليابس، ذلك الخطاب التي وجهه الأسد إلى الشعب السوري كانت تخرج كلماته مصطبغة بالنبرات الطائفية في تحد واضح للثائرين على النظام، من أن آل الأسد ليسوا وحدهم ولهم من يقاتل دونهم، فآل الأسد أو لا شيء دونهم.

فمع انفجار الثورة الشعبية جدّد النظام الاستبدادي حملته ونشط أدوات دعايته لتوتير المناخ الاجتماعي وتحفيز الهواجس والمخاوف الطائفية، وخطَّط، في إطار الدفاع عن سلطته، لدفع الأوضاع إلى مسارات حرب طائفية لاعتبارات عديدة أهمها: تحشيد الأقليات بعامة والطائفة العلوية بخاصة حوله وربط مصيرها بمصيره، وتخويف المجتمع السوري من الثورة، وتخويف المجتمع الدولي من نتائج انتصار الثورة وأثر ذلك على السوريين من أبناء الأقليات الدينية، وخاصة المسيحية في مغازلة للغرب الذي طالما لعب بورقة حمايتها تغطية لأطماع استعمارية، تسعى للاستفادة من المذهبية والعرقية المنتشرتين في سوريا فحسب، بل وفي دول المنطقة التي تعاني من انقسامات دينية وطائفية مماثلة. لذا لم يكن صدفة أن تُسرَّب فيديوهات تصور عمليات القتل والتعذيب والاغتصاب والمجازر وذبح الأطفال والشيوخ والنساء تشي بطائفة "أبطالها" صراحة من خلال لهجاتهم، في محاولة واضحة لاستدراج رد فعل مماثل يقود إلى تسخين المواقف ودفع الطوائف إلى الانخراط في حرب قاتل أو مقتول (4).

لقد أرادها الأسد حرب طائفية ليزيد عمره الافتراض في الحكم، لكن هذه الحرب الطائفية المعلنة رسميا لن تبقي الأسد أو غيره، بل لن تبقي أخضر أو يابس في أرض الشام. النجاح-الوحيد الخطر- الذي حققه بشار الأسد وبعون إيراني خالص، تحويل المواجهة من مواجهة ثورة، إلى حرب مذهبية شيعية سنية، وهو أمر يجد له استجابته في بعض الدول العربية والإسلامية التي تعاني من أزمة هذه الثنائية القاتلة (5).

فالطائفية كانت ومازالت أحد الاسلحة الأكثر نجاعة لنظام الأسد، في محاولاته الدؤوبة للجم التحركات الشعبية المعارضة، كذلك الأحزاب السياسية، والحركات المدنية، وذلك من خلال رفع شأن العلاقات العائلية والقبلية في مفاصل الدولة، بمواجهة العلاقات المؤسساتية أو المدنية. وهدفت هذه السياسات إلى توجيه الأنظار بعيداً عن الفساد، والفروقات الاقتصادية والقمع والاضطهاد، مع غياب الديمقراطية أو تغييبها.     

ولاشك أن انخراط حزب الله في المعركة السورية خاصة في بادئ الأمر وتحت عنوان "حماية المقامات الشيعية" حصرًا قد أجج من البعد المذهبي في الصراع، وهو ما لاقى تفاعلاً في لبنان الذي تقوم بنية الدولة فيه أساسًا على البعد الطائفي والمذهبي، وفي الوقت الذي وصل فيه هذا النظام إلى طريق مسدود (6).

وقد شكلت تلك الأجواء مجتمعة أجواء مناسبة لبعض المنظمات المتشددة للدخول إلى خطوط المواجهة في الساحة السورية التي أصبحت ساحة حرب مفتوحة بين ثنائي الأمة الإسلامية – السنة والشيعة- وتوافدت الميليشيات المسلحة من كل الأصقاع والأقطار، وأدت إلى تورط بعض دول في المنطقة إلى التورط في تلك المعارك، للدفاع عن النظام وليس الشعب، كإيران التي تدفع بالرجال والعتاد والمال لجيش النظام للحيلولة دون سقوطه، وقد ثبت ذلك باليقين بتدخل عناصر مسلحة من الحرس الثوري الإيراني بالقتال في سوريا بجانب النظام.

وليس من شك في أن الصراع الراهن في الأراضي السورية، والذي أصبح صراعا طائفيا بامتياز وبإرادة أطرافه المتصارعة، قد أخذ يتمدد في المنطقة برمتها وأصبح صراعا عابرا للحدود مع عبور المنظمات الإرهابية إلى تلك المنطقة تبعا لمجريات الأحداث الساخنة فيها، وإذا كانت حدة العنف الطائفي تخف وطأتها في تلك الدول غير سوريا كلبنان مثلا، إلا أن الشأن السوري يبقى الأقوى حظا على مستوى الطائفية.

لبنان والحضور الطائفي .. من قطع رأس الدولة إلى مزالق الاحتراب والتقسيم              

لا ينسى التاريخ ما جرى في لبنان في العام 1975، حيث دخل اللبنانيون في حرب أهلية مستعرة لخمسة عشر عاما، راح فيها مئات الألاف من القتلى والجرحى وتدمير هائل في المدن والبنية التحتية للدولة، كانت شرارتها النعرات الطائفية التي أشعلت الساحة في لبنان بين الطوائف هناك.

من المؤكد أن الطائفية هي المحرك الرئيسي للحياة السياسية والعسكرية داخل لبنان، وهي العنصر المتحكم في نمطية النظام السياسي السائد فيه، وهي التي أغرقت لبنان ولا زالت في الكثير من الأزمات السياسية والعسكرية الدستورية، والتي لا زلنا نشهد حلقاتها حتى هذه اللحظات.

ولهذا كان النظام السياسي اللبناني نظاماً طائفياً بكل بنوده وقوانينه وممارساته، الأمر الذي انعكس على مجمل تطورات الأحداث داخل لبنان، بحيث أصبح النظام السياسي اللبناني يعبر فقط عن مصالح الطوائف المتعددة داخل لبنان، وليس معبراً عن مصلحة الوطن اللبناني المستقل (7).

إلا أن هذا طائفية المشهد في لبنان ليس بالأمر الجديد، إنما هو أصيل ومتجذر في التاريخ اللبناني، فالنظام السياسي اللبناني ومنذ الاستقلال عام 1943م وحتى الآن هو نظاماً طائفياً من الطراز الأول، فالطائفية تتدخل في كل كبيرة وصغيرة في النظام السياسي اللبناني، فالأحزاب السياسية طائفية والدستور وضع على أساس طائفي، وكذلك السلطات بأجنحتها الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية طائفية، ورئيس الجمهورية منتخب على أساس طائفي والحكومة مشكلة من الطائفية والبرلمان ينتخب ويقسم على أساس طائفي، فالطائفية في لبنان ترمي بأطنانها في كل تجاه.

كما أنه لا يمكننا فهم طبيعة الأزمات التي تجري في لبنان حاليا بمعزل عن النبرة الطائفية، بل هي المسبب الرئيس لها؛ إذ يكفي أن تنسحب طائفة من السلطة ليتوقف النظام السياسي ويتجمد وتتعطل السلطة وتشل الحركة، لأن مكوناً أساسياً من مكونات المجتمع الطائفي قد انسحب من السلطة، وهذا ما عايشناه في المرحلة السابقة على اتفاق الدوحة 2008م، إذ تعطلت الدولة أكثر من سنة ونصف، فقط لأن وزراء من طائفة محددة تركوا الحكومة، وهذا أمر بدهيّ في سلطة تقوم على توزيع الحصص طائفياً. وهذا ينسحب على كل مؤسسات الدولة، وليس على المؤسسات السياسية فقط، فها هو الجيش عند حاجة الناس إليه لا يستطيع أن يفعل شيئاً، لا يحميهم ولا يحمي بيوتهم، بحجة أن التركيبة الطائفية للجيش تعرضه للانقسام إذا تدخل لحماية الناس. وها هي السلطة القضائية لا تستطيع التحرك ضد هذا أو ذاك بحجة الغطاء الطائفي الذي يطلقون عليه الغطاء السياسي. وكم من نزاعات وصراعات وخصومات تكلف الدولة أموالاً باهظة ولا تستطيع الدولة المسّ بها، فقط للاعتبار الطائفي (8).

وليس غريبا والحال هذه أن اليقظة الطائفية المتفشية في لبنان هي الدافع وراء الزج بهذا البلد في قلب الأزمة السورية، نظرا للارتباطات الجغرافية والجيوسياسية بين البلدين والتي تموج فيه الفزعة الطائفية والمذهبية، فقد أصبح اسم لبنان اليوم ساحة من ساحات الاقتتال الداخلي بسب الانعكاسات في الجارة الكبيرة (سوريا ) وقد انقسمت الأطياف اللبنانية إلى مؤيدة ومعارضة من القيادة السورية وكل طرف انحاز إلى طائفته التي ينتمي اليها في سوريا.

وفي ذات السياق؛ فقد بات يُخشى على لبنان من وقوعه فريسة لتمدد الإرهاب العابر للحدود، بسبب الأرضية الطائفية التي يعيشها ذلك البلد والقابلة للاشتعال في أي لحظة ومع أي حادث ولو بسيط. وقد أوردت صحيفة فاينانشال تايمز، في مقال للكاتبة إريكا سولومون بعنوان "تقدم داعش يهدد بإثارة الطائفية في لبنان"، حيث قالت : أن مقاتلي داعش يسيطرون الآن على نحو ثلث مساحة سوريا والعراق واعلنوا الخلافة الاسلامية في المنطقة التي يسيطرون عليها، ويخشى لبنان بتوازناته الطائفية القابلة للاشتعال وبحكومته الضعيفة أن يكون الهدف القادم لداعش (9). وترى أنه حتى الآن لا يوجد ثقل كبير لداعش في لبنان، ولكن التطرف يتزايد في الدولة الصغيرة المساحة، كما ان الصراع على السلطة بين الاغلبية السنية الشيعية والاقليات المارونية والدرزية يجعل من السهل زعزعة استقرار لبنان (10).

وفي ظل أوضاع أمنية مقلقة، جاء انفجار الوضع العسكري في بلدة عرسال الحدودية، فبعد أن كانت مسرح عمليات عسكرية من غارات جوية وقصف مدفعي من الجانب السوري، مع مطلع شهر آب/أغسطس، وتحديداً في الأول منه والذي يصادف عيد الجيش اللبناني، انتشرت أخبار عن أن مجموعات من تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام – داعش" تتجمع في جرود سلسلة لبنان الشرقية، بانتظار شن هجوم (11)، كما أشار موقع " النشرة " إلى أن تحضيرات واسعة تشهدها المنطقة.

هنا، ستكون قدرة تنظيم داعش في شن هجمات في لبنان بمستويات أقل مقارنة بالهجمات التي يشنها في سوريا والعراق، وربما  يكون أكثر صعوبة وتعقيدا، ذلك أن لبنان تعد المركز الرئيس للخصم الشيعي القوي حزب الله الذي يتلقى الدعم والمدد من ايران الشيعية، وهو ما سيدفع بالتنظيم إلى التأثير على أهل السنة اللبنانيين وهم يعانون من التمييز والتهميش والافتقار للزعامات القوية، الامر ذاته الذي دفع الكثير من السنة في العراق وسوريا إلى قبول داعش وتأييدها في بعض الاحيان، وبالتالي فإن هذا الأمر بات إحدى الدوائر المفخخة في الساحة اللبنانية، تلك الدولة التي لا زالت تعاني من شغور في رأسها، وقريبا سيكون الشغور هو مصير مجلس النواب، فحتى هذه اللحظة لم يستطع الفرقاء اللبنانيون الاتفاق على رئيس للجمهورية بسبب الحضور الطائفي الذي يمزق كيان البلد ويهدد مستقبله بمخاطر التفتيت والتقسيم، وباختصار ؛ فإن مشروع «داعش» الطويل، له أهداف تصل الى حدود تفتيت المنطقة أو «الفوضى الخلاّقة» التي لطالما سمعنا عنها في الأعوام الماضية.

وما يقلق اللبنانيين مسألتان أساسيتان: أوّلاً، هل سنذهب في الاتجاه نفسه الذي قد تسلكه المنطقة؟ وثانياً، هل سيواكب اللبنانيون هذه التغييرات الهائلة في حال حصولها وسط اضطرابات دموية داخلية؟.

  

الحوثيون واليمن: ميليشيا الطائفية تعتلي الدولة

تشهد الساحة اليمنية أحداثا جساما ترتقي إلى تحديد المصير للدولة اليمنية، على غرار الاجتياح الحوثي للدولة وسيطرتهم على العاصمة صنعاء أواخر سبتمبر/أيلول الماضي، وبسط هيمنتهم على أجهزة الدولة السيادية والعسكرية والأمنية واستعلاء المؤسسات التعليمية والمصرفية والصحية وغيرها، ولا تزال ميليشيات الحوثي تتواصل في تغلغلها العسكري في البلاد شمالا وغربا وصولا إلى الحدود اليمنية السعودية.

وإن كان الحوثيون في تقدمهم هذا لم يواجهوا مقاومة تذكر من قبل الجيش والإدارة الهشة للرئيس عبد ربه منصور هادي، المتراخي والمتهم بـ"تسليم" اليمن إلى جماعة "أنصار الله" الحوثية، إلا أنهم وفي محافظة إب تحديداً يواجهون مقاومة شرسة من قبل مجموعات مسلحة محسوبة على حزب الإصلاح الإخواني، مدعومة بعشائر ترفض تواجد الحوثيين المسلح في مناطقهم. وأسفرت هذه المواجهات عن سقوط عدد من القتلى والجرحى ونزوح عشرات الأسر من مركز المحافظة (12).

في اليمن، تؤسّس سيطرة الحوثيين لتعميق النزاع المذهبي مستقبلاً، وسط تزايد منسوب العطف على تنظيم «القاعدة» لدى القبائل السنّية. أهمّية اليمن أنّها تصيب مباشرةً الشارع السعودي. ويراهن العرش السعودي على تجاوز الشارع السعودي تناقضاته، وتوحّده خلف قيادته، بسبب تطوّرات اليمن. وقد يكون حكم الإعدام على رجل الدين الشيعي نمر النمر في هذا الإطار (13).

مشكلة اليمن ليست الحوثي وميليشياته المسلحة، بل المشكلة مرتبطة ب"إيران" التي لا توفر جهداً في مد شباكها إلى الساحة العربية، إذ أن اليمن تعد حلقة استراتيجية للنفوذ الإيراني في المحور الخليجي، وهي الرابعة في متوالية العبور الإيراني إلى المنطقة العربية بعد بغداد ودمشق وبيروت، بحسب ما تردد على لسان مندوب طهران في البرلمان الإيراني علي رضا زاكاني : إن "ثلاث عواصم عربية أصبحت اليوم بيد إيران، وتابعة للثورة الإيرانية الإسلامية"، مشيرا إلى أن صنعاء أصبحت العاصمة العربية الرابعة التي في طريقها للالتحاق بالثورة الإيرانية (14). ولا ينتهي الأمر إلى الحد؛ بل يتعداه إلى اعتبار زاكاني أن الثورة اليمنية "الحوثية" امتداد طبيعي للثورة الإيرانية، وأن 14 محافظة يمنية سوف تصبح تحت سيطرة الحوثيين قريبا من أصل 20 محافظة، وأنها سوف تمتد وتصل إلى داخل السعودية، قائلا: "بالتأكيد فإن الثورة اليمنية لن تقتصر على اليمن وحدها، وسوف تمتد بعد نجاحها إلى داخل الأراضي السعودية، وإن الحدود اليمنية السعودية الواسعة سوف تساعد في تسريع وصولها إلى العمق السعودي"، على حد زعمه (15).

ومع هذا؛ فربما يرى البعض أن ما جرى ويجري في شأن هذا الصراع الراهن في اليمن لا علاقة له بالمذهب الزيدي أو الهادوي من أيّ وجه، بقدر ما أحدثه التأثّر المباشر للفكر الإثني عشري والمذهب الجعفري، القادم من وراء البحار، بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، بهدف إيجاد أرضية للتمدّد الشيعي في صورته السياسية.

وعلى ما يبدو فإن ملامح الفتنة الطائفية باتت ماثلة للعيان في مجريات الصراع اليمني، وفق مراقبين رأوا أن توغل الحوثيين في معاقل الشوافع السنية كفيل بتأجيج الصراع المذهبي في بلد هش يموج في دروب الفقر والعنف والسلاح (16). حيث أدى توغل الميليشيات الحوثية في محافظات إب والحديدة والبيضاء السنّية إلى اندلاع معارك عنيفة ما خلّف عشرات القتلى والجرحى، فيما لا تزال المواجهات المسلحة مستمرة في بعض تلك المناطق. ذلك أن تحركات الحوثيين في المناطق السنية قابلها ردود فعل صاخبة شعبيا وقبليا مسلحا، ما رجح طغيان الملامح الطائفية على الصراع الذي تشهده البلاد. وخاصة مع دخول تنظيم القاعدة في اليمن على خط المواجهات الضارية مع ميليشيات الحوثيين في مناطق توغلهم. في الوقت الذي هدد فيه تنظيم القاعدة في جزيرة العرب بنقل المعارك مع الحوثيون إلى محافظة صعدة معقل الجماعة شمالي اليمن.

ولا شك أن اختيار جماعة الحوثي تنظيم القاعدة نقيضاً سياسياً لها، سيجعلها مكشوفة كجماعة دينية، وستفضي حاجة الجماعة إلى تحقيق انتصارات في هذه المعركة، أو البقاء متوازنة، ونداً للقاعدة إلى غلبة التشدد والطابع الطائفي في قيادة وبنية الجماعة نفسها، وقد تعود إلى الانغلاق على نفسها لحماية وجودها من استهداف القاعدة.

الخصائص العامة للصراعات الطائفية

تتسع رقعة الصراع الطائفي كل يوم في منطقتنا العربية وتتصاعد أوتار الاشتعال فيها مع كل قطرة دم تسقط في صولات هذا الصراع وجولاته، وإذا أردت أن تقف على حجم المأساة الطائفية التي تتوالى فصولها أمامنا، فطالع الأرقام التالية: بلغ عدد ضحايا الصراع الطائفى الحالي في سوريا في 3 أعوام نحو 140 ألف قتيل، وهذا الرقم أكثر من 15 ضعف لعدد الضحايا السوريين في كل حروبهم ضد إسرائيل في الـ66 عاماً الماضية (17)،

وبلغ عدد ضحايا الاشتباكات الطائفية في العراق عام 2013 وحده 7818 من المدنيين فقط، طبقاً لتقديرات الأمم المتحدة، و9500 طبقاً لتقديرات عراقية، ما يعادل 3 أضعاف ضحايانا في العدوان الثلاثي على مصر (3 آلاف شهيد) ونحو نصف كل شهداء العرب على كل الجبهات (18300 قتيل) في حرب أكتوبر عام 1973 (18).

وأما فيما يتعلق في حجم ضحايا الصراعات الطائفية في لبنان واليمن في الوقت الراهن فلم يتوصل الباحث إلى إحصاءات رسمية موثقة تفيد بذلك. 

  • الجدول رقم (1)  يوضح الأعداد السابقة الذكر.
البلد عدد الضحايا
العراق 7818 قتيل
سوريا 140.000 قتيل *
لبنان غير محدد
اليمن غير محدد
  •   الرقم يفيد عدد ضحايا الصراع الطائفي في سوريا خلال 3 أعوام

 

تحليل المشهد وسيناريوهات المستقبل

إذا؛ تشهد المنطقة العربية سخونة طائفية لم يسبق لها مثيل من حيث قوتها وروافعها، ومرد ذلك عائد بالضرورة على إرادة قوى عظمى تستهدف تمزيق المنطقة العربية وتفتيتها، ليس بالسلاح النووي الفتاك، إنما عبر أخطر القنوات فتكا وإرهاقا للشعوب والمجتمعات، ألا وهي الصراعات الطائفية.  

كاتب أميركي طرح القضية صراحة وقال في تحليل عنوانه (اللعب بورقة السنة): "من وجهة نظر فريق الحرب في أميركا، فإننا إذا نظرنا إلى الوضع الطائفي في الشرق الأوسط فسوف نجد أن الحكام السنة المتحالفين مع أميركا متوحدون في مواجهة احتمالات المد الشيعي. وإذا كنا في حالة حرب حضارية مع الإسلام -من وجهة نظر فريق الحرب- فإن تعميق هذا الانشقاق الطائفي في صفوف العدو يجب النظر إليه باعتباره إستراتيجية فعالة" (19).  وقد طُبق هذا الأمر فعلا في العراق إلى حد كبير بحسب المجلة العسكرية الأميركية "أرمد فورسز جورنال"، وتؤكد المجلة أنه سيتم تطبيقه تدريجيا على جميع الدول العربية والإسلامية.

وفي مثل هذه الحالة؛ فإن الأمر لا يقف عند العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، بل يتعداهن جميعا إلى المنطقة العربية برمتها، ذلك أن الأمر يتوقف على رغبة دولية عظمى تسعى لتفتيت المحيط العربي تمهيدا لرسم خارطة الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، ليكون هذا الشرق مشكلا من دويلات طائفية.

وقد تم وضع الشرق الأوسط فعلا في هذا المستنقع الخطير، ابتداءا من الحرب على الإرهاب (أفغانستان والعراق)، ثم الحرية والكرامة (الربيع العربي) في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، ثم حقوق الإنسان (البحرين والسودان)، ثم حاليا الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في العراق وسوريا وبناء التحالفات لمواجهته، كل تلك المدلولات تشير إلى صراعات طائفية مقبلة في تلك البؤر، تشغل العرب والمسلمين بعضهم ببعض، فينحسر تأثيرهم العالمي، وتذهب اقتصاداتهم إلى الحضيض وتستنزف فيها مواردهم وتشرد فيها أعداد مليونية منهم وتضعف قواهم وعزائمهم عما يحاق لهم بالليل والنهار، وبالشكل الذي يُفضي إلى تقسيم المقسم وتفتيت المفتت.

وحول هذا الأمر فإن وتيرة هذا العنف الطائفي ستستمر إلى أجيال عدة، على غرار ما حصل في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى في أوروبا، ما قد يتطلب نحو عشر سنوات كي تنعم المنطقة بهدوء نسبي. وتكون فيه أولوية الشعوب بلوغ خيار الاستقرار الأمني.

وهنا؛ تبقى الدولة الحل الوحيد للحيلولة دون الوقوع في وحل الأزمة الطائفية الموبقة، ذلك أن الهروب من جذر المشكلة أو انكارها أو الاستمرار في المراهنة عليها من شأنه ايجاد بؤر جديدة للصراع، وهو ذاته شر غائب تنتظره منطقتنا العربية.

 

لقراءة الموضوع باللغة الانجليزية على الرابط التالي الرابط

المصادر

  1. عبد الوهاب الجبوري، الاثنين 4 مارس/أذار 2013. انظر الرابط : الرابط
  2. صحيفة "النهار" اللبنانية، 8 أكتوبر/تشرين الأول 2014. انظر الرابط: الرابط
  3. العربية نت، الجمعة 27 تموز/يونيو 2014. انظر الرابط: الرابط
  1. علي العبد الله، 19 سبتمبر/أيلول 2012. انظر الرابط: الرابط
  1. العربية نت، الثلاثاء 24 ديسمبر/كانون الأول 2013. انظر الرابط: الرابط
  2. شفيق منير، الخميس 3 أكتوبر/تشرين الأول 2013. انظر الرابط: الرابط
  3. خالد أعرج، 26 أكتوبر/تشرين الأول 2013.  انظر الرابط: الرابط
  1. عمر حمود، الاثنين 14 تموز/يونيو 2014. انظر الرابط : الرابط
  1.  موقع "BBC" العربية، السبت 6 سبتمبر/أيلول 2014. انظر الرابط:الرابط
  1. المصدر السابق نفسه.
  2. نسيب شمس، 14 أكتوبر/تشرين الأول 2014.انظر الرابط: الرابط

 

وفاق بنكيران، الأحد 19 أكتوبر/تشرين الأول 2014.انظر الرابط: الرابط

 

  1. جوني منير، الخميس 23 أكتوبر/تشرين الأول 2014. انظر الرابط:الرابط

 

14- موقع "عربي 21"، الإثنين 22 سبتمبر/أيلول 2014.انظر الرابط:الرابط

 

  1. المصدر السابق نفسه.
  2. موقع المستقبل، الثلاثاء 21 أكتوبر/تشرين الأول 2014. انظر الرابط:الرابط
  1. موقع الوطن، 22 أبريل/نيسان 2014. انظر الرابط:الرابط
  1. المصدر السابق نفسه.
  2. صحيفة العرب اليوم، الخميس 30 مايو/أيار 2013. انظر الرابط:الرابط

عاجل

x