الظواهر الجديدة والظواهر القديمة مع التحالف الدولي على داعش

بقلم : هاني نسيرة هاني نسيرة
الثلاثاء هـ - 14 أكتوبر 2014م

مع صحوة داعش والحرب الدولية العربية عليها، التي يتسع تحالفها ليضم 62 دولة، عادت ظواهر سابقة، وولدت ظواهر جديدة، يتداخل بعضها مع بعضها الآخر، وبعضها عالمي وبعضها إقليمي ووطني، ما يؤكد أننا أمام فاصل عالمي وإقليمي جديد يشبه في بعض ملامحه ما كان بعد الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 ويختلف عنه في ملامح أخرى.

 يمكننا أولا أن نوجز الملامح و الظواهر القديمة التي عادت للتجدد في النقاط التالية:

1- عودة الحرب على الإرهاب:

عادت الحرب على الإرهاب كضرورة ملحة من جديد، بعد أن حصرتها إدارة أوباما منذ ولايته الأولى سنة 2008 في الحرب على القاعدة تنظيما وفي أفغانستان خاصة، ولكن مع داعش وصحوتها ودولتها، ومع ظهور تنظيمات مسلحة شبيهة مرتبطة بها، وازدياد عدد المقاتلين الأجانب بها، عادت ضرورة هذه الحرب العالمية الدولية على الإرهاب التي تعد أكبر من سابقتها، فحسب القائمة التي أعلنتها وزارة الخارجية الأمريكية بلغ عدد الدولة المشاركة في هذا التحالف 62 دولة حتى الآن بعضها بشكل محدد في الجهد العسكري، فحسب جريدة الديلي التليجراف صباح السبت 27 سبتمبر، فإن 20 مشاركا في التحالف يقدم دعما عسكريا، وفي مقدمتها دول الاتحاد الأوربي والدول العربية السعودية والإمارات والأردن والبحرين وقطر، وبينما تتركز الضربات الأمريكية على مقرات داعش في سوريا تركز الضربات البريطانية والفرنسية على ضربات مقار داعش في العراق، كما يشارك بعضها الآخر بجهود إغاثية وإنسانية..

 

 ولكن تأتي الحرب الجديدة على الإرهاب في سياقات إقليمية أكثر صعوبة وأكثر تحد، مع توفر ملاذات جيوسياسية آمنة لتنظيم الدولة الإسلامية، في كل من سوريا والعراق، وضعف بنى دول ما بعد الثورات العربية بالخصوص، ونشاط الحركات والتنظيمات الجهاديات فيها تمددا في فراغ ما بعد إٍسقاط الأنظمة السابقة والكيانات المرتبطة بها، والتي لم ينجح شباب الثورات في ملئها.

من هنا يبدو الصراع على الدولة واحتمالات ابتلاعها طائفيا أو جهاديا في اليمن وليبيا أو نشاط تنظيمات قوية ممانعة لها بشكل عنيف في مصر وتونس وغيرها من البلدان تطورا جديدا وخطيرا، فقد غدت استراتيجية الإرهاب الجديد تستهدف الدولة وتقيمها وتكاد تهدمها ولا تستهدف استنزاف الأنظمة القائمة كما كان في استراتيجية القاعدة القديمة المعروفة بإدارة التوحش.

2- عودة الإسلاموفوبيا: عادت ظاهرة  وثقافة الإسلاموفوبيا في الغرب، التي هدأت بعد سنوات من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وخاصة في فرنسا التي ذبح فرع داعش في المغرب( جند الخلافة) رهينة يحمل جنسيتها كما تأكد يوم 24 سبتمبر الماضي، وقد شهدت باريس تظاهرات كبيرة يوم الجمعة 26 سبتمبر منددة بعمليات داعش وتبرئة منها في ظل الاحتقان الشعبي من فظائع هذا التنظيم الإرهابي المحسوب على الإسلام والمسلمين.

3- عودة التفكير التآمري: نشط مع التحالف الدولي وحربه على داعش التفكير التآمري الذي بادر بالتعبير عن غضبه من التحالف الدولي باعتماد نظرية أن الغرب هو من صنع داعش أو الأنظمة وطبيعتها أو كليهما معا! مع تداخل عوامل صعودها البنيوية، من السياقات الفكرية والممارسات الخطابية أو السياقات الجيوسياسية عراقيا وسوريا التي أنتجتها أو أعادت إنتاجها، كما نشطت دعايات الإسلام السياسي الرافض للتحالف الدولي لداعش مع بعض بقايا الأدلوجة القومية واليسارية في التنديد بهذه المشاركات العربية واتهامها بتهم سياسيا ودينيا كجزء من ماكينتها التعبوية

4- عودة أقوى للجهادية المعولمة:

فبعد الضربات الموجعة التي وجهت للقاعدة منذ عام 2008 وحتى مايو العام 2011 الذي اغتيل فيه مؤسس القاعدة وقائدها الأول أسامة بن لادن، وضرب كثير من القيادات الوسيطة، انحصرت قليلا الجهادية المعولمة، ولكن مع دعوى داعش للخلافة نججت في جذب عدد كبير من المقاتلين الأجانب والحصول على بيعة عدد من المجموعات الجهادية في بلدان المغرب العربي كجند الخلافة وسوريا انشقاقا عن تنظيمات أكبر تنتمي للقاعدة، مما يشي بعودة أكثر قوة للجهادية المعولمة.

5- عودة أقوى للمعارضات المعتدلة والصحوات:

بعد أن قضى أمثال المالكي على الصحوات وتجربتها في العراق التي نجحت في القضاء على دولة القاعدة بها عام 2007، تعود هذه التمثيليات المعارضة المعتدلة للأنظمة الفاشلة لتمثل قوى مجابهة تتمدد مع انسحابات داعش عراقيا وسوريا، وإن كانت التجربة صعبة في العراق بعد نجاح المالكي المعزول في تأجيج المشاعر الطائفية التي استغلتها داعش، رغم محاولات خلفه العبادي استيعاب ذلك، أما سوريا فتدرك المعارضات المعتدلة وفصائل الثورة أنها فرصتها الذهبية لاستعادة سيطرتها على المناطق التي سلبتها منها داعش بعد أن حررتها، رغم الضربات التي تتعرض لها منذ بدء الضربات الجوية للتحالف من النظام وداعش معا.!

6-- عودة أكثر طموحا للجهاديات القطرية:

عادت الجهاديات القطرية- المحدودة في حدود بلد معين- للحضور بقوة فاعلة تصارع نحو السلطة في بلاد كليبيا بشكل واضح، وأجبرت البرلمان المنتخب وحكومته التي نالت ثقته على نقل أعمالهما بعيدا عن العاصمة طرابلس في مدينة طبرق، التي نجحت جماعات ما يعرف ب فجر ليبيا وتحالفاتها من التنظيمات الجهادية الأخرى في السيطرة على جزء كبير من العاصمة، كما أعلن بعضها الآخر بنغازي آواخر يوليو الماضي إمارة دينية.

وهو ما نجده تمثيلات له في الجزائر وتونس والخلايا النائمة في المغرب التي سقط بعضها في ستبمبر الماضي، وفي مصر عبر التنظيمات الجهادية الجديدة التي تستنزف الدولة وتصر على إسقاط شرعيتها وتستهدف مؤسساتها وعادت العمليات التفجيرية لشوارع المدن في مصر، أكثر من مرة، كان آخرها في سبتمبر الماضي، وهو ما يعيد للذهنية ما كان في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

7- الشتات المدني والتحالف الإٍسلامي الجهادي:

بينما يتصاعد في عدد من المناطق تحالف بين تيارات الإسلام السياسي والمجموعات الجهادية من جهة أخرى، كما هو ماثل في مصر وليبيا وبعض المناطق الأخرى، ورفضت الأولى أي حرب على داعش لا زالت التيارات المدنية هشة ومشتتة تفتقد للتنظيم والتحالفات القوية، وغالبا ما تقوم تحالفاتها على المال السياسي أو الروابط التقليدية والعشائرية، ولا زالت علاقتها بالدولة علاقة باردة أو علاقة غير ودية في كثير من الأحيان، بينما عاد التعاطف القديم بين مختلف الإٍسلاميين على اختلاف توجهاتهم في رفض الحرب على داعش وكذلك في تحالفات وثيقة وتنسيق واضح في مناطق أخرى كليبيا وربما مصر.

 

الظواهر الجديدة:

بجوار تجدد الظواهر القديمة المشار لها سابقا، فإن ثمة ظواهر جديدة صعدت في المشهد بعضها إيجابي وبعضها سلبي يمكن أن نحددها فيما يلي:

  1. حصار الدولة والتحدي المعلن لها:

فلأول مرة في التاريخ العربي الحديث، وبالخلاف مع المشهد العربي عام 2001 أو قبله، تواجه الدولة العربية مشكلا وجوديا يتحداها ويحاول إسقاطها، وهو ما يتجلى بالخصوص في المشهدين اليمني والليبي، واستطاع الجانب المصري تجاوزه بصعوبة بعد 30 يونيو، في ظل ظهور تنظيمات سياسية جهادية تسقط الشرعية عن الأنظمة التي تخالفها مدنية كانت أو عسكرية وتخوص معها معارك معلنة من أجل ذلك.

2- فعالية عربية تواجه التحدي:

صعدت مع تحدي الإرهاب الصاعد في كثير من دول المنطقة، فعالية نجحت في جذب الإدارة الأمريكية وأوباما لمرجعيتها السابقة، فقد شاركت خمس دول عربية بالاشتراك مع الولايات المتحدة في ضرب معاقل داعش في سوريا فجر يوم 23 سبتمبر الماضي.

ورغم تصلب وعدم فعالية قرار الجامعة العربية في فترة ما بعد نجاح الثورات العربية، وخاصة في الأزمتين الليبية قبل إسقاط القذافي والسورية أثناء محاولات الحوار المسدود، حضر دور الدول الأفراد والتحالفات الإقليمية كفعل في عدد من القضايا منها وقف إطلاق النار في غزة في 26 أغسطس الماضي، والعودة للعمل في الفضاء العراقي والليبي، والدفع للعملية السياسية المتجمدة في لبنان بعد أحداث عرسال في 2 أغسطس ودعم الجيش اللبناني وحل مشكلة دار الفتوى والدفع بانتخابات رئيس الجمهورية لملء الشغور الدستوري القائم.

نجح هذا المحور السعودي الإماراتي المصري في استيعاب وتعديل مواقف الشقيقة قطر بدفعها للتخلي عن دعم جماعات الإخوان والمسلمين، وجماعات العنف الديني، وقد طالبت قطر قيادات الإخوان المقيمين على أراضيها بمغادرة أراضيها في 12 سبتمبر. الجاري، والتي رحب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باستقبالهم على الأراضي التركية.

 

3- تغير موازين القوى في سوريا:

ساعد التحالف الدولي للحرب على داعش على تغيير معادلة موازين القوى على الساحة السورية والعراقية بالخصوص، فقد تراجعت داعش عن بعض المناطق التي تسيطر عليها في العراق وخاصة في منطقتي سنجار وحدود إقليم أربيل وغيرها، كما تراجعت سوريا وخسرت عددا من أبرز قادتها وعناصرها، وصلت بهم إحصاءات المرصد السوري في 23 سبتمبر ل 120 عنصرا من داعش والنصرة.

كذلك وسوريا وبعد عزل الأسد جسرت الولايات المتحدة روابطها مع المعارضة المعتدلة وقواها بعد تردد طويل، فقد أصدر الكونجرس الأمريكي بمجلسية قرارا بتمويل وتدريب المعارضة السورية بتاريخ 19 سبتمبر، ويوم 26 سبتمبر وافقت الجماعات السُنية المعتدلة، التي تقاتل تحت لواء "المجلس العسكري الأعلى للثورة السورية"، على تشكيل تحالف فيما بينهم، يضم أيضاً "المجلس العسكري السرياني"، الذي يضم جماعات المعارضة المسيحية في سورية، كما حدث تقدم في بعض الجبهات ضد الجهاديين على الأرض بالتزامن مع الضربات الجوية ضدهم في سوريا التي استهدفت مقارهم في الرقة وكذلك بعض مصادر تمويلهم النفطية.

ولكن لعل التطور الأهم في المشهد هو عزل الأسد عن الحرب على داعش على أرضه، واعتباره جزءا من روافدها والسياقات المؤدية إليها، بل والتعاون المباشر بين نظامه وبين تنظيمها خاصة في مسائل النفط كما أشارت العديد من التقارير. 

4-  اتخاذ زمام المبادرة والاستباق:

إن التحالف الدولي للحرب على داعش الذي يضم دولا غربية وعربية، يقوم على استراتيجية التفكير الدفاعي، بمعنى استباق التهديد والذهاب إليه حيث هو، وفي حالتنا تمددت داعش في البنى المهترئة لنظامين فاشلين، في سوريا الأسد وعراق المالكي، دون انتظاره حتى يأتي، حتى لوظلت التهديدات محصورة في حدود بعيدة عن حدود هذه الدول مع الاستعداد لها، إنها تعني في النهاية الذهاب لخطوط العدو دون انتظار له.

5- الصعود الطائفي في اليمن:

وحسب كثير من المحللين فإن المنطقة تشهد حروبا إقليمية باردة وساخنة، أما الحروب الساخنة فتتمثل في عودة الحرب على الإرهاب الداعشي داخل الإقليم بعد أن كانت خارجه، وحروبا داخل الحدود الوطنية لبعض دول الثورات العربية، بين التنظيمات المسلحة القافزة على الدولة والطامحة للسيطرة عليها، حوثيا في اليمن وجهادية إسلامية في ليبيا واليمن وصراع الثورة والجهاديات السنية والشيعية الموالية لنظام بشار الأسد...

كما تشهد حروبا باردة بين المحور الإيراني المتراجع والتركي المتردد والمنسحب والمحور الاعتدالي العائد الذي يضم مصر والسعودية والإمارات، خاصة بعد انسحاب جزئي أو تراجع تكتيكي ل قطر جسده تشكيل الحرب الدولية على داعش، وجسده ما اعتبرته إيران تقدما له في تغيرات المشهد اليمني بالخصوص بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في الحادي والعشرين من سبتمبر الماضي، ورفضهم التوقيع على الملحق الأمني واستمرار اختلافهم مع الرئيس هادي واستهدافهم لمعارضيهم واقتحام بيوتهم.

 

ختاما هل يمكن القول إن الحرب على داعش بعد أن استنفرت فظائعها العالم ضدها، في العراق وسنجار وفي سوريا وتداعيات الثورة السورية إقليميا  أنهت مقولة الربيع العربي ووعوده.. وأثبتت أن الثورات العربية مثلت فرصة ذهبية للتنظيمات الطائفية والجهادية أكثر مما مثلت للتيارات المدنية التي تبخر كثير منها أو ضعف تأثيره وصار محاصرا ومقتحما منها في بعض البلدان

ورقة خلفية لحلقة نقاشية لمعهد العربية للدراسات في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2014

عاجل

x