العشائر متغير فاعل صراع الاحتواء وبؤر الصراعات العربية

بقلم : هاني نسيرة هاني نسيرة
الإثنين هـ - 24 نوفمبر 2014م

يصعد دور واضح للعشائر والقبائل، كوحدات اجتماعية سياسية، في بؤر الصراع والحرب على الإرهاب في بلدان الثورات العربية، ولعله من المهم التذكير أن طريقة تعامل النظام السوري مع شيوخ عشائر درعا في 15 مارس سنة 2011 وهم ذوو الأطفال الذين تجرأوا مطالبين بسقوط بشار الأسد، على حوائط  مدارسهم، كانت شرارة أشعلت الوضع هناك ليتحرك الهونى ليمتد لكل سوريا ثم للإقليم.

كذلك  وفي إطار الحرب على الإرهاب والاستراتيجية الشعبية في مكافحته، أعلن تأسيس مجلس للقبائل المصرية برعاية حكومية ورسمية في سبتمبر الماضي سنة 2014، كما أعلنت هيئة تمثيلية للقبائل الليبية أعلن في مصر في 21 أكتوبر سنة 2014، ويؤيد كل منهما حرب الدولة على الميليشيات والتنظيمات المسلحة الخارجة عليها.

 وتعقد المؤتمرات القبلية في اليمن في ظل التمدد المريب للسيطرة على الدولة من قبل ميليشيات الحوثي، رغم توقيعها على التزامات وثيقة اتفاق السلم والشراكة في سبتمبر وملحقه الأمني بعد ذلك، ولكن دون التزام فعلي حتى تاريخه، وتظل العشائر السنية في العراق ورقة ذات أهمية خاصة في الصراع والحرب على داعش، رغم تأخرات تنفيذ تسليحها، ورغم بعض الإجراءات التي قد تعيق تفاعلها، كذلك الحكم الذي صدر بالإعدام- من المحكمة الجنائية المركزية في العراق- بحق النائب السابق يوم 23 نوفمبر الدكتور أحمد العلواني، بينما عشيرته بوعلوان تقاتل ضد داعش في الأنبار، وهو ما تحفظت عليه قوى سياسية في الأنبار في بيان بنفس التاريخ، ويتحدث بعض المصادر عن احتمال حل هذا الموضوع قريبا.

التحليل الخلدوني وتطور العشيرة:

قديما تناول ابن خلدون التاريخ في مقدمته وتاريخه" العبر" دور العصبية والقبيلة في قيام وانهيار الدول في تاريخنا العربي، وهو ما كان واضحا بالخصوص في منطقة المغرب العربي، والدولة الحفصية التي نشأ بها، وفي غيرها عامة.. ولعل الدولة الحديثة المؤسساتية جعلت هذا الدور يتراجع قليلا في العقود الماضية، ولكن عودة جديدة تتصاعد مع الحرب على الإرهاب والتنظيمات المتطرفة، ومع فوضى السلاح وضعف الدولة في بلدان الثورات العربية، غدت فيه العشائر فاعلا من جديد ينظر له باهتمام واضح في بعضها كالعراق واليمن وليبيا وسوريا وسيناء المصرية، ولكن تظل هناك عوائق واستراتيجيات مطلوبة في هذا السياق، وهو ما سنعرض له فيما بعد.

ونظرا لهذه العودة الصاعدة الجديدة نسبيا لدور العشائر والقبائل في الصراعات في المنطقة نود أن نشير لبعض الاستخلاصات والأدوات التحليلية في قراءة مسألتها وهي:

أولا: طبيعة العشائر:

تزداد قوة العشائر وتماسكها في لحظات الخطر، ومع ضعف الدولة بالخصوص.

ثانيا: ولاء السلطة: في علاقة العشائر بالدولة يغلب على شيوخها وتوجهها الغالب، الميل للاستقرار ولفكرة العلاقة السلمية بها، ورفض الخروج والفوضى، وهنا يحضر الانتماء العشائري أقوى من الانتماءات الفكرية والأيدولوجية الأخرى.

ثالثا: تأثير وتأثر:

ربما يصح الفهم الخلدوني تاريخيا كجزء من عملية بناء الدولة وقيامها، كصراع بين طوري البداوة والخشونة والتحضر، ولكنه لا يصح في التعاطي مع الدولة الحديثة، التي عرفها العالم العربي منذ مائتي عام، وتشرب خبرتها منذ الوجود الاستعماري الغربي، وقد استقرت مؤسساتها وصارت شرعيتها قائمة على الإنجاز وعلى مطالب عامة ومدنية في مجتمعات مختلطة قبليا وطائفيا.

كما أن مفهوم العشيرة والقبيلة هنا يظل تأثيره قائما اجتماعيا وثقافيا وولائيا، ولا يحضر سياسيا أو كجزء من صراع في أحداث الصراع والخطر، الخاص بالقبيلة أو بالمجتمع كقوة، كانتشار الفوضى وأعمال العنف.

رابعا: تقليدية حديثة:

من المهم الانتباه لكون العشائر لم تعد فقط تلك البنى التقليدية الاجتماعية التكافلية، التي ترتبط بروابط القرابة والدم فقط، فقد تطورت لمستويات أعلى فكريا وثقافيا مع ارتفاع مستويات التعليم وانتشار قنوات المعرفة، واندمجت في مجتمعاتها الحديثة، ورغم حضور الرابط الأول إلا أنه لم يمنع ظهور توجهات فكرية وسياسية فيها تختلف معه وتصطدم به أحيانا.

 

العشائر والدولة الإرهاب ثلاثة مستويات:

وذلك من خلال استخدامها في مستويات ثلاث :

1- التحالف مع الدولة في الحرب على الإرهاب:

كقوات شعبية تمثل جزءا من الحرب على الإرهاب وتجنيد عشائرها في مواجهته، خاصة بعد تجربة الصحوات الناجحة التي أنشأها الجنرال بتريوس في القضاء على دولة القاعدة في العراق، وعاصمتها في الأنبار سنة 2007، وهو ما تمثل في إجراءات عدة مصريا في سيناء وفي تأسيس ما يعرف بمجلس القبائل العربية كجزء من استراتيجية شعبية لمكافحة الإرهاب، أو سعي الحكومة العراقية لتسليح العشائر في الأنبار مواجهة لتنظيم الدولة الإسلامية داعش

2- فاعل في إدارة الصراع على الدولة:

مع أزمة الدولة العربية في عمر الثورات العربية، وموجتيها الأولى والثانية، ونجاحات بعضها وتعثر بعضها الآخر، تم استثمار الكثيرين في الصراع الجهوي والطائفي، وهو ما يمكننا التمثيل له بشكل واضح في الصراع  اليمني الليبي، حيث خطأ البعض في المماهاة بين مصراتة وميليشيات الإسلاميين فيها،  التي نسبت إليها كك ونذكر أن منطقة تاورغاء ومناطق قبائل ورشفانة قد أعلنت منطقة منكوبة في 20 سبتمبر 2014، بعد أن اقتحمتها ميليشيات الإسلاميين الجهاديين[1].

كما أنه يمنيا نججت قبائل مآرب ومناطق رداع وغيرها في إعاقة الابتلاع الحوثي للدولة، واستمرار ميليشيات الحوثيين في استراتيجية السلاح رغم توقيعهم على اتفاقات السياسة، وقد أعلنت قبائل مراد بمحافظة مأرب شرق اليمن أنها لن تقف مكتوفة الأيدي في حال أرادت أي جماعة مسلحة  الاعتداء محافظة مأرب، أو تحويل أراضيها إلى طريق للعبور لبث الرعب أو خلق الفوضى في محافظة مأرب النفطية.

  وعبرت قبائل مراد في بيان صدر في ختام الاجتماع القبلي الموسع الذي عقدته يوم 23 نوفمبر في مديرية الجوبة بمحافظة مأرب عن استنكارها وإدانتها لعمليات السطو المسلح التي طالت منزلي محافظ مارب و محافظ الجوف / من قبل مليشيات الحوثي في العاصمة صنعاء، مؤكدة أن تلك الأعمال تتنافى مع كل القيّم السماوية والاعراف القبلية

كذلك انتفضت القبائل والعشائر مع القوى السياسية في العاصمة صنعاء منذ 14 أكتوبر الماضي، واستفاقت انتفاضات في مناطق سبق أن سيطر عليهم الحوثيون بشكل سلمي كمحافظة الحديدة، ووقفت العشائر والقبائل كذلك حجر عثرة أمام تمددهم في إب والرداع وغيرها.

 

3- ضحية للإرهاب:

عراقيا..صعد استهداف داعش لعشائر البوفهد والبوحبارة بعد استهدافهم لعشائر بونمر في الأنبار التي قضى منها ما لايقل عن 500 شخصا حتى أوائل نوفمبر الجاري، وهو نفس ما حدث في الشعيطات السورية خلال شهر أغسطس، وتعرضت لها بعض فروع شمر في سوريا والعراق، وخاصة أقارب أحمد الجربا رئيس الائتلاف السوري السابق الذين اقتحمت بيوتهم ودواوينهم في 2 و3 أكتوبر الماضي.

 

عوائق دور العشائر:

1- التجربة السابقة مع الصحوات:

فقد رفعت حكومة المالكي في ولايته الثانية 2008 الغطاء عن القبائل والعشائر في الأنبار، بعد أن استردت الأخيرة من القاعدة في العراق التي اتخذتها عاصمة لها، ثم طالبت بنزع سلاحها، وتلكأت طويلا في دمج عناصرها في الشرطة والقوات العراقية، مما جعلها فريسة سهلة لسلاح القاعدة، فقتلت عددا من أبرز رموزها مثل الشيخ أحمد أبوريشة وكاظم الجبوري وغيرهم، وجعلت الصحوات هدفها الأول، كما أن حكومة المالكي السابقة لم تبال باغتيال واعتقال عدد من أبرز رجالات العشائر مثل آل السعدون.

ثم عادت القاعدة في العراق تلعب على مظلومية السنة فيها، خاصة بعد فض اعتصام الأنبار بالقوة، والضربات الموجعة لشعبها وقراها، ونذكر أن الظهور الأول ل أبي محمد العدناني المتحدث باسم القاعدة في العراق حينئذ والمتحدث باسم داعش فيما بعد كان في 31 يناير سنة 2014 أي بعد يوم واحد من فض الاعتصام السلمي بالقوة واعتقال أحمد العلواني وعددا من أبرز شيوخ القبائل، في هذا التاريخ.

وبينما تبدو عشائر الأنبار حائط الصد الأول ضد داعش، ويقوم بعض أبنائها بتنظيم عمليات قتل وخطف لعناصر التنظيم المتطرف في مناطقهم، يصدر قرار المحكمة المركزية العراقية المشار إليه سابقا بإعدام أحمد العلواني الذي قضى أخوه وبعض أهله أثناء فض قوات المالكي للاعتصام، وتحارب عشيرته البوعلوان داعش، وجاء ذلك في وقت كان من المنتظر فيه تطبيق الاتفاقية السياسية الخاصة بتشكيل الحكومة الحالية بما فيها انهاء ملفات الاستهداف السياسي وتفعيل المصالحة الوطنية ، وفي الوقت الذي تقاتل فيه عشيرة البو علوان عائلة الدكتور احمد تنظيم داعش التكفيري في الرمادي منذ شهور عدة وقدم رجالها تضحيات كبيرة من الشهداء والجرحى ومايزالون حتى الساعة يقفون خلف اسلحتهم يقاتلون بضراوة، وقد وصف بيان لقوى سياسية عراقية، ائتلاف الوطنية وتحالف القوى الوطنية،  أن مثل هذا القرار " يراد به اضعاف الحماس الشعبي للعرب السنة في مقاتلة داعش ولانهاء بقايا الثقة بين جمهورنا والعملية السياسية، ولدق اسفين في العلاقة بيننا وبين الشركاء" رغم إهابته ودعوته للعشائر بألا تنجر لمثل هذا المخط المدروس.

2- الاختلاف الجيلي وقيادة العشائر:

صار ملاحظا لدى كثير من المراقبين، وجود فجوة واسعة بين قيادات القبائل والعشائر وشيوخها، والأجيال الجديدة المتفاعلة مع الثورة المعلوماتية والتواصلية الحالية، فضلا عن انعزال كثير منهم من الحواضر أو الخارج بعيدا عن مناطق استقرار عشائرهم وقبائلهم.

وهو ما جعل هؤلاء الشيوخ يفقدون السيطرة على قواعدها الشبابية في كثير من الأحيان، وهو ما كان ملحوظا مثلا في ثورة 30 يونيو المصرية، حيث حرص شيوخ القبائل على المهادنة مع نظام الإخوان المسلمين، والاستثمار فيه عبر إغراءته بترشيح أبنائها والحفاظ على حصصها، بينما انطلق الشباب متمردا ومندمجا في الحراك المتمرد المعارض لها.

 وبينما ينشط الشباب والفاعلون الجدد في العشائر والقبائل للتعبير عن تواصلهم بطرق جديدة كالنشاطية التواصلية أو إنشاء مؤسسات بديلة للمؤسسات التقليدية، لا زال الشيوخ يسيطرون على البنى المستقرة، وعلى إدارة وسلطة التوجيه مثلا في صعيد مصر، ولكن تقل هذه السيطرة مع الوقت، ولا تكون بنفس الفعالية إلا في أوقات الخطر والتحدي الاجتماعي.

3- اختراق أيدولوجيا الإرهاب للعشائر:

عام 2010 أصدرت القاعدة في اليمن كتيبا صغيرا عن علاقاتها بالعشائر، وتشير داعش في تطورها لما تصفه بأنه" حلف المطيبين" الذي عقدته مع بعض شيوخ العشائر وانتموا لهم قبل إعلان دولة العراق الإسلامية سنة 2006، وحلف المطيبين هو حلف قديم كان يضم بني هاشم مع بعض قبائل قريش في الجاهلية، وهذا التحالف المحتمل يظل قائما متى لم تنجح الدولة في الإدارة الزكية مع العشائر في بؤر الصراع.

في سيناء قتل الإرهابي شادي المنيعي ابن عمه عبد المجيد المنيعي في أكتوبر الماضي بحجة تعاونه مع الأجهزة الأمنية، ومطالعة عابرة لأسماء أهم قادة داعش في العراق يلاحظ انتماؤهم كذلك لعدد من العشائر التي يقاتلونها ويستهدفون أبناءها.

ولكن رغم أن العشيرة والقبيلة العربية متدينة بطبعها التدين الطبيعي العام غير المنحرف لأيدولوجيا الإرهاب، إلآ أنه يمكن الاستثمار فيها من قبل مختلف الأفكار الإسلامية شأن المجتمع العربي بعموم، ولا نبالغ إذا قلنا أن الثورة التواصلية والإعلامية والمعلوماتية وفضح ممارسات هذه التنظيمات ونقدها دينيا بشكل واسع، يكون ساخرا أحيانا، أعاق تمددها وتجنيدها واستغلالها لأبناء العشائر غير المتعلمة بالخصوص.

ولكن هذا الشرخ في البنى العشائرية قديم جديد ومحتمل كاختلافات تنوع داخل الوحدة، وتظل القواعد الغالبة والمؤثرة في توجهات شيوخ العشائر وعلاقتها بالدولة، وتصح قاعدة أن العشائر في الغالب تميل نحو السلطة والحفاظ على استقرارها ومكاسبها منها.

هذا فضلا عن المشاكل العملية في تأخر تسليح عشائر الأنبار، وغلبة التوجس المتبادل من احتمالات انحراف الصراع لطائفي حال مشاركة ميليشيات شيعية في الحرب في الأنبار ضد داعش التي يمكن أن تستثمر فيه. إن كان الملاحظ أن تمثيليات العشائر وقواها المختلفة واضحة الموقف في الحرب على الإرهاب بعد توالي استهدافات داعش لها، ونفورها من انقلابها المستمر، لكن لا بد للدول والحكومات أن تتخذ من الإجراءات الداعمة وخطط الاحتواء والإرضاء والتقدير لهذه البنى الاجتماعية الراسخة ما يساعد على تفعيل هذا الدور المهم.

المصادر

[1] لتفاصيل أكثر حول ضحايا الإرهاب في ليبيا وغيرها يمكن مراجعة تقرير العربية للدراسات ضحايا الإرهبا هولوكست جديد على الرأبط التالي: الرابط

عاجل

x