الفرصة السياسية الحركات الشبابية والدولة فيما بعد الربيع العربي!

بقلم : محمود صلاح عبدالحفيظ محمود صلاح عبدالحفيظ
الخميس هـ - 26 ديسمبر 2013م

 

    فى عصر ما بعد الربيع العربى :

صعد مع الربيع العربى فاعل سياسي مهم، لا يمكن إخراجه من المعادلة السياسية والاجتماعية؛ ألا وهو الفاعل الاحتجاجى، ممثلا فى الحركات الاحتجاجية التى لن تتوقف عن النمو والتكاثر، والنشاط فى تعبئة موارد الحركات الاحتجاجية : الحشد – الاتصال بين قطاعات الحركة والمتعاطفون مع رسالتها وقضيتها- العالم الخارجى من خلال وسائل الاعلام والتقنيات التواصلية ، والاستفادة من الخبرات الاحتجاجية الدولية وفنونها المختلفة – التعبئة والضغط والاحتجاج الذى لن تكسره قوانين تنظيمية، أو تمنعه إجراءات قمعية، فإدارة الفرصة السياسية تحتاج تنظيم العلاقة بين الفاعلين السياسيين الجدد، وليس تجاوزها أو قمعها.

تعتبر الحركات الاحتجاجية أدوات احتجاجية لقطاعات اجتماعية  تشعر بالغبن والاستبعاد، ولا سبيل إلى تجاوزها بدون دولة ديمقراطية وتوافقية تقوم بصياغة مفهوم جديد للعلاقة السياسية تضمن الاستيعاب والمشاركة، وتوزيع الثروة، والاعتراف بوجود قوى سياسية جديدة ممثلة فى حركات احتجاجية تملك من التأثير والقوة ما قد لا تملكة مؤسسات التمثيل النيابى التى تخضع لسطوة أصحاب المصالح.

تفكيك الأيدولوجيا وسقوط الإجماع السياسي:

 تطورت فكرة أن مجال المعرفة السياسية هو الأشد ارتباطا بالايديولوجيا ونفوذها، ومن ثم فالمعرفة والسلوك السياسيين يمثلان حقلا للصراع الاجتماعى ونفى الآخر، والسعى إلى تحريك الجماهير فى اتجاهات تخدم مصالح واستراتيجيات معينة ؛ باستخدام شعارات سياسية أو شعبوية، أو دينية.

كان تفتيت المعرفة السياسية من بين نتائج تحولات الربيع العربى، فالمعرفة السياسية لم تعد تخضع لمبدأ تعددية المشاركة فى إنتاجها واستهلاكها بقدر ما تخضع لمصالح متفتتة ومتفرقة، حيث تتحرك كل جماعة بنظامها المعرفى، وبمرجعيتها الخاصة بها، من دون النظر إلى أية مرجعية مغايرة، وهو الأمر الذى يسم تلك المرحلة السياسية بحالة غياب الاجماع ، وتشتت المعايير السياسية ونسبيتها، بما يجعل الوعى والسلوك السياسي مرتهنا بطموحات ومطالب مختلفة بل ومتناقضة.

خلال ذلك تتراجع قيمة الاجماع السياسي، وتغيب حالة الاتفاق العام؛ هى إذن أزمة مجتمعية لا تعالجها إجراءا سياسية تقليدية ولا تتجاوزها ممارسات قمعية ، فنحن إزاء تجربة تاريخية جديدة لا يمكن فهمها إلا فى ضوء نجاح التجربة الشعبية فى يناير 2011، ، فهذه التجربة افتقدت إلى قيادات طليعية تنجح فى إدارة التجربة على خلاف ما كان الأمر فى ثورة الشعب 1919، أو ثورة الجيش  1952.

يمثل ظهور الحركات الاحتجاجية عامة، والسياسية – خاصة-  فى المشهد السياسي المصري تحولا هاما فى طبيعة العلاقة بين الدولة والقوى الاجتماعية الباحثة عن التغيير ؛ فلم تكن لتلك القوى آليات ميدانية لمعارضة الدولة ، ورفض سياساتها ، وإزعاج مسئوليها ، وكان ظهور الحركات الاحتجاجية السياسية – تحديداً - نقطة تحول فى طبيعة العلاقة السياسية القائمة بين الدولة والقوى الاجتماعية الباحثة عن التغيير ، ولم ينتج هذا التحول بناء على جسارة تلك الحركات - ورغبتها فى تحدى سياسات الدولة – فقط ، أو انطلاقا من رغبة الدولة فى انتهاج ممارسات أكثر تسامحا تجاه تلك الحركات ، بل كان لظهور تلك الحركات ونموها - بل ونجاح البعض وفشل الآخر - ارتباطا بالعديد من المحددات الاجتماعية والسياسية، تلك المحددات التى تحتاج إلى صياغة نظرية تضبط تفسيرها، وتحدد احتمالات تطورها وتحولها .

بين ثورة الشباب الأوربي سنة 1968 وشباب الربيع العربي:

تشبه تجربة الربيع العربى الراهنة – إلى حد ما – تجربة الشباب فى أوربا فيما يُسمى ثورة الشباب 1968، فقد أحدثت تلك الاحتجاجات الشبابية 1968 ارتباكا نظرياً ومراجعة فكرية، بلغت حد الشك فى كل منجزات العلوم الاجتماعية والسياسية، ونهضت الراديكالية فى علم الاجتماع تعيد طرح تصوراتها فى مراكز الرأسمالية والليبرالية العتيدة، وهذا ما أكد عالم الاجتماع الانجليزى توماس بوتومور بقوله " فرضت علينا أحداث 1968 أن نراجع بشكل أساسي نظريات ونماذج وطرق بحث علم الاجتماع السياسي "([1])، ويصف " بوتومور تجربة 1968 بأنها صدمة " هائلة للغاية بحيث دفعت العلوم الاجتماعية نحو حالة من الفوضى العقلية التى مازالت باقية" ([2])، كانت تلك الصدمة الفكرية والتفسيرية ناجمة عن تشكل جديد لعلاقات القوة، لم تفرضه المؤسسات النظامية التقليدية، بل هو تجربة جديدة تجرى من خلف النظام الاجتماعى القائم ورفضا له، تجربة تكشف زيف كثير من مقولات نهاية الايديولوجيا ، واكتمال التجربة الديمقراطية ومتانة دولة الرفاه ، وكانت الحركات الاحتجاجية هى المعجزة التى غيرت وجه الفكر والسوسيولوجيا السياسية فى المجتمع الأوربى.

الاحتجاجات ذاتها لم تكن غائبة عن المشهد الاجتماعى سواء فى أوربا الرأسمالية أو حتى فى المجتمعات ماقبل الرأسمالية؛ لكن الجديد أن تتحول تلك الاحتجاجات إلى كيانات اجتماعية تبحث عن وضع جديد لمنتسبيها، وضع اجتماعى وسياسي يمكنهم من المطالبة بحقوقهم فى القوة والثروة والسلطة، وتصبح القوة مسألة اجتماعية لا تحكتم إلى إرادة أصحاب المصالح والقوى السياسية المتنفذة، بل يدخل الشارع طرفا فى المعادلة؛ الشارع باعتباره ميدان تلك الحركات وميداناً لها.

فى ذلك التوقيت  1968،وبل قبل ذلك بقليل ثار الشباب فى مصر فى تجربة فريدة من الحراك الشعبى فى لحظة فارقة من تاريخ مصر الحديث " بداية من يوم 20 فبراير 1968 للمطالبة بإصلاحات سياسية جذرية ، وعلى رأس هذه الإصلاحات جاءت حرية التعبير أولى هذه المطالب ؛ حيث أدرك المتظاهرون أن غياب هذه الحرية كان مسئولاً عن الهزيمة الكبيرة للجيوش والأنظمة العربية في حزيران 1967".([3])

كانت احتجاجات الشباب المصري فى 1968 تأكيدا مهماً على تاريخية الفعل الاحتجاجى وتراكميته، وهى وإن لم تغير من الواقع السياسي شيئاً جوهريا فإنها أثبتت قدرة الشباب على صناعة الاحتجاج حتى فى ظروف سياسية واجتماعية غير مواتية فقد نجح الشباب « في حشد الآلاف منهم وكسر الحصار الأمني المفروض حول جامعات القاهرة وعين شمس واتجهوا إلى مبنى البرلمان، ولتهدئة ثورتهم طالبهم أنور السادات – رئيس مجلس الأمة في ذلك الوقت – تفويض وفد طلابي منهم للتفاوض مع الحكومة، ووعدهم بالعمل على تلبية مطالبهم ، وبالفعل تشكل الوفد الذي حدد مطالبه في ضرورة القضاء على عسكرة كافة مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية ، وغياب الديمقراطية والحريات ، وكان أحد قيادات الطلاب قد عبر عن مشاعر أبناء جيله في عبارة واحدة بقوله : لقد قلنا لهم إننا فقدنا الثقة في كل شئ حولنا ، وكل ما نريده الآن هو التغيير ، بالإضافة إلى إطلاق سراح زملائنا »([4])

أثارت ثورة الشباب فى آوربا استجابة معتبرة فى العلوم السياسية والاجتماعية؛ فى الوقت الذى ظُلمت فيه حركة الشباب المصريين1968؛ لاعتبارات عديدة منها عدم تبلور الشبان المحتجين فى حركات احتجاجية صريحة، ذات قابلية للنمو والاستمرارية، فالدولة المصرية آنذاك لم تترك الفرصة لخلق تجانس احتجاجى، وتفتت قوى المحتجين بين اسلاميين، واشتراكيين، وقوميين، وليبراليين من دون أن تجمع بينهم نوايا احتجاجية خالصة؛ ولم تتحول تلك التجربة إلى اتجاهات نقدية اجتماعية وسياسية متماسكة، وتفتتت بفعل الفشل فى بناء كيان احتجاجى اجتماعى، وبقيت الاحتجاجات مبعثرة وعشوائية لا يجمعها رابط ولا يحويها بنيان.

ظل حلم الثورة يداعب خيال الكثيرين ، وكانت التجربة التقليدية للعمال فى الاحتجاج المطلبى وقوداً يضئ حماس الشباب الباحثين عن التغيير، يُضاف إليها المسألة الفلسطينية التى باتت مبعثا للاحتجاج بداية من نهاية التسعينيات فى الجامعات المصرية، وتَشكل لدى الناشطين وعى مختلف، وعى مصدره النظرة المقارنة على نطاق عالمى، نظرة أكملت بنيتها التقنيات التواصلية الحديثة، التى طرحت تجارب سياسية واحتجاجية مختلفة بالصوت والصورة، وتمكن الشباب من تجاوز الانتماءات السياسية المتفتتة بتقديم حركات احتجاجية وطنية بامتياز، ومن ثم ولدت مرحلة سياسية جديدة تضاف إلى رصيد التحولات السياسية الرئيسية والكبري، ولاتزال تلك التجربة قيد التشكل .

لن يمكن إضاعة فرصة للتنظير مرة أخرى، فالعالم 1968 ليس هو العالم 2011، حيث تفتح حقبة مابعد الحداثة من السلوكيات السياسية ما يتجاوز الاجراءات السياسية التقليدية .

لا تختلف التساؤلات التى طرحها المفكرون والمنّظرون إزاء تجربة الربيع العربى عن تلك التى طرحوها عقب ثورة الشباب فى آوربا 1968، من هؤلاء يقدم الباحثان السويسريانc.dupont,and f.passy  تساؤلان هامان حول تلك التجربة بقولهما :

هل تتحدى أحداث الربيع العربى النماذج النظرية المتاحة وتدفعنا إلى مراجعة الأطر النظرية القائمة حول الاحتجاجات فى العالم الثالث ؟

كيف يمكن أن نُقَيّم الاحتجاجات والممارسات الثورية – والتى لم يكن متوقعا لها الحدوث- خاصة فى ضوء الأفكار السائدة عن الدولة القوية والمجتمعات الضعيفة فى البلدان السلطوية؟([5])، ولكن  لا شك أن تلك التساؤلات تعيد مراجعة مشروع مناقشة التراث النظرى الخاص بالاحتجاجات والثورة فى العالم الثالث.

في نظرية الثورة:

تبرز نظرية الثورة من أهم الأطروحات التى تلاحظها فى التراث؛ ويمكن تلخيص اسهامات تلك النظرية فى مقولة ويندل فيليب المشهورة " الثورات لا يصنعها أحد لكنها تحدث " ([6])، وهو ما يعنى أن الثورة بحسب منظرتها المهمة " ثيدا سكوكبول" " نتاج أزمات سياسية حادة تضعف قدرة النظام السياسي على السيطرة على المجتمع"([7]) ، أو كما تقول سكوكبول " « أن الثورات لا يصنعها الداعون إليها – من مُنظروها والناشطون الميدانيون – بل هي بالدرجة الأول نتاج لتفاعل معقد بين الظروف والتناقضات الاجتماعية والسياسية »[8]  ؛ فالتناقضات البنيوية المتراكمة تقود حتما إلى الثورة ، فعند سكوكبول فإن جهاز الدولة يدخل فى أزمة وفقدان القدرة على صياغة الإذعان السياسي والقانونى له ، ويجابه تحديات وضغوطه تخرجه من القدرة على فرض الهيمنة على المحكومين، وكان رواد المدرسة البنيوية فى علم الاجتماع قد طرحوا رؤية مشابهة فى تحليلهم للثورة الروسية " فقد كان المجتمع الروسي قد تصدع بفعل التناقضات بطريقة لا يمكن وصفها بالبساطة. أما العامل الذى أوصل التناقضات إلى حد الانفجار، مسببا التجزؤ الذى ولَّد الثورة الروسية فقد كان هزيمة روسيا على أيدى الألمان فى الحرب العالمية الأولى [9]".

 نظرية الثورة لا تقول لنا : من يصنع الثورة؟ بل هى تقول فقط لماذا تحدث الثورات؟ ، وكان " تشارلز تيلى " – المعروف بدراساته الهامة عن الدولة-  قد دعي  إلى رد الاعتبار لحركات الاحتجاج ، من حيث مساهمتها في صناعة التحولات السياسية ، ونجح " تيلى " فى تأكيد موقفه من خلال دراسته المُقَارنة التي أجراها فى منتصف السبعينيات للعنف السياسي – على مدار قرن من الزمان – فى ثلاثة بلدان أوربية هي : فرنسا وألمانيا وإيطاليا ، حيث توصل إلى « أهمية النظر بعين الاعتبار إلى التغير فى طبيعة ومسار النضالات السياسية التي يقوم بها الساعين إلى الحصول على أوضاع مهمة فى بناء القوة »([10]).

تطرح المدرسة الاقتصادية مدخلا مهما حول الاحتجاجات فى البلدان النامية ينبغى النظر فى مضامينه- إلى الربط بين حدوث الاحتجاج وتفاقم المشكلات الاقتصادية والمعيشية ، فهذه الاحتجاجات ذات أفق محدد ، ينتهى عند إجابة المطالب التى ينادي بها أصحاب هذا النوع من الاحتجاج  ، ففى دراسة نشرها مجموعة من الباحثين الأمريكيين فى 2009 تُظهر الدراسة أن الاحتجاجات من أجل الغذاء كانت ملموسة وواضحة بدرجة كثيفة فى كثير من بلدان العالم الثالث ، وتقررالدراسة أن   « أنه – فقط – فى العام 2007/2008 شهدت ما يقرب من ثلاثون دولة فى أفريقيا وآسيا احتجاجات بسبب ارتفاع أسعار الغذاء » ([11]) ، ولا شك أن تلك الرؤية لها وجاهتها – إن لم يكن لها القول الفصل غى التفسير – فالشعار الأبرز لثورة المصريين فى 25- 28 يناير " عيش – حرية – عدالة اجتماعية" كان الخبز هو أول المطالب ومعبرا عن شرائح اجتماعية غاضبة ومستبعدة.

وفقا لهذا النمط من الدراسات فهى إذن احتجاجات تقوم على المطالب ولا تهدف إلى المأسسة بغرض حشد قوى سياسية تمارس الاحتجاج ؛ باعتبارها حركة احتجاجية ذات بنية واضحة ومتكاملة ، وتعمد الدرسة - السابق الإشارة إليها – إلى تأكيد هذه الحقيقة من خلال القول بأن « النخب الحاكمة تبدى انزعاجا بالغا جَرّاء تلك الاحتجاجات ، خاصة وأنها تسبب حالة من عدم الاستقرار السياسي » ([12]) .وكان " جان زيغلر " مقرر الامم التحدة الخاص لمبادرة الحق فى الطعام قد صرح عام 2008 " بأننا مقبلون على مرحلة طويلة من الاحتجاجات والصراعات وموجات لا تنتهى من العنف وعدم الاستقرار يقوم بها أولئلك اليائسون فى البلدان التى تشهد أزمات غذائية " ([13])  يشير تقرير مرصد الغذاء المصري  إلى أن متوسط إنفاق الأسر الأكثر احتياجاً على الطعام والشراب بلغ نحو 66.6 % خلال الربع الثالث من عام 2013[14]

تبدو تلك الدراسة نموذجا لعديد من الدراسات التى ماتزال تلتزم بمفهوم " الاقتصاد الأخلاقى " Moral economy    فى رصد طبيعة العلاقة السياسية فى البلدان النامية ، وذلك باعتبار ان مفهوم الاقتصاد الاخلاقى يشير إلى نمط معين من العلاقة السياسية ، التى تشير إلى العلاقة الزبائنية ؛ وكانت حالة العمال المصريين من أكثر الحالات التى تم فيها تداول هذا المفهوم ، وتم اختزال حركتهم فى إطار هذه الرؤية ، وتُظهر قراءة متأنية لكثير من الاحتجاجات والمواقف السياسية عن أن ثمة تناولا لافتا للنظر لظاهرة الاحتجاجات الشعبية من خلال مفهوم الاقتصاد الأخلاقى ، وهو الأمر الذى نلحظه فى رؤية أحد المفكرين اليساريين المصريين – لطفى الخولى – في قراءته لاحتجاجات 18 و19 يناير 1977 ، حيث وصف هذه الأحداث بأنها  تمثل « رد فعل دفاعي للانتهاكات الصارخة لقيم الاقتصاد الأخلاقي المتفق عليها, ذلك الخرق الذي ارتكبه منتفعي الانفتاح » (14) ، وتتفق الباحثة الأمريكية Marsha Pripstein مع تلك النتيجة فى تحليلاتها ، بل إنها تعتبر أن مدخل الاقتصاد الأخلاقي هو أفضل سبيل لتفسير العلاقة السياسية بين العمال والدولة  حيث « يقبل العمال ما يقدم لهم من امتيازات وحقوق, بينما يغضبوا بشدة عندما تُقلص هذه الحقوق, في الوقت الذي لا تتقلص فيه المسئوليات الملقاة على عاتقهم».([15]) ، وتشير إحدى العبارات الواردة فى تصريح للرئيس عبدالناصر إلى حرص الدولة على بقاء نمط العلاقة السياسية الزبائنية ، حيث قال فى خطاب له فى إتحاد العمال فى العام 1961 « العمال لا يطلبون ؛ فنحن نعطيهم » ([16]). وبذا ضمنت الدولة تلك العلاقة السياسية – كما صورها نموذج الاقتصاد الاخلاقى -  فلا سبيل للفكاك منها أو الاحتجاج عليها .

تُثبت القراءة المتأنية للأحداث هشاشة تلك الرؤية التى تقول بنمط محدد وثابت للعلاقة السياسية ، وخير مثال على ذلك ما أبرزته احتجاجات مارس ونوفمبر 1968 من قابلية تلك العلاقة السياسية للتحول فى ظل شروط معينة ينبغى التعامل معها ، وهذا ما حدث بالفعل فمن الأمور الواضحة  « التى كشفت عنها تجربة الاحتجاجات الجماهيرية التى قادها الطلاب والعمال فى مارس 1968 عدم تماسك التحالف الاجتماعى المسمى " تحالف قوى الشعب العامل " فى إطار المهمة الرسمية الموكولة إليه ، باعتباره كان تحالفا مصطنعا جاء تعبيرا عن إرادة سياسية تسعى إلى إدماج القوى الاجتماعية المختلفة فى إطار سياسي يحكم حركتها ، ويضمن ولاءها . وكان الاتحاد الاشتراكي – تحديدا – هو الجهاز الرسمى المنوط به تنظيم هذه الهيمنة ، ولكن كانت المفاجأة فى مبادرة عمال القطاع العام – وهم من أكثر القوى المستفيدة من صيغة التحالف القائمة – بإشعال شرارة الاحتجاجات ، انطلاقا من المنطقة الصناعية المزدهرة في حلوان ، تلاهم الطلاب الجامعيون فى اليوم التالى مباشرة  » ([17]).

تكررت حالة رفض العلاقة السياسية التقليدية فى احتجاجات 18 و 19 يناير 1977 ، وإن كانت القرارات الاقتصادية التى اتخذتها الحكومة آنذاك هى المحرك إلا إنها تثبت جراة الجماهير على مواجهة السلطة وبحثهم عن علاقة سياسية جديدة .

لم تنجح احتجاجات مارس ونوفمبر 1968 ، وكذلك احتجاجات 18 و 19 يناير 1977 من صناعة تحول سياسي كامل ، يَطال هيكل النظام ورموزه وبنيته ، على الرغم من النجاح فى تهديد العلاقة السياسية التى سعت الدولة وصفوتها إلى العمل على بقاءها وحمايتها .

 تقدم لنا نظرية الفرصة السياسية مدخلا مهما فى التفسير ، فبينما نجحت احتجاجات 25 و 28 يناير 2011 فى صناعة ثورة شعبية تُطيح – بكثير من - رموز النظام السياسي – بل وتفرز وعياً ثورياً جديداً ومختلفاً  - ؛ لم تنجح احتجاجات 1968 و1977 ، ويرى Joel Benin   أن فشل التجربة الاحتجاجية فى 1977 يعود بالاساس إلى غياب  «  أية حركة اجتماعية فاعلة تتمكن من تنظيم صفوف الجماهير والعمال, لذا استمرت مشاعر الغضب التلقائي هي التي توجه سلوك العمال الصناعيين الغاضبين»([18])، الذين شكلوا قُوام هذه الاحتجاجات, وَشكَّل غياب الحركة الاجتماعية الداعمة لهذا السلوك الاحتجاجي عاملاً هاماً في عدم مأسسة الفرصة السياسية التي سعى العمال لتحقيقها, يضاف إلى ذلك «عجز العمال عن صياغة تحالفات دائمة مع الشرائح الشعبية التي شاركتها الانتفاضة »([19]) الامر الذى أدى إلى إغلاق النافذة السياسية التي عمل العمال على فتحها طوال يومين ، وبالرغم من أن احتجاجات مارس ونوفمبر 1968 كانت تجمع فى جنباتها عناصر شبابية ويسارية واسلامية وقومية عديدة إلا إنها لم تنجح فى الوصول إلى صناعة فرصة سياسية كاملة - كتلك التى صنعها الشباب فى يناير 2011 -  نظرا لافتقاد تلك المجموعات للقدرة على صياغة حركات احتجاجية تكون قادرة على صياغة استراتيجيات الفعل الجمعى وتحديد أهداف وغايات التغيير ؛ وساهمت القدرة القمعية للدولة الناصرية ، وظروف الأزمة الوطنية فى الصراع مع المحتل الاسرائيلى كان معوقا بالغ الأهمية ساهم فى إغلاق النافذة السياسية التى فتحها العمال والطلاب باحتجاجاتهم التى استمرت أياما متواصلة .

ثمة مشكلة هامة تبرز عند محاولة فهم الفارق بين حركات الاحتجاج – التى برزت خلال العقود الماضية –  وذلك باعتبار أن الاحتجاج هو عمل تراكمى لا يُولد فجأة ، ووفقا لمقولات نظرية الجيل فإن الجيل ينجح فى لحظة ما في نقل خبرته ومهاراته الاحتجاجية إلى جيل آخر ؛ وليس من غياب التواصل بين الأجيال المحتجة إلا نتاجا لخفوت أو غياب للفرصة السياسية ؛ فطبيعة المتغير الخارجى ، والقدرة القمعية للدولة ، ومتانة التحالفات الاجتماعية الحاكمة أو المعارضة ، ونمط الترتيبات السياسية التى تقدمها الدولة فى كل لحظة من لحظات إدارة الفرصة السياسية ؛ بجانب قدرة الحركات الاحتجاجية على بناء رصيدها السياسي من حيث خطابها السياسى والاجتماعى واستراتيجيات تعبئتها لجمهورها  ؛ من شأنه أن يحدد علاقة كل جيل سياسي بسابقه ، وبقدرة الجيل على صناعة فرصة سياسية تكون متميزة وذات أثر ، أو متأخرة عن سابقه .

أدركت الحركات الاحتجاجية الداعية والمشاركة في احتجاجات 25 و 28 يناير 2011 - ( التى أفضت إلى ثورة شعبية أطاحت بكثير من رموز النظام)  - أن ما يحول بينها وبين صياغتها لفرصة سياسية حقيقية ليس تحالفا اجتماعيا حقيقيا ، فلم يكن الحزب الوطنى - الصيغة الرسمية للتحالف الاجتماعى الحاكم ممثلا لتحالف اجتماعى فعلى –  ، وكان على هذه الحركات أن تنتظر نافذة سياسية جديدة ، فكان المتغير الخارجى ممثلا فى تجربة الحركات الاحتجاجية الشبابية – فى البلدان الرأسمالية -  على المدى البعيد ، أما على المدى القريب ، والمباشر الملموس ؛ فكانت تجربة تونس ملهماً مفجراً لطاقات تلك الحركات ، وحماستها فى تعبئة الجماهير التى كانت تنتظر دعوة تلك الحركات ، وكان السبيل لصناعة فرصة سياسية هو مأسسة الاحتجاجات ؛ لتصبح عملا يوميا وجماهيريا على مدار ثلاثة أيام لتظهر ثمة مرحلة مهمة فى صناعة الفرصة السياسية وهو فتح نافذة سياسية جديدة، وكان الحدث : انهيار القدرة القمعية للدولة المصرية ؛ بإنهيار جهازها الأمنى لتولد صبيحة يوم 29 يناير فرصة سياسية جديدة ؛ وليلعب ناشطو الحركات الاحتجاجية دورا جديدا ومهماً فى إدارة الفرصة السياسيـة .

مستقبل الحركات الاحتجاجية

قد لا يكون الأمر باليسير خاصة وأن الموقع الاقتصادى لدول الربيع العربى ليس بالمطمئن، حيث تم ربط اقتصادات دول الربيع العربى بسياسات السوق العالمية، بما قد لا يتلاءم مع احتياجات وتطلعات القطاعات المركزية فى تلك المجتمعات، وفى ذلك يري المفكر الاقتصادى المصري القدير "سمير امين" أن مجتمعاتنا فى ظل هذه الأوضاع تشهد  شروطاً مؤاتية لانفجارات سياسية واجتماعية في الأطراف المتخلفة، نقول هنا انفجارات، ولا نقول ثورات، إذ أن هذه الظروف لم تنتج إطاراً مناسباً تماماً لتطوير غضب الجماهير إلى عمل منظم فعال يندرج في خطة تلاءم احتياجات مشروع بديل صحيح في مواجهة تحديات العصر».([20])، بما يؤشر إلى أن الاعتماد على تلك الحركات الاحتجاجية سيكون الآكثر نموا فى المشهد السياسي للربيع  ،وبديلا عن المؤسسات النيابية التى لن تنجح فى تحقيق المطالب الاجتماعية والسياسية المتضخمة، وسيكون الاحتكام إلى الشارع مساحة تستخدمها تلك الحركات بحثا عن من القوة ، واضعافا من القدرة القمعية للدولة.

تلعب إذن الحركات الاحتجاجية  دور المؤسسات الوسيطة التى كانت تمثل أصحاب المصالح، فتلك الحركات تسعى إلى القوة من خلال الاحتجاج، ولا ترضى بان تُحتكر القوة من خلال المؤسسات النيابية التى فى نظرهم الوجه الآخر لجماعات المصالح.

تعتمد الحركات الاحتجاجية على بناء تحالفات اجتماعية داعمة لنشاطاتها، فتحالف ثورة يناير فى مصر كان ممثلا لقطاعات اجتماعية عديدة ، غير أنه لم يكن مؤهلا لإدارة الدولة المصرية، لغياب الطليعة القيادية القادرة على تولى زمام الأمور، فهو كان تحالفا هشاً ؛ زادت هشاشته مع دخول الاسلاميين مجال العمل السياسي النظامى، من دون دمج القطاعات الممثلة لتحالف يناير، وكان تحالف 30 يونيه 2013 ، ردا على ذلك الاستبعاد، ولكنه استثنى قطاعات عديدة من الاسلاميين خصوصا الأكثر تنظيما ( الاخوان المسلمون)، ويبدو أن الصراع السياسي الراهن ينمو فى اتجاهات أيديولوجية ودينية واجتماعية تزيد من حدته وهو الأمر الذى سيجعل لبعض الحركات الاحتجاجية لونا أيديوجيا ودينيا ، فى مقابل حركات احتجاجية مطلبية وثورية، وهو الأمر الذى سيجعل مهمة دولة ما بعد 30 يونيه غاية فى الصعوبة فى تفاعلها مع حركات احتجاجية مختلفة الانتماءات والاتجاهات والمطالب .

تحتاج إدارة الفرصة السياسية الجديدة - بعد نجاح تحالف 30 يناير فى استبعاد جماعة الاخوان من جهاز الدولة – بناء تحالفات اجتماعية متينة وذات أبعاد اجتماعية عميقة ، تحالفات تتمكن من استيعاب كل القطاعات المستثناة من تجربة 25- 28 يناير 2011، وتجربة 30 يونيه 2013 ، والتفاعل مع الحركات الاحتجاجية باعتباره فاعلا سياسيا جديدا يفرض نفسه على محيط العلاقة السياسية فى عصر الربيع العربى، ولن تنجح السياسات التقليدية فى قمع الغضب والاحتجاج وحركاته - اللذان أصبحا واقعا سياسيا لن يزول- فليست الانتخابات والصناديق بحلول توقف تلك الحركات ، وهو الأمر الذى شهدناه من تجربتى يناير 2011، ويونيه 2013، وثبت بجلاء خطورة احتكار المشهد السياسي من قِبل فريق واحد دون غيره.

 إن الأمر الاكثر إلحاحا هو ضرورة قيام دولة الربيع العربى، تلك الدولة التى تتمكن من إدماج كل الفاعلين السياسيين فى إطار الشرعية السياسية السياسية المستمدة ليس فقط من الصناديق ؛ بل أيضا من رضا الناس وإلاستجابة لتطلعاتهم المعيشية والاجتماعية والسياسية.  

 

المصادر

 ([1] ) بوتومور، علم الاجتماع والنقد الاجتماعى، ترجمة وتعليق محمد الجوهرى وآخرون، دار المعارف، 1981، ط1، ص20

(

النشرة الالكترونية

عاجل

x