تحولات المشهد اللبناني بعد أحداث عرسال

بقلم : نسيب شمس نسيب شمس
الثلاثاء هـ - 14 أكتوبر 2014م

تتدافع الأحداث على الساحة اللبنانية على وقع ضجيج "الدولة الإسلامية في العراق والشام – داعش"، التي ما فتئت تهدد وتتوعد وتقوم بتصفية العسكريين اللبنانيين المحتجزين لديها، مما يشكل ضغطاً قوياً على المشهد اللبناني السياسي، وعلى الوضع الأمني، في وقت يعاني لبنان انسداداً في أفق الحلول للأزمات المتناسلة منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005، وصولاً إلى الأزمة السورية التي وقع لبنان تحت أثقالها وأعبائها وتداعياتها؛ من نزوح سوري كثيف، وكذلك دخول "حزب الله" إلى ساحة المعارك في الداخل السوري.

لا زال لبنان حتى تاريخه العاشر من سبتمبر سنة 2014 يواجه فراغاً دستورياً ورئاسياً، مع فراغ منصب  رئيس للجمهورية، أضف إلى إقتراب انتهاء فترة التمديد للمجلس النيابي، وقد مضى ما يقارب أربعة أشهر وأكثر عن الموعد الدستوري لانتخاب الرئيس، لبنان الدولة العربية الوحيدة التي يترأسها رئيس مسيحي، رئيس حددت صلاحياته الرئاسية بموجب "اتفاق الطائف" الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، هذا الرئيس الذي كان يلعب سابقاً دور إضفاء التوازن  في التركيبة السياسية اللبنانية، وجاء "اتفاق الطائف" ليعطي صلاحيات لرئيس مجلس الوزراء.. "اتفاق الطائف" الذي أسيء تطبيقه، في العديد من البنود، مثل التقسيمات الإنتخابية، وتطبيق اللامركزية الإدارية، والتسويف في ما نص عليه الاتفاق من إنسحاب للقوات السورية، والتي لم تنسحب إلا بعد ضغط شعبي عشية إغتيال الرئيس رفيق الحريري، وقيام مات عُرف بثورة الاستقلال، ولكن الأثر الأبرز لإتفاق الطائف هو  ولادة ما يعرف بفيدرالية الطوائف!

ويتابع لبنان السير في مسار متعثر في ظل أوضاع عربية خطيرة، يبقى لبنان دون رئيس جمهورية، وقريباً دون مجلس نيابي، حيث تنتهي ولايته قريباً.

وفي ظل أوضاع أمنية مقلقة، جاء انفجار الوضع العسكري في بلدة عرسال الحدودية، فبعد أن كانت مسرح عمليات عسكرية من غارات جوية وقصف مدفعي من الجانب السوري، مع مطلع شهر آب / أغسطس، وتحديداً في الأول منه والذي يصادف عيد الجيش اللبناني، انتشرت أخبار عن أن مجموعات من تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام – داعش" تتجمع في جرود سلسلة لبنان الشرقية، بانتظار شن هجوم[1]، كما أشار موقع " النشرة " إلى أن تحضيرات واسعة تشهدها المنطقة.

أحداث عرسال ومتوالية الشر

مع توقيف الجيش اللبناني للمدعو عماد جمعة "أبو أحمد" في مطلع شهر آب / أغسطس ، حصل استنفار مسلح من جهة الحدود، باعتبار أن جمعة مسؤولا عن مجموعة كبيرة من المسلحين، وسرعان ما أقدم المسلحون على تنفيذ هجوم واسع على حواجز الجيش اللبناني المنتشرة على أطراف بلدة عرسال، ودارت اشتباكات عنيفة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة[2]، ثم قامت مجموعات مسلحة بالدخول إلى وسط بلدة عرسال بواسطة سيارات رباعية الدفع، محملة بالأسلحة الرشاشة، وقامت خلالها بقطع الطريق أمام فصيلة عرسال في قوى الأمن الداخلية حيث احتجزوا ضباط وعناصر الفصيلة[3]. وبدأ الجيش اللبناني باستقدام تعزيزات من فرق "المجوقل"، إلى جانب تحريك سلاح الجو اللبناني من مطار رياق، فأرسل طوافتين باتجاه أجواء جرود السلسلة الشرقية، وأطلق الجيش اللبناني عملية عسكرية واسعة تحت مسمى "السيف المسلط" بكل وحداته في منطقة عرسال وجرودها، ضد المسلحين من "جبهة النصرة" و"داعش" اللتين توحدتا في القتال ضد الجيش[4]. كما وقعت اشتباكات بين الجيش اللبناني ومسلحين في مدينة طرابلس (شمال لبنان)[5] توالت الأحداث حتى تاريخه، وصارت الاشتباكات داخل لبنان بين حزب الله وجبهة النصرة، كما بدأت تحصل إنشقاقات فردية من عسكريين في الجيش اللبناني وكان آخرها عندما أعلنت الوكالة الوطنية للإعلام (الوكالة الرسمية) أن الجندي اللبناني عبدالله شحادة من بلدة مشحة عكار، شمال لبنان، أعلن انشقاقه عن الجيش والتحق بجبهة النصرة، وذلك ليل الجمعة السبت. ويأتي انشقاق شحادة بعد أقل من 24 ساعة على انشقاق محمد عنتر وانضمامه كذلك للنصرة، بحسب ما أظهر فيديو بثته وكالة الأناضول[6].

وبالعودة الى بداية الحراك العسكري، فقد تصاعدت حدة المعارك في بلدة عرسال، ومحيط مبنى المهنية، وانتهت بإحكام الجيش اللبناني سيطرته على مبنى المهنية. ومع اليوم الثالث كان قد وصل عدد الخسائر في الأرواح في صفوف العسكريين إلى 14 شهيداً، بينهم ضابطان، و86 جريحاً، وفقد 22 عسكرياً[7]، ودخلت الى خط الوساطة "هيئة العلماء المسلمين" لوقف المعارك وتحرير الأسرى العسكريين، حيث تم الاتفاق على هدنة في بلدة عرسال، وجرى الإفراج عن ثلاثة من رهائن قوى الأمن الداخلي، في حين احتفظ المسلحون بـ 17 عنصراً من رفاقهم و12 من عناصر الجيش اللبناني[8].

وبدأ انسحاب المسلحين، فغادرت أكثر من 30 شاحنة صغيرة بلدة عرسال مع ركابها المدججين بالأسلحة الذين كانوا يرفعون أعلام "النصرة"، في اتجاه المنطقة الجردية[9].

واقع المشهد السياسي اللبناني

في ظل هذا المسار الأمني المتوتر والخطير، كان المشهد السياسي اللبناني منقسماً بين من ينادي بالحسم، ويدعو الجيش اللبناني إلى التعامل بالحديد والنار مع الموقف، ومن يطالب بالتنبه إلى خطورة ما يحاك من مؤامرة بإيقاع فتنة كبيرة تهدف إلى تفجير لبنان. وعلى وقع المعارك العسكرية على جبهة عرسال، دارت اشتباكات سياسية بين طرفي النزاع في لبنان بين جماعة "8 آذار" وقوى "14 آذار".

في ظل هذه الظروف، أدان رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري التعرض للجيش اللبناني والقوى الأمنية، وأكد أن "أهالي عرسال، شأنهم شأن أهالي الموصل، لن يدعوا الإرهاب يتسلط على بلدتهم، ويمارس العدوان على الجيش والقوى الأمنية، وهم الذي نشهد لهم في مواقع المقاومة الوطنية والوطن"[10]. في الوقت الذي دعا الرئيس ميشال سليمان إلى ضرورة وضع كل الخلافات السياسية والحسابات الضيقة جانباً، والالتفاف الجماعي لدعم الجيش اللبناني (...)، مؤكداً أن أهالي عرسال، كغيرهم من اللبنانيين، لن يغفروا لمن يعتدي عليهم وعلى الجيش، وهم بغالبيتهم من أبناء المؤسسة العسكرية[11].

وطالب رئيس كتلة "المستقبل" النيابية الرئيس فؤاد السنيورة، بضرورة "الالتزام بالموقف التالي: أولاً ضرورة انسحاب المسلحين السوريين من الأراضي اللبنانية، من بلدة عرسال بالتحديد، ثانياً: ضرورة وضع عرسال ومحيطها تحت سلطة الدولة اللبنانية وأجهزتها الأمنية، وثالثاً: ضرورة انسحاب "حزب الله" من القتال في سوريا"[12]. وجاء بيان الأمانة العامة لقوى "14 آذار" ليصب في نفس التوجه، في حين اعتبر "المجلس الوطني لثورة الأرز – الجبهة اللبنانية"، أن "المسيحيين يواجهون خطر الاقتلاع من بلدانهم في الدول العربية، وهم دخلوا فعلاً في مرحلة الخطر الكياني"[13].

وفي هذا الوقت أكد قائد الجيش اللبناني العماد جان قهوجي، أن ثمة خطراً كبيراً يهدد الوطن بكيانه واستقلاله ووحدته ووجوده، ويحاول البعض أن يقلل من أهميته، وأن الجيش جاهز لمواجهة كل الحركات التكفيرية التي قد تستفيد مما يجري في منطقة عرسال، وتقوم بأمر مماثل في أي منطقة أخرى، وذكّر بمطالبة الجيش منذ أكثر من ثلاث سنوات بضرورة معالجة الوضع الأمني للنازحين السوريين، محذراً من أن ما يحصل في عرسال سيطال جميع اللبنانيين وجميع المناطق[14]. وقال البطريرك الماروني، الكاردينال مار بشارة بطرس، الراعي قداس الأحد في كنيسة "الديمان":  "إننا نتطلع إلى رجال سياسة عندنا في لبنان، يكونون ملتزمين، بحكم المعمودية والميرون، في ممارسة العمل السياسي بالروح البنوي والكهنوتي والملوكي، وفقاً لتعليم الكنيسة. فيعملون بروح التجرد من المصالح الذاتية والمكاسب المادية، ويُقاومون الظلم والاستبداد والتفرد في القرارات الوطنية، ويبذلون كل جهد في سبيل الخير العام بصدق واستقامة وشجاعة"[15]. في حين اعتبر "اللقاء الوطني الإسلامي"، "أن أهل السنّة وقفوا ويقفون وحدهم في مواجهة هذا المخطط الإجرامي، الذي تنفذه ولاية الفقيه من عراق المالكي إلى لبنان مروراً بنظام الأسد. وحذّر اللقاء في بيان تلاه كبارة من أي قرار يحول جيشنا من مؤسسة وطنية جامعة، واجبها حماية كل اللبنانيين، إلى ما يشبه جيش المالكي في عراق الولي الفقيه"[16]. في ذلك الوقت اعتبر "حزب الله" في بيان أصدره تعليقاً على الاعتداءات التي تعرض لها الجيش اللبناني والقوى الأمنية في منطقة عرسال، أن استمرار هذه الجرائم التي ترتكبها جماعات إرهابية منظمة، مدعومة بغطاء خارجي وبتبرير داخلي، دليل على الخطر المحدق بلبنان وكل أهله[17].

وسرعان ما حسم مجلس الوزراء اللبناني في جلسة طارئة عقدها برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام، الموقف الرسمي من المعركة في عرسال. فأكد دعمه المطلق للجيش، والوقوف صفاً واحداً وراءه، مستنفراً كل المؤسسات والأجهزة الرسمية للتصدي لمحاولات العبث بأمن لبنان، والحؤول دون تحويله ساحة لاستيراد صراعات خارجية، ومشدداً على "عدم التساهل مع الإرهابيين، ومن استباح أرض لبنان"[18].

وفي مؤتمر صحافي للنواب محمد كبارة ومعين المرعبي وخالد الضاهر، أشاروا إلى علاقة "حزب الله" بما يجري، وتورطه في ما حدث في بلدة عرسال، وجاء ردّ "حزب الله"، على لسان نائبه علي المقداد، نافياً نفياً قاطعاً أي علاقة للحزب بالأحداث الجارية في عرسال، وأي تدخل في المجريات الميدانية وتطوراتها، فحماية عرسال من الإرهاب التكفيري والمجموعات الخارجة على القانون، وكذلك الدفاع عنها وعن أبنائها وعائلاتها، هي مسؤولية الدولة اللبنانية وجيشها الوطني الباسل وقواها الأمنية، كما هي مسؤولية القوى السياسية في إنقاذ هذه البلدة اللبنانية من براثن المعتدين عليها[19]. وفي الوقت نفسه دعا المكتب السياسي في حزب "الكتائب"، عقب اجتماعه الدوري برئاسة الرئيس أمين الجميل، وزراء الحزب إلى الطلب رسمياً من الحكومة التقدم بشكوى عاجلة أمام مجلس الأمن، ضد الانتهاكات الحدودية على يد عناصر مسلحة غريبة، مما يشكل تعدياً سافراً على السيادة اللبنانية[20].

وتصاعدت المواقف على وقع احتدام المعارك في بلدة عرسال، فهاجم رئيس الهيئة الشرعية في "حزب الله" الشيخ محمد يزبك، البعض ممن يتحركون ويريدون أن يفتئتوا على الجيش اللبناني وعلى الوطن من أجل مصالحهم الخاصة، وأكد عدم ترك الجيش وحده، ودعمه في مواجهة العدوان الإسرائيلي وفي الدفاع عن لبنان واستقلاله، وطالب أبناء المناطق القريبة من مسرح الاشتباكات الدائرة في عرسال، بأن يكونوا على استعداد لمواجهة "خفافيش الليل المظلم"، والدفاع بكل قوة وعدم التردد في الوقوف إلى جانب الجيش اللبناني[21]. وقال "تجمع العلماء المسلمين" (المقرب من "حزب الله"، وهو تجمع يضم عدد من رجال الدين السّنة والشيعة، تأسس عشية الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، بعد" مؤتمر المستضعفين " في العاصمة الإيرانية  طهران عامذاك)[22]، في بيان: كان متوقعاً منذ البداية أن هناك تجمعاً لتكفيريين يتكون داخل عرسال، وفي مخيم اللاجئين الذي تبين أنه مأوى للإرهابيين تحت ستار قضية النازحين الإنسانية، ودعا للوقوف إلى جانب الجيش في معركته ضد التكفيريين الإرهابيين[23]، في حين أكد الرئيس سعد الحريري في تصريح، أن دعمنا الجيش في معركته ضد الإرهاب والزمر المسلحة التي تسللت إلى بلدة عرسال، دعم حاسم لا يخضع لأي نوع من أنواع التأويل والمزايدات السياسية، ولا وظيفة له سوى التضامن على حماية لبنان، ودرء المخاطر التي تطل برأسها من الحروب المحيطة[24].

كما أعلنت قوى "14 آذار"، عقب اجتماع موسع عقدته في "بيت الوسط"، خطة إنقاذية تضمنت بنوداً عدة، أبرزها الإسراع في انتخاب رئيس جديد، واستنكار الاعتداء على الجيش، وتكرار تحميل "حزب الله" ومن يتحالف معه جزءاً كبيراً من المسؤولية عما جرى في عرسال، وتبني مطلب "الكتائب" بتوسيع القرار 1701 ليشمل الحدود اللبنانية – السورية، وطالبت الحكومة بتأمين الحماية الكاملة لعرسال من العدوان الذي تتعرض له، وإنشاء مراكز إيواء منظمة على مقربة من الحدود[25].

وفي هذه اللحظة الحاسمة من الصراع السياسي والمعارك العسكرية، أعلن الرئيس سعد الحريري تقديم مساعدة سعودية فورية للجيش وقوى الأمن الداخلي وسائر القوى الأمنية الشرعية، قوامها مليار دولار، تخصص لرفد الدولة اللبنانية بالإمكانات التي تتيح لها دحر الإرهاب ورده على أعقابه[26]، في خطوة تعبر عن دعم المملكة العربية السعودية للبنان، في مكافحة الإرهاب ومساندة الجيش اللبناني والقوى العسكرية. وخلال 24 ساعة أطل الرئيس سعد الحريري من السرايا الحكومية، التي زارها للقاء رئيس الحكومة تمام سلام، حيث أبلغه قرار العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، تقديم مليار دولار إلى لبنان، مخصصة لتلبية الحاجات الملحة للجيش وجميع القوى والأجهزة الأمنية اللبنانية، بعد غياب قسري عن لبنان لثلاث سنوات، منذ العام 2011، فرضته الظروف الأمنية. وأكد الحريري في "لقاء جانبي" مع الصحافيين لدى مغادرته السرايا، أن "الوضع يستدعي وجودي في لبنان، وعودتي جاءت بعد الهبة السعودية للجيش اللبناني، وسنعالج كيفية تنفيذها"[27].

وجاء موقف رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، الذي طمأن إلى أن "داعش" لن يدخل أي منطقة في لبنان. وأسف على أن بعض الأصوات كانت تريد تحويل حادثة عرسال إلى صراع مستمر ودائم بين الجيش اللبناني والمسلحين السوريين، لمصلحة النظام السوري[28].

في أثناء ذلك كانت تدور مفاوضات حثيثة للإفراج عن العسكريين من قبل "هيئة العلماء المسلمين"، ولكن في 12 آب/ أغسطس جمّدت منظمة "لايف" التفاوض مع المسلحين (كان ظهور المنظمة مفاجئ وإختفائها أسرع)، وباتت "هيئة العلماء" وحيدة في الملعب، ويقول مسؤول ملف المفاوضات في الهيئة الشيخ عدنان أمامة لـ"النهار": الاتصال مستمر بالمسلحين أكان عبر وسطاء أو السكايب، وفي الوقت نفسه نرى مشقة بالغة في متابعة مبادرتنا، وقد نضطر إلى الانسحاب في حال بقيت الحكومة عند موقفها غير المرن[29]، وكان مرد وقف مبادرة هيئة العلماء حسبما أعلن الشيخ عدنان أمامة " ذكر امامة، إن المشكلة الاولى تتعلق بالطبيعة الجغرافية التي يتحرك فيها المسلحون وطريقة تنقلهم من مكان إلى آخر هناك، فهذا الامر "يتعبنا ويعرض وفدنا الى الخطر، ويؤخر وصول الرد من يوم او ثلاثة"[30]، ولكن يبقى السبب الأبرز عدم مرنة الحكومة اللبنانية آنذاك والتي كانت منقسمة جول مبدأ المفاوضات مع الخاطفين آنذاك.

في وقت كان "حزب الله" يرى على لسان نائب رئيس المجلس التنفيذي الشيخ نبيل قاووق، "أن الموقف الوطني يتطلب الحصول على إجماع من الحكومة، ومن فريقي 8 و14 آذار، لتقوية موقف الجيش، الذي ينبغي أن يتسلح بموقف سياسي، وبموقف شعبي داعم له في المعركة، وبالأسلحة النوعية، التي تكفل له أن يواجه الإرهاب التكفيري"[31]، في حين قال رئيس كتلة "المستقبل" فؤاد السنيورة، بعد لقاء مع الرئيس ميشال سليمان، إنه: لا نزال نعاني مشكلة أساسية هي الشغور في موقع الرئاسة، وقد عبرنا في أكثر من مناسبة عن أن هذا الموقع يجب ألا يشغر، ونحن نرى أن ما نحتاج إليه هو رئيس قوي يحظى بالتأييد من كل مكونات المجتمع، ولم يعد ممكناً الاستمرار بهذا الفراغ الذي نتج من تعطيل فئة من اللبنانيين جلسات مجلس النواب[32]، في حين لفت وزير الدولة لشؤون مجلس النواب، محمد فنيش، في حديث الى قناة "إن.بي.إن"، إلى أن "داعش" استفاد من التجييش والتحريض السياسي والطائفي والمذهبي، ليصل إلى هدف عبر عنه عماد جمعة، الذي كان يضع اللمسات الأخيرة على مشروع قيام هذه الجماعات، باحتلال عرسال ومهاجمة بعض القرى البقاعية، لإحداث مجزرة وإدخال البلد في فتنة طائفية، وجعل أجزاء من البقاع والشمال جزءاً من الدولة الإسلامية المعلنة في سوريا والعراق[33].

انتخابات رئاسة الجمهورية على وقع الإرهاب

واستمر الجدل السياسي في لبنان حول انتخابات الرئاسة، وقال النائب غازي العريضي لـ"النهار": الإرهاب أولوية على تدخل "حزب الله" في سوريا، وجنبلاط ليس "بيضة القبان" في الرئاسة، وإذا اتفق الكبار فلن نكون عثرة[34]، وجاءت القنبلة العونية المفاجئة، عندما أعلن أمين سر "تكتل التغيير والإصلاح"، النائب إبراهيم كنعان، في مؤتمر صحافي في ساحة النجمة، أن انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب على دورتين، وفقاً لاقتراح التكتل، يؤمن في الرئيس صفتي التمثيل الطائفي والتمثيل الوطني، مما يشكل حلاً دائماً لمسألة مشاركة المسيحيين في السلطة[35].

وسرعان ما بدأت جولة جديدة من المواقف والحملات المؤيدة والمعارضة لما أعلنه النائب كنعان، في ظل تصاعد "الحرارة" الأمنية، والتحذيرات من انفلات الأوضاع على وقع تهديدات خاطفي الرهائن بذبحهم في حال لم تلب المطالب، من الإفراج عن سجناء إسلاميين في سجن "رومية"، وسرعان ما أقدمت الجماعات الإرهابية على ذبح العسكري علي السيد، ومن ثم ذبح عسكري ثان هو عباس مدلج، وكل ذلك في ظل غليان شعبي وتهديدات أمنية من إطلاق نار وقطع طرقات، مع إحراق الإطارات في غير منطقة لبنانية مع اعتصامات وتجمعات.

ودعا أمين عام حزب الله حسن نصر الله للوحدة في البقاه لأن "هذا يحمي من الخطر، وإلا الخطر يجتاح الجميع، وأول من يدفع الثمن وقد دفع الثمن هو أهل عرسال[36].

وحضر التهديد الذي يمثله الإرهاب التكفيري في الكلمة المتلفزة التي ألقاها الرئيس نبيه بري مؤخراً في عين التينة، لمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لاختطاف الإمام موسى الصدر. وركز بري على ضرورة تحصين البيئة الوطنية لمواجهة الفكر التكفيري، لافتاً الانتباه إلى أن التصدي للإرهاب التكفيري ليس مسؤولية السنّة، كما أن التصدي لإسرائيل ليس مسؤولية الشيعة فقط، والتصدي لتهجير الأقليات ليس مسؤولية المسيحيين، إذ يجب أن يكون كل ذلك مسؤولية وطنية مشتركة تعبِّر عنها الدولة الواحدة، ومن الضرورة بمكان أن يكون مسؤولية عربية ودولية مشتركة. واعتبر أن إتمام انتخابات الرئاسة سيفتح الباب أمام الاستحقاقات الأخرى، ومنها الانتخابات النيابية، ما يطلق عملية سياسية نحن بحاجة إليها ضد إرهاب عابر للحدود[37]، وفي المقابل أكد الرئيس فؤاد السنيورة في خلوة لقاء سيدة الجبل، أولوية الحفاظ على استمرارية الدولة وتفعيل مؤسساتها، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية، داعياً في هذا السياق إلى انتخاب رئيس جامع وحكيم وعادل ومؤمن بصيغة الطائف وبإعلان بعبدا، وقادر على جذب الجميع إلى المناطق المشتركة في ما بينهم. مؤكداً "أننا على استعداد للبحث والتوافق بخصوص الرئيس الجديد الذي يحظى بتأييد غالبية اللبنانيين، لذلك نمد أيدينا ونبسطها على أساس الحوار مع شركائنا في الوطن، وليس على أساس الإرغام والتسلط والاستقواء"[38].

في حين رأى المرشح الرئاسي، رئيس حزب "القوات اللبنانية"  سمير جعجع أنه "بالرغم من كل نتائج وسلبيات تعطيل الانتخابات، "حزب الله "وفريقه مصر على تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية"، مشددا على أن "الوضع بالبلد بحاجة إلى ضبضبة وهذا لا يتم إلا عبر انتخاب رئيس".وشدد جعجع "سنبقى نطالب ونطالب حتى نصل الى انتخاب رئيس للجمهورية"، مشيرا الى أنه "مرّ أكثر من ثلاثة أشهر من دون رئيس مما ينعكس على وضعنا السيادي والاقتصادي والسياسي، وبعد مرور ثلاثة أشهر كل البلد معلّق وكل نتائج وتداعيات وسلبيات تعطيل الانتخابات الرئاسية يستغلها "التيار الوطني الحرّ" و"حزب الله".،ولافتاً الى أنه "لا يمكن ان نتأمل بحل اي مشكلة نعيشها سوى بانتخاب رئيس للجمهورية"، مشيرا الى أنه "اذا رئيس رئي تكتل "التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون انه لا يوجد حظوظ لانتخابه يجب ان نجلس سورية لإيجاد مخرج لهذا الموضوع"، مؤكدا "استعدادنا للجلوس مع الفريق الاخر لنتفاهم، لكنه لا يريد، ومن المهم ان نضع الرأي العام في المعطيات الحقيقية[39]"

وأشار رئيس تيار المستقبل سعد الحريري في بيان لمناسبة عيد الأضحى المبارك توجه به إلى اللبنانيين والعرب، الى ان "لا مفر أمامنا إزاء هذا السيل الجارف من الماسي والتحديات، إلا أن نتخذ من عيد الأضحى قاعدة لتجديد الأمل بقدرتنا على تجاوز المحنة ومواجهة المخاطر بإرادة وطنية تتوحد على مفهوم مشترك لاستئصال الإرهاب وحماية لبنان، والإقرار بوجوب تحييده والتوقف عن زجه في لعبة المحاور الخارجية والصراعات المحيطة".

واعتبر الحريري أن لبنان يحتاج لما هو أكثر من التمنيات والنيات الحسنة. انه يحتاج إلى قرار بإعلاء المصلحة الوطنية على مصالحنا الطائفية والسياسية، وهذا أمر لن يتحقق إلا من خلال إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، والالتفاف حول الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية، بصفتها القوى المسؤولة حصرا عن التصدي للارهاب وكل أشكال التعدي على السيادة الوطنية".

ولفت الى إن "فرحتنا بالعيد لن تكتمل قبل إن نجد جنودنا المخطوفين في أحضان أهلهم، وهذه مسؤولية تستحق الإجماع الوطني والمبادرة لاتخاذ القرار الحاسم، مهما غلا الثمن"[40].

تحول الصراع داخل لبنان والسيناريوهات المحتملة؟

وفي تصاعد التوتر في المحيط الإقليمي وبدء العمليات العسكرية الغربية والعربية ضد تنظيم " داعش " في سوريا والعراق، وكذلك استمرار التوتر والمناوشات في عرسال وطرابلس بين المقاتلين الإسلاميين والجيش اللبناني،، ولبنان اليوم على مفترق خطير، فإما يحصل الإنفجار الكبير في دولة دون رأس، دون رئيس جمهورية، دولة ستكون قريباً دون مجلس نيابي، دولة منقسمة على نفسها، وسط محيط إقليمي متفجر، دولة على حافة انهيار أمني اقتصادي، فأن السيناريوهات المحتملة تتراوح بين تفاءل وتشاءم، في ظل إنتظار تبلور صورة الوضع الإقليمي، وبشكل أدق يرتبط لبنان بملفين أساسيين، هما ملف الأزمة السورية ، وملف العلاقات الإيرانية السعودية. ولكن قد تكون بداية التحصين في انتخاب رئيس للجمهورية، وأضعف الإيمان في العمل على بناء الوحدة الوطنية، والعمل بجدية على التحصين في مواجهة النيران المتمددة في الإقليم وإلا فإن لبنان أمام خطر الإنفجار والتقسيم.

 

المصادر

[1]  موقع "النشرة " الإلكتروني اللبناني  2 آب / أغسطس 2014.

[2]  صحيفة "المستقبل" اللبنانية 3 آب / أغسطس 2014.

[3]  المصدر السابق نفسه.

[4]  صحيفة "النهار" اللبنانية 4 آب/ أغسطس 2014.

[5]  المصدر السابق نفسه.

[6]  العربية نت ، السبت 11 / آب أغسطس 2014.

[7]  صحيفة "النهار" اللبنانية 5 آب/ أغسطس 2014.

[8]  صحيفة "النهار" اللبنانية 6 آب/ أغسطس 2014.

[9]  صحيفة "النهار" اللبنانية 7 آب/ أغسطس 2014.

[10]   صحيفة "المستقبل" اللبنانية 3 آب/ أغسطس 2014.

[11]  المصدر السابق نفسه.

[12]  صحيفة "المستقبل" اللبنانية 3 آب/ أغسطس 2014.

[13]  المصدر السابق نفسه.

[14]  صحيفة "النهار" اللبنانية 4 آب/ أغسطس 2014.

[15]  المصدر السابق نفسه.

[16]  صحيفة "الحياة" 4 آب/ أغسطس 2014

[17]  صحيفة "الأنوار" اللبنانية 4 آب/ أغسطس 2014.

[18]  صحيفة "النهار" اللبنانية 5 آب/ أغسطس 2014

[19]  صحيفة "الأخبار" اللبنانية  5 آب/ أغسطس 2014.

[20]  صحيفة "النهار" اللبنانية 5 آب/ أغسطس 2014

[21]  صحيفة "الجمهورية" اللبنانية 5 آب/ أغسطس 2014.

[22]  http://www.tajamo.net/data/alkitab/Kitab.htm، الموقع الرسمي لـ "تجمع العلماء المسلمين ".

[23]  صحيفة "الأنوار" اللبنانية 5 آب/ أغسطس 2014.

[24]  صحيفة "النهار" اللبنانية 6 آب/ أغسطس 2014 .

[25]  المصدر السابق نفسه.

[26]  صحيفة "النهار" اللبنانية 7 آب/ أغسطس 2014.

[27]  صحيفة "النهار" اللبنانية 9 آب/ أغسطس 2014.

[28]  صحيفة "النهار" اللبنانية 9 آب/ أغسطس 2014.

[29]  صحيفة "النهار" اللبنانية 13 آب/ أغسطس 2014.

[30]  صحيفة "النهار" اللبنانية 13 آب/ أغسطس 2014.

[31]  صحيفة "المستقبل" 14 آب/ أغسطس 2014.

[32]  صحيفة "النهار" 19 آب/ أغسطس 2014.

[33]  صحيفة "المستقبل" اللبنانية 20 آب/ أغسطس 2014.

[34]  صحيفة النهار 23 آب/ أغسطس 2014.

[35]  صحيفة "النهار" اللبنانية 23 آب/ أغسطس 2014.

[36]  في خطابه في ذكرى حرب تموز في 15 آب/ أغسطس 2014، http://www.mediarelations-lb.org

[37]  صحيفة "السفير" اللبنانية 1 أيلول/ سبتمبر 2014.

[38]  صحيفة "النهار" اللبنانية 31 أيلول/ سبتمبر 2014.

[39]  http://www.elnashra.com ، موقع النشرة الإلكتروني، 9 تشرين الأول / أكتوبر 2014.

[40]  http://www.elnashra.com، موقع النشرة الألكتروني، 3 تشرين الأول / أكتوبر 2014.

النشرة الالكترونية

كلمات دليلة

عاجل

x