داعش واستراتيجية تصدير الخوف.. بين المنطوق والمسكوت عنه

بقلم : هاني نسيرة هاني نسيرة
الثلاثاء هـ - 18 نوفمبر 2014م

مسافة تزيد عن مائة يوم بين الظهور الأول للخليفة الداعشي أبي بكر البغدادي في 4 يوليو سنة 2014 وبين تسجيله الصوتي الثاني في 13 نوفمبر الجاري، يكشف أزمة هذا التنظيم الذي لا زال ينجح في استراتيجية تصديره الخوف لمعارضيه بممارساته الوحشية والعنيفة، رغم تراجعاته المستمرة منذ بدء ضربات التحالف الدولي عليه في سوريا والعراق، كما لن يلتفت الكثيرون لما أذاعته العديد من وكالات الأنباء عن مقتل 22 عنصرا من داعش يوم 17 نوفمبر بفعل ضربات التحالف الدولي بنقطتين مختلفتين قرب الموصل، أو مقتل خمسين عنصرا آخرين من التنظيم بينهم المساعد الشخصي للبغدادي أبو حذيفة اليماني يوم 8 نوفمبر الماضي، إثر ضربات التحالف في قضاء القائم قرب الأنبار .

يواجه داعش أزمات بنيوية، تتحدث عن خلافات بين عناصره، حسب مصادر محلية وعشائرية في العراق وسوريا خلال شهر نوفمبر الجاري، يدل عليها إعدامه عددا من قادته وعناصره، خلال الشهور الماضية، ربما كان آخرها في 14 نوفمبر حيث أعدم قيادياً بارزاً في التنظيم من الجنسية السورية، وقام بصلبه وفصل رأسه عن جسده عند دوار الجرداق في مدينة الميادين، بتهمة:أخذ مال المسلمين بغير حق بتهمة أنهم مرتدين، واختلاس أموال من بيت مال الدولة الإسلامية” وحُكِمَ على القياديِّ ” بالقتل حرابة بأمر أمير المؤمنين”[1] ولعل في العفو الذي أصدره البغدادي يوم الأربعاء 5 نوفمبر الجاري بالسماح للمواطنين من عشيرة الشعيطات بالعودة إلى قراهم وبلداتهم ومنازلهم وتم نشره مصورا في 6 نوفمبر ما يوحي بهذه الأزمة التي بات يواجهها التنظيم الذي يعادي الجميع ويمارس المفاصلة والاستحلال تكفيرا وقتلا لكل المخالفين.

 

الصورة وصناعة الرعب:

تستمر داعش  في انتهاج استراتيجية تصدير الخوف لخصومها، التي تستهدف في الآن نفسه زرع الثقة في نفوس عناصرها الذين قتل عدد من أبرز قادتهم، دون إقرار بتوقف تقدمها وتراجعها في العديد من المناطق العراقية التي سبق أن سيطرت عليها، أو تراجعها في كوباني التي تقدمت فيها خلال الأسبوعين الماضيين قوات وحدات الحماية الكردية.

خلال الشهر الماضي يمكن القول إن داعش كان يحكم ثلث العراق وثلث سوريا التي يبلغ عدد سكانها ما بين 10 و 12 مليون شخص يعيشون في مساحة 250000 كيلومتر مربع، بنفس حجم بريطانيا العظمى، وهذا يعطي الجهاديين مجموعة كبيرة من المجندين المحتملين، ويبلغ بعض المراقبين بمجنديه ما يزيد عن مائتي ألف عنصر مقاتل، وأن ما قيل في السابق من أن حجمه 30 ثلاثون ألفا تزيد قليلا ربما كان عن نواته الأولى من المقاتلين، ويؤكد هذا الرأي وجهة نظره باتساع الجبهات التي يقاتل عليها داعش من 650 ميلا يواجه بها إقليم كردستان إلى مواجهات في الأنبار وبالقرب من بغداد، إلى كوباني على الحدود التركية، وهو ما يؤكد أن داعش ربما أخطر من القاعدة أضعافا ولكن لا ينفي في الآن نفسه توقف تقدمه في المناطق التي سيطر عنها وتراجعه عن بعضها[2].

كذلك نجح داعش في ترويع معارضيه من خلال نشر الفظائع الخاصة بهم، وكانت داعش قد طورت خليط فعال من التكتيكات والتي تضم المفجرين الانتحاريين، والألغام، والقناصة، واستخدام معدات الولايات المتحدة التي تم الاستيلاء عليها من الجيش العراقي مثل عربات الهمفي، والمدفعية والدبابات، بينما لا زال الجيش العراقي بحاجة لإعادة التأهيل والأكراد يطلبون الأباتشي والمعارضة السورية المعتدلة تفتقد الدعم!

نعم سيظل  العالم يذكر مقتل بيتر كاسنج الرهينة الأمريكي الذي قتلته  داعش حسب تسجيل مصور يوم 16 نوفمبر الماضي، وكذلك سيظل يذكر الثمانية عشر جنديا الآخري الذين قتلوا معه.

وبيتر كاسنج هو الرهينة الغربي الخامس الذي تقطع داعش رأسه منذ آب/ أغسطس الماضي، بعد الصحافيين الاميركيين جيمس فولي وستيفن سوتلوف وعاملي الاغاثة البريطانيين آلن هينينغ وديفيد هينز، لتستمر حلقات مسلسل الخوف ونصرة الرعب التي تمارسها داعش لتأكيد حضورها كما سبق أن التزمتها القاعدة وفروعها، ولكنها تهدف كذلك لزرع وتثبيت الثقة في قلوب أنصارها.

 نجح داعش عبر هذه الاستراتيجية والضخ الإعلامي المستمر لمتوحشيه في تصدير الخوف، وإخفاء تراجعاته ومقتل العشرات من قادته ومقاتليه، في معارك كوباني أمام وحدات الحماية الكردية، كما استطاع الجيش العراقي إحراز تقدم باتجاه مصفاة بيجي وتراجعت داعش عن كثير مما سبق أن سيطرت عليه في يونيو وأغسطس الماضي قبل بدء ضربات التحالف الجوي، وقتل عدد من قادة داعش في كمائن مسلحة للعشائر في صلاح الدين والرمادي إلى غير هذا من التراجعات، التي لا يعترف بها التنظيم ويريد أن يطمسها زرعا للثقة في نفوس عناصره والخوف في نفوس أعدائه، كما قتل أحد قوادهم من أصل عربي في 27 سبتمبر الماضي، كما قتل عدد من قادتهم.

إن هذا التنظيم الذي يشبه أكثر فرق الخوارج تطرفا ،كالمحكمة ولأزارقة والنجدات، يدرك أنه يقايض الأرواح بالمال، والرهائن بالفديات، شأن أي عصابات مسلحة، ويتجلى اشتهاؤه للنفط بالخصوص، والسعي المستمر للسيطرة على المناطق الغنية به.

عقب انتقادات من أسرة  بيتر كاسنج للحكومة الأمريكية، حيث لم يوافق المسئولون الأمريكيون على إطلاق أسرته لحملة تبرعات لدفع فدية مالية لإنقاذ ابنها، على غرار ما حدث مع بعض الرهائن الأوربيين، من دفع بعض الأوربيين الذين تم إنقاذهم من آلة الموت الداعشية مقابل مبالغ كبيرة دفعت بشكل سري،  وهو ما أدى في النهاية لمقتل الشاب بيتر كاسنج، الذي لم يشفع تحوله للإسلام له عند الداعشيين ليذبح بسكين بارد! وهو ما دعى أباما في رسالة مؤرخة بتاريخ اليوم الثلاثاء 18 نوفمبر الجاري للمطالبة بمراجعة الإجراءات الأمريكية فيما يخص الرهائن، وقد نشرت غداة بث تنظيم الدولة الاسلامية المتطرف شريط فيديو يظهر عملية ذبح الرهينة الاميركي بيتر كاسيغ على يد عنصر في تنظيم "الدولة الاسلامية" الجهادي.

إن استراتيجية تصدير الخوف معهودة لدى مختلف هذه التنظيمات، أبناء القاعدة وأخوات داعش، خلال الأشهر القليلة الماضية نشطت كذلك تنظيمات الإرهاب في مصر وليبيا في عملياتها الوحشية التي تندرج في إطار استراتيجية الخوف، فقد أعلن تنظيم بيت المقدس في 15 نوفمبر الجاري مسئوليته عن عملية كرم القواديس التي وقعت في نهاية شهر أكتوبر الماضي وراح ضحيتها 32 جنديا من الجيش المصري، كما أعلن التنظيم في 10 نوفمبر مبايعته لتنظيم داعش في 10 نوفمبر وفي 14 نوفمبر حول اسمه لولاية سيناء التي تتبع تنظيم الدولة الإسلامية داعش وتبايع خليفته أبو بكر البغدادي، الذي صدر عنه تسجيل صوتي في 13 نوفمبر يعلن قبوله البيعات من التنظيمات التي بايعته، ويؤكد أن تنظيمه لم يتأثر من ضربات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضده، وهو ما سبقه أن قاله المتحدث باسم داعش العدناني في 24 سبتمبر الماضي في فيديو بلغت مدته 42 دقيقة، داعيا الولايات المتحدة لإنزال جنودها على الأرض.

وقد نجحت هذه التنظيمات مرات عديدة، سالفا ولاحقا، في إخفاء إخفاقاتها وتراجعاتها، ونشر الهستيريا الجماعية عبر إطلاق تهديدات فارغة أو حتى عبر هجمات فاشلة، لكن لاحظ العديد من المراقبين منذ مدة طويلة أن الإرهابيين يفقدون الكثير من قدرتهم على نشر الهلع، إذا كان الناس المستهدفون يتحلون برباطة الجأش، فلم يكن يتخيل أحد منا هذا المحبس الذي قتل فيه بن لادن في أبوت أباد في 2 مايو سنة 2011، ولم يكن يتخيل مع لهجة الثقة والوعد والاقتدار التي كانت تلفه وتشمله وتشمل أنصاره أنه يحيا منعزلا عن العالم مهووسا بالمتابعة.

كيري التقط الخيط:

قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري الاثنين في لقاء تليفزيوني يوم 17 نوفمبر، إن العالم لن يسمح بأن "ترهبه" وحشية تنظيم الدولة الإسلامية الذي أعلن قتل الرهينة الأميركي بيتر كاسيغ، داعيا شركاء الولايات المتحدة إلى تكثيف الحرب على الجهاديين الذين باتوا يسيطرون على مناطق كبيرة في العراق وسورية ويتعرضون لقصف واشنطن وحلفائها.

ونوافق على وصف كيري تماما إن "هذا النزاع معركة بين الحضارة والوحشية. إذا لم ننجح في الانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية لن يكون هناك مستقبل للشرق الأوسط، ودافع عن الغارات الجوية التي تستهدف يوميا مواقع داعش وقواعده في العراق وسورية" مؤكدا تفهمه لاستراتيجية التخويف والترهيب التي تمارسها داعش ضد العالم قائلا:" فلتكن الأمور واضحة : لا نشعر بالترهيب وأنتم لا تشعرون بالترهيب ولا يشعر أصدقاؤنا وشركاؤنا بالترهيب".

داعش عبر التواصلية:

   سمحت التغطية المتلفزة على مدار الساعة والاستخدام المتزايد لشبكة الإنترنت بنشر الهجمات الإرهابية لحظة حدوثها وبكل تفاصيلها، وهذا ما سمح لأعداد كبيرة من الناس بمتابعة البث المباشر لهجمات إرهابية كأحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 أو إطلاق النار العشوائي التي نفذّتها مجموعة من المسلّحين في شوارع بومباي في نوفمبر 2008.

ويظل الإعلام التليفزيوني والإنترنتي هدفا وأولوية لدى التنظيمات الإرهابية، وأحسنت ممارسته القاعدة وفروعها، وكانت أكثرها تميزا فرعها في العراق، الذي شكله وكونه الزرقاوي ومثل سلف داعش الحالي، وأوجبته على عناصرها لتصدير الثقة في نفوسها وتصدير الخوف لمعارضيهسا، وتأكيد حضورها المهزوز والذي يتوقع نهايته في أي لحظة، يسكنه الخوف فيطرده بتصديره للآخرين.

 لا شك أن المشاهدين يتابعون أخبار هذه التنظيمات، ولكنهم يكونون كذلك شهوداً وضحايا ثانويين للعنف، حيث يسعون إلى ترهيب جمهور بعينه، لكن التغطية الإعلامية توسّع الجمهور الذي يتأثر بالهجمات الإرهابية ليشمل أعداداً كبيرة من الناس، الذين يعيشون بعيداً عن مواقع مثل هذه الهجمات، وقد تكون سبيلا للتجنيد وترويجه عند العوام المتقبلين للتطرف بأنه صراع بين الحق والباطل، أو أن ما تعد به داعش وأخواتها وفروعها قابلا للتحقق والنجاح بدرجة ما.

ولكن لا شك أن المواقع التواصلية مثلت منبرا مهما للتنظيمات الإرهابية في نشر استراتيجيتهم للخوف التي هي استراتيجية لزرع الثقة المهتزة في عناصرها ومجنديها كذلك، وتركز داعش وأخواتها على المواقع التواصلية بشكل واضح، ويستخدم نشطاؤها تقنيات معينة للوصول إلى أكبر عدد مكن من المتابعين، كاستخدام الهاشتاغ الأكثر انتشارا، حيث استخدموا الاستفتاء في اسكتلندا، لأنهم يعلمون أن هناك الكثير من المتابعين لأي هاشتاغ يتعلق بالموضوع، وهو ما أكده تحقيق للغارديان البريطانية في 27 سبتمبر الماضي.

كما يعتمدون على عامل السرعة لتجنب الرقابة على تويتر ويوتيوب، كذلك يستخدمون أكثر من حساب احتياطي على تويتر، وينشرون بدون إسم في بعض الأحيان، واتضح هذا في نشاط شركة الفرقان التي تمثل الذراع الإعلامي لداعش، حيث وضعت لقطات فيديو للصجفي جيمس فولي، ثم في وقت لاحق وضعوا لقطات تصور الرهينة البريطاني جون كانتلي خلال ساعات من شن غارات ضدهم في سوريا والعراق، وهو ما يكشف الرسالة المرغوبة زمنيا من تصدير الخوف وزرع الثقة في آن واحد.

  • يساعد داعش دون قصد ولع النشطاء التواصليين بهذه الأخبار، وعدم دقة معلوماتهم، فقد ترافقت عمليات إطلاق النار التي وقعت في 22 أكتوبر 2014 في أوتاوا الكندية مع ظهور عدد من التغريدات الخاطئة، التي زعمت أن العديد من المسلّحين كانوا متورطين في الهجمات.
  • كما قد تسهم والتصريحات الحكومية أيضاً على تضخيم تأثير الأساليب الإرهابية، وهذا ينطبق، مثلاً، على إصدار الحكومات تحذيرات خاطئة بشأن الإرهاب أو عندما يحاول بعض السياسيين الترويج لسيناريوهات تهديدات وهمية، لتحقيق مكاسب سياسية، كالتهديد المستبعد تماماً والمتمثل بالتعاون بين عصابات المخدّرات المكسيكية والتنظيمات الجهادية في الولايات المتحدة الذي كان قبل شهور.

لكن الإرهاب ليس المجال الوحيد الذي يشهد مضخّمات قادرة على بث الرعب، فقد لمسنا مؤخراً الكثير من الخوف العامّ بسبب فيروس الإيبولا، ولا يرجع السبب الوحيد في ذلك إلى التركيز المكثّف لشبكة السي إن إن وشبكات إخبارية أخرى على الإيبولا، بل يرجع أيضاً إلى تركيز وسائل التواصل الإجتماعي على هذا الفيروس، كما أن السياسيين يشجعون هذه الحالة وهناك حكومات اتخذت بشأن هذا الفيروس قرارات تفتقر إلى أي أساس علمي، حسب الرؤية الأمريكية.

ختاما  تبدو استراتيجية داعش ليست جديدة في تصدير الخوف، وإخفاء الإخفاقات، فهي استراتيجية مستمرة منذ قدم لدى الحركات الجهادية والقاعدة، وهي جزء من بروباجندا الحرب النفسية والدعائية التي تشحذ الثقة في نفوس المؤيدين وتبث الخوف في نفوس المعارضين بكل شكل ممكن، ولكن لا شك أنها تدفع العالم لمزيد من الإصرار للقضاء عليهم والتخلص من وحشيتهم، هذا ما تكشفه القراءة الموازية لتصريحات وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل في جلسة الاستماع أمام الكونجرس الأمريكي في 13 نوفمبر الماضي، ويؤكد عليه أوباما في تصريحاته المتتالية، كما تؤكده عشائر الأنبار والتحالف والإجماع الكردي المواجه لداعش في كوباني وكذلك تطورات المعارضة السورية المعتدلة التي شاركتها الدفاع عن كوباني كما تتقدم في درعا وغيرها في الأيام الأخيرة.

المصادر

[1] حسب بيان للمرصد السوري لحقوق الإنسان في 14 نوفمبر سنة 2014

[2] جريدة الإندبندنت يوم الأحد 16 نوفمبر سنة 2014 على الرابط التالي: الرابط

النشرة الالكترونية

عاجل

x