داعش ومياه الفرات الحقيقة وادعاءات المالكي!

بقلم : عمر الشاهر عمر الشاهر
الإثنين هـ - 14 أبريل 2014م

صدق كثيرون إعلان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في أبريل الحالي وقبل أيام قليلة، من الانتخابات التشريعية المزمعة نهاية هذا الشهر، أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، الذي يتمركز في أجزاء عديدة من محافظة الأنبار، التي تقع في غرب العراق، ويغلب السنة على سكانها، قطع مياه نهر الفرات، القادم الى العراق من تركيا عبر سوريا، عن مدن الوسط والجنوب، ذات الغالبية الشيعية.

والحقيقة، بحسب روايات مصادر محلية وشهود عيان، هي أن "داعش" ربما حاولت استثمار ازدياد منسوب المياه في منطقة معينة تقع بين مدينتي الفلوجة والرمادي، وأغرق بها جزءا من الأراضي المنبسطة، التي كان الجيش يستخدمها لشن بعض عملياته العسكرية في مدينة الفلوجة المحاصرة منذ ما يزيد على ١٠٠ يوم.

بدأت القصة، عندما صدرت أوامر من وزارة الموارد المائية، بخفض معدلات تدفق مياه الفرات من سد الرمادي الى الفلوجة، للضغط على سكانها المتبقين، الذين يعتقد أن "داعش" تتخذهم دروعا بشرية، للمغادرة، وذلك عبر خفض منسوب المياه في مستوى النهر عندما يمر قرب الفلوجة، فتفشل شبكات تنقية المياه في عملها، ما ينتج شحة في مياه الشرب، قد تجبر المتبقين من السكان على المغادرة، لكنها شحة لا تتعلق بالفلوجة وحدها، بل بكل المدن التي تليها على مسار النهر، وهي مدن الفرات الأوسط والجنوب.

وبحسب المصادر المحلية، فقد انخفض منسوب المياه في الفرات عندما يصل الى الفلوجة، الى ما دون ٧٠ سم، وهو المعدل اللازم لتشغيل شبكة المياه المحلية في الفلوجة التي يعود انشاؤها الى سبعينات القرن الماضي، وإلى أقل من هذا المعدل بكثير في المدن التالية، ذات الكثافة السكانية الشيعية..

هذا الوضع الذي يهدد سكان الفلوجة، دفع بعض وجهائها الى الطلب من مسلحين محليين التدخل، وإجبار الجهات الحكومية في المدينة على رفع منسوب المياه في الفرات، عبر اغلاق بوابات سدة الفلوجة..

ومن أجل رفع منسوب المياه عند مقدمة سد الفلوجة، ارتفع منسوب المياه في أكثر من منقطة بين مدينتي الرمادي والفلوجة، ما يبدو أنه لفت أنظار عناصر "داعش"، الذين سارعوا الى فتح العديد من الثغرات في مجرى الفرات، وتحديدا باتجاه مناطق منبسطة تنخفض بمعدل نحو ٤ أمتار عن مستوى سطح النهر، فجرى إغراقها بسهولة.. والهدف كان واضحا: شل حركة الارتال العسكرية، وهو ما تحقق فعلا، عندما نقل شهود عيان في محيط الفلوجة روايات عن غرق العديد من الآليات العسكرية ومغادرتها من قبل الجنود، الذين تعرض بعضهم للأسر..

لكن استمرار اغلاق بوابات الفلوجة، كان يعني أيضا غرق جميع المناطق القريبة من النهر، وهذا يستلزم شرحا فنيا، أجمله في الآتي:
يتم التحكم بمستوى مياه الفرات من بحيرة سد حديثة، الواقعة على بعد نحو ٢٠٠ كم الى الغرب من مدينة الرمادي، ونحو ٢٥٠ كم عن الفلوجة، بين بغداد والحدود السورية، . ويتم ضخ المياه من حديثة عبر نهر الفرات الى الرمادي حسب الحاجة، وفي الرمادي يتفرع الفرات الى قسمين:

 الأول: ناظم سدة الرمادي، الذي يستمر الجريان فيه وصولا الى الفلوجة، وعند وصوله الى الفلوجة تحديدا، يخرج منه ناظم فرعي، يدعى "سن الذبان" يتم من خلاله تزويد بحيرة لخزن المياه، تدعى الحبانية، وتقع شمال شرق الفلوجة، تكون مسؤولة عن تزويد مناطق الوسط والجنوب بالماء في مواسم الجفاف..

الثاني: أما فرع الفرات الثاني، فيدعى ناظم الورار الذي يتجه مباشرة نحو بحيرة الحبانية، سالفة الذكر..

وبحسب مختصين، فإن وزارة الموارد المائية، التي خفضت منسوب المياه عبر سدة الرمادي، لإجبار بقايا مدنيي الفلوجة على النزوح، قامت تاليا، بزيادة تصريف سد حديثة الى ٤٠٠م٣/ثا وكلها تعبر من ناظم سدة الرمادي وتتجه الى الفلوجة .. مع الإبقاء على مستوى التدفق من ناظم الذبان المتجه الى الفلوجة، ما رفع معدل التدفق نحو الفلوجة، بشكل مفاجئ، الى نحو ٦٠٠ متر مكعب في الثانية، وهي خطة واضحة لإغراق المدينة، وبدل ان تقوم الحكومة بتحويل المياه نحو بحيرة الحبانية لضمان عدم اغراق الفلوجة أولا وضمان استمرار التدفق نحو الوسط والجنوب، قامت بتركيز المياه عند سدة الفلوجة، ثم جرى الاعلان الرسمي عن محاولات "داعش" قطع المياه عن "شيعة العراق"، وهو الأمر الذي لقي أصداء واسعة، وكاد يفجر حربا طائفية جديدة..

وما يعزز هذا الأمر هو انصراف طيران الجيش العراقي عن تنفيذ خطته المعروفة للتعامل مع الجسور في الأنبار، والتي اتبعها في العديد من المرات وجاءت بنتائج جيدة، اذ كان من الممكن توجيه ضربات جوية لأي نقطة في جسر الفلوجة الذي يمتد لنحو ١٥٠ مترا، وهو السيناريو الذي لجأ اليه الطيران في حالات سابقة في الرمادي، عندما هاجم جسور البو مرعي والقاسم والبو عساف والصديقية، لمنع المسلحين من الاستفادة منها..

وبعدما اطمأن القائمون على أمر الفلوجة، إلى أن معدل التدفق في الفرات سيساعد شبكات تنقية المياه على العمل، عادوا الى فتح بوابات سد الفلوجة..

يشار الى أن معدلات التدفق في نهر الفرات تعاني تذبذبا كبيرا منذ سنوات، بسبب ما يعرف بمشروع الگاب الكبير، الذي تنفذه تركيا على مجرى النهر في أراضيها، وهو عبارة عن سلسلة سدود، أبرزها سد إيلسو، تستهدف التحكم بمستويات التدفق نحو الدول المتشاطئة، فضلا عن توليد الطاقة الكهربائية، وقد شكلت كل من بغداد وأنقرة لجانا للتفاوض بشأن حصص المياه، وهي تعقد اجتماعات دورية..

وبسبب مشروع الگاب الكبير في تركيا، تسجل محافظات الوسط والجنوب تدنيا كبيرا في معدل المياه التي تصل اليها، سواء من الفرات، أو من نهر دجلة، الذي ينحدر من تركيا أيضا، لكنه يدخل العراق دون المرور بسوريا، على عكس الفرات..

النشرة الالكترونية

عاجل

x