دون الأسد الحرب على داعش في سوريا

بقلم : عبد العظيم محمود حنفي عبد العظيم محمود حنفي
الثلاثاء هـ - 23 سبتمبر 2014م

صباح اليوم الثلاثاء 23 سبتمبر العام 2014 كانت الأخبار تتوارد عن الضربات الأمريكية لتنظيم داعش في محافظة الرقة التي يسيطر عليها التنظيم بالكامل، بعد أن طرد قوات الأسد بالكامل منها في معركتهما الوحيدة في معسكر الطبقة آواخر أغسطس الماضي.

ونفت الإدارة الأمريكية في حديث لواشنطن بوست صباح اليوم أي تنسيق أو استئذان من نظام بشار الأسد حسبما أعلنت الخارجية السورية، مؤكدة أن الحرب الدولية بالقيادة الأمريكية على داعش بدون الأسد، الذي كان أحد روافد هذا التنظيم وحواضن ظهوره وتوسعه، وما كان سبب  الأزمة لن يكون سببا في الحل..

وأعلن البيت الأبيض يوم 22 سبتمبر أن الولايات المتحدة رفضت اقتراحا طرحه مسؤولون إيرانيون تتعاون إيران بموجبه في محاربة مقاتلي تنظيم داعش مقابل مرونة بشأن برنامجها النووي. وقال مسؤولون إيرانيون كبار لـ«رويترز» بأن إيران مستعدة للعمل مع الولايات المتحدة وحلفائها لوقف مقاتلي داعش لكن تريد مزيدا من المرونة بشأن برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني في المقابل. وحين طلب من المتحدث باسم البيت الأبيض جوش ايرنست التعليق رد رافضا الاقتراح الإيراني وقال: إن جهود القوى العالمية لإقناع إيران بالتخلي عن برنامجها النووي «منفصلة تماما» عن جهود الرئيس باراك أوباما لبناء تحالف ضد «داعش»..

وأضاف أن: «الولايات المتحدة لن تكون في وضع لمبادلة جوانب من برنامج إيران النووي لتأمين التزامات لتحدي الدولة الإسلامية»[1].

يذكر أن وزير الخارجية الإيراني سبق أن صرح يوم 10 سبتمبر الماضي بأن الولايات المتحدة ليست جادة في الحرب على التنظيم الإرهابي، رغم أنه لم يكف عن عرض استعداد بلاده للمشاركة في التحالف الدولي ضدها، ولا زالت تعرضه عبر أصوات متعددة، كما أتت التصريحات السابقة لرويترز أمس..

يوجه الرئيس الأمريكي أوباما كلمة للعالم مساء الأربعاء 24 سبتمبر القادم من سدة مجلس الأمن يتوقع خلالها دعوة الدول الأعضاء لمواجهة للتصويت على مشروع قرار أمريكي في الحرب على الإرهاب وتجفيف منابعه ومواجهة سبل التجنيد والتمويل، وجمع أكبر شراكة عالمية في الحرب المستعادة على الإرهاب بعد صحوة داعش ودين قطع الرقاب السائد في المنطقة.

 افتتحت الولايات المتحدة حربها على داعش في سوريا من خلال تصويت الكونجرس الامريكى  بمجلسيه يوم 10 سبتمبر بالموافقة على الشق السوري من استراتيجية اوباما  للحرب على داعش التى اعلنها  في  11 سبتمبر 2014  وتنطلق من اعتبار ذلك التنظيم الارهابي  يشكّل خطرًا داهما على شعبي العراق وسوريا، وعلى الشرق الأوسط الأعم، فضلا عن خطره على المواطنين الأميركيين، وحلفاء الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة. وقد يشكّل داعش، إذا ترك دون رادع، خطرًا متفاقمًا يتجاوز تلك المنطقة، ليشمل الوطن الأميركي.[2]

استراتيجية غامضة أم دهاء سياسي:

استراتيجية اوباما  بشان داعش في سوريا لا تشي بالوضوح  ذاته كما هي محددة في العراق  فالهدف الحطّ من قدرات داعش وتدميره في نهاية المطاف من خلال استراتيجية شاملة ومستدامة لمكافحة الإرهاب ولتحقيق هذا الهدف، ترتكز الاستراتيجية على ائتلاف قوي من الشركاء الإقليميين والدوليين يقدمون  الموارد والإرادة لهذا المجهود الطويل الأمد. والقيام "بحملة منظمة من الضربات الجوية ضد هؤلاء الإرهابيين. وبالعمل مع الحكومة العراقية بضرب أهدافا لداعش بالتزامن مع قيام القوات العراقية بالهجوم. اما بالنسبة لداعش في سوريا فهي ترتكز على حرمان داعش من  الملاذ الآمن في سوريا  وعدم التردد في اتخاذ إجراء ضد داعش في سوريا وفق ما اعلنه اوباما إذا هددتم أميركا، فإنكم لن تجدوا ملاذا آمنا  في سوريا ""[3]

وأثبتت الاحداث ان تكاليف انتشار الأزمة السورية في المنطقة وتبعات التطرف، خصوصاً هيمنة «داعش» على الميدان السوري، واضحةً للعيان. وباتت سوريا كارثة، وليس بينها وبين العراق حواجز حدودية، وتمتد داعش فيهما في ثنايا النظامين الفاشلين والهشين بقايا الأسد وفي عهد المالكي السابق، وبالطبع يرتبط ظهور الصراع الطائفي المرعب في العراق بصورة معقدة بما يحدث في سوريا. ولن يكون هناك حلّ فعال أو ممكن لمواجهة التهديد الذي تمثله «داعش» في العراق من دون اتخاذ خطوات في سوريا تحرمها من ملاذها وقاعدة تجنيدها.[4]

جدل عزل الأسد والتقارب معه:

طرحت بعض الاصوات القليلة  التى ترى التنسيق  العسكري مع النظامين السورى والايراني وان بشكل غير علنى في اطار الشراكة مع الاعداء وحاججوا : ان  االمعارضة غير موحدة ، وان المعتدلين من الجيش السوري الحر مفتتين مناطقيا ومبعثرين. ولذا تتولى مهمة المقاومة الفعالة لجيش الأسد الجماعات السنية الأشد وحشية والأكثر تنظيما وبالتحديد القاعدة وداعش وأمثالهما. علاوة  على تجنب احباط الحرب على داعش من قبل  روسيا وإيران. ووجوب ضرورة دعم وحدة أراضي سوريا والعراق مع الحلفاء الإقليميين بل وحتى إيران وروسيا. وهذا بدوره يعني أن علي واشنطن الكف عن العمل لإسقاط الأسد وحكم العلويين في دمشق[5] وهو ما يبدو أن واشنطن ترفضه تماما..

مؤيدو رفض التعاطى مع النظام السوري

وهم الاكثرية يبداون حججهم بالتساؤل : لماذا تعتبر واشنطن  الخطر الذي يمثله تنظيم "داعش"  في العراق تهديداً كافياً لمصالح واشنطن الحيوية يستوجب التدخل العسكري،  فيما لا تعد نشاطات التنظيم ذاته في سوريا، بالإضافة للحرب الأهلية التي تحدث هناك وأصبحت تهدد استقرار لبنان والأردن والآن العراق، تهديداً لتلك المصالح؟

ويحاولون  تفنيد حجج مسؤولي البيت الأبيض القائمة  على إن الحكومة العراقية هي التي طلبت المساعدة العسكرية. وهذا ما يجعل استخدام القوة مشروعاً وفقاً للقانون الدولي مع عزوف الراي العام الامريكى عن الرغبة في مزيد من الحروب.

جدال بين مدرستين فكريتين

وبدا ان ذلك الجدال ينطلق من  العقيدة المتعلقة بالسياسة الخارجية الامريكية بين مدرستين فكريتين: المدرسة المثالية والمدرسة الواقعية. حيث  المساعي والاهتمامات الأخلاقية والإنسانية هي التي تحرك أنصار المدرسة المثالية. فهم يرون أن هناك مصالح للولايات المتحدة أينما كانت قيمها مهددة. كما أنهم يسوغون للتدخل الأمريكي بما يشمل استخدام القوة إذا كان هناك داعٍ أخلاقي قوي؛ ومن ناحية أخرى يرى الواقعيون أنه لا ينبغي التدخل إلا إذا كانت للولايات المتحدة مصالح حقيقية وحيوية مهددة بالفعل. فهم يرون التدخل للأغراض الإنسانية أمراً مكلفاً جداً يمثل صحوة نفسية ستنعكس بالسلب لاحقاً لا محالة -- الأمر الذي يؤدي بواشنطن فيما بعد إلى عدم القدرة على التدخل عندما تكون مصالحها مهددة بالفعل. ويرى أنصار المدرسة الواقعية أنه لا ينبغي التدخل إلا عندما تكون الولايات المتحدة مهددة بصورة مباشرة، أو عندما يتعرض حليفاً استراتيجياً أو التدفق الأكبر للبترول إلى التهديد، أو عندما تكون مصداقيتها الأوسع معرضة للتهديد. وقد نجحت حرب الخليج الأولى في هذا الاختبار غير أن حرب العراق وليبيا لم تكن على هذا النحو.[6]

أوربا واتجاهان في مواجهة داعش:

هناك وازع أخلاقي أخلاقي يحث على البحث عن وسيلة يمكن من خلالها  اضعاف داعش باعتباره تنظيما ارهابيا وحشيا، ولكن هناك أيضاً ضرورة ملحة تتعلق بالأمن القومي -- على الأقل بمنع داعش من اتخاذ سوريا كملاذ امن و لاحتواء الصراع في سوريا  عبر تدريب وتسليح العناصر ومنع زعزعة استقرار المنطقة.  فضرب داعش وتمكين نظام الاسد من تمدد قواته بمثابة  انتصار لنظام بشار الأسد وحلفائه المعزولين معه(«حزب الله» وإيران)، والذي قد يعتبره  الأصدقاء والخصوم  هزيمةً استراتيجية للولايات المتحدة. وتحقيقاً لهذه الغاية، تعمل واشنطن على تقوية المعارضة المعتدلة وإضعاف النظام بهدف إقناعه بأنه يواجه مأزقاً مدمراً أو هزيمة ساحقة إذا لم يسعى إلى حلٍّ تفاوضي.

رفض التعاون مع النظام السوري

استراتيجية اوباما لا  تعوّل على نظام الأسد الذي حاول ان يستغل الحرب على داعش لاعادة تأهيل نفسه دوليا –ونلاحظ ان  الخطاب السوري يرتكز على مقولة ان حربه ليس ضد معارضين  بل ارهابيين –ومن ثم أعلن وزير الخارجية السوري وليد المعلم استعداد بلاده للتعاون إقليميا ودوليا في الحرب ضد الإرهاب بالتنسيق مع الحكومة السورية. بينما يرى اوباما النظام السوري نظاما " يرهب شعبه نفسه؛ وهو نظام لن يستعيد بتاتًا الشرعية التي فقدها."[7]  ومن ثم رفض  واشنطن دعوات دمشق إلى تنسيق استراتيجي ضد التنظيم[8]. .

تحالف مع الثورة السورية:

وافق الكونجرس على طلب الرئيس اوباما تخصيص مبلغ 500 مليون دولار لتدريب وتجهيز قوات المعارضة المعتدلة  السورية يأتي ضمن مشروع قانون توفير الموارد الإضافية لتمويل أغراض محددة في الميزانية، ،

لكي يتسنّى للمعارضة الدفاع عن نفسها وعن أحيائها في مواجهة اعتداءات داعش، وبالتالي تستطيع صدّ قوات داعش وقوات نظام الأسد في سوريا. مع تمكين  المعارضة لتصبح أفضل مركز ثقل في وجه المتطرفين أمثال داعش، بينما يتم السعى في الوقت ذاته إلى التسوية السياسية الضرورية لحلّ الأزمة السورية.

و سيتم تنفيذ هذا البرنامج التدريبي خارج الأراضي السورية، وفي شراكة مع دول إقليمية. ولن يكون هناك عسكريون أميركيون في سوريا كجزء من هذا البرنامج و حزمة المساعدات ستتألف من الأسلحة الصغيرة، والمركبات والمعدات الأساسية مثل أجهزة الاتصالات، فضلا عن التدريب التكتيكي والاستراتيجي. و "حينما تُثبت هذه القوات فعاليتها في ساحة المعركة، ستقدم وزارة الدفاع الامريكية  بشكل متزايد، أنواعًا متطورة من المساعدات إلى القادة الموثوق بهم أكثر من غيرهم، وإلى القوات الأكثر قدرة.""و هذا الأمر يتطلب نظام فحص وتدقيق قوي وصارم".[9]

ما هى المعارضة المعتدلة ؟

ان تدريب وتسليح المعارضة مع تزويدها بالمعلومات الاستخباراتية قد يقوّي موقفها إزاء عناصر الجماعات  الأكثر تطرفا، ويبطل اندفاع النظام في ساحة المعركة، بعد ضرب داعش من جانب سلاح الطيران . والواقع  أن الكثير سيعتمد في النهاية على قدرة المعارضة على تعزيز فعاليتها العسكرية والعمل تجاه هدف موحد وتنظيم شؤونها السياسية. و هذه النقطة الأخيرة هي الأكثر أهمية، لأن المعارضة المعتدلة التي تجسّد بأعمالها المبادئ التي تدّعي أنها تحارب من أجلها تستطيع أن تتنافس بشكل أفضل ضد جماعات المعارضة المتشددة وتستقطب السوريين الحياديين وأنصار النظام الساخطين إلى صفوف المعارضة. وعلاوة على ذلك، بإمكان تصعيد هذا الخيار أو تخفيفه وفق ما يمليه أداء المعارضة، وديناميات ساحة المعركة، والمصالح الأمريكية.[10]

بين إنهاك داعش سوريا واحتوائها:

استراتيجية اوباما للحرب على داعش ليس تدميرها كما هو في العراق بل الانهاك والاحتواء للتنظيم في سوريا، حيث اشار مارتن ديمبسي رئيس هيئة الأركان المشتركة في لجنة مجلس الشيوخ  الامريكى إلى أن الضربات الجوية في سوريا لن تكون مدمرة مثل الهجمات الجوية في حرب العراق، ولكنها ستكون حملة دؤوبة ومستمرة .

ومن ثم اوباما يتجنب- على الأقل في هذه المرحلة- ضرب القوات الحكومية السورية تجنبا لتفجير الخلافات في صفوف التحالف  حيث راينا ما يشبه الاجماع لدى دول التحالف بالنسبة الى العراق ولا ينطبق الامر بالنسبة الى سوريا. ومحاولة واشنطن منع استعداء ايران القادرة على احباط جهود مسرح العمليات الرئيسي في العراق لانه رغم تغيير الحكومة العراقية وانفتاحها  النسبي على كافة الاطياف  الا ان مواقع صنع القرار فيها تظل على علاقات وطيدة مع طهران التى تستطيع افساد الوضع هناك او على الاقل ارباكه. فايران تشن حملة دبلوماسية ودعائية ضد التدخل الامريكى في العراق لخوفها من محاولة واشنطن استغلالها للاطاحة بحليفها في دمشق . كما ان برنامج التدريب والتسليح  الامريكى قد يستغرق وقتا طويلا نسبيا لانه لن يبدا الا مع نهاية العام وسيقتصر في السنة الاولى على تدريب وتسليح 500 مقاتل .

هل تستغل الحرب على داعش لاسقاط النظام السوري

 هناك سيناريوهات متعددة بهذا الشان ولكن الرأي السائد ان مسرح العمليات الرئيس في المرحلة الحالية  يركز على العراق، مع حرمان داعش من  الملاذ الآمن في سوريا الا اذا رصدت الاستخبارات الامريكية صيدا ثمينا لداعش في سوريا فلن تتردد في اصطياده .او اذا قامت دمشق بتهديد الطائرات الامريكية ,  فسيتم توجيه ضربة مؤلمة لدفاعاتها الجوية وطائراتها  ومطاراتها ولمراكز التحكم والسيطرة مما سيضغف قوات النظام الى حد كبير، ولكن على الأقل مات الأسد سياسيا ودوليا حين تتم أكبر حرب دولية على الإرهاب دونه! بل تعتبره جزءا منه، ولا شك أن تطورات المشهد وتقوية المعارضة تعني نهاية مرجحة ومتدرجة لنظامه.

 

المصادر

[1] وريترز في 22 سبتمبر سنة 2014.

[2] البيت الأبيض مكتب السكرتير الصحفي, واشنطن العاصمة. 10 أيلول/سبتمبر،  2014 الرابط

[3] البيت الأبيض مكتب السكرتير الصحفي,واشنطن، العاصمة. 10 أيلول/سبتمبر، 2014, الرابط

[4] دينيس روس, احتواء داعش».. في العراق أم سوريا؟ جريدة الاتحاد الاماراتية , عن خدمة«إم.سي.تي.إنترناشيونال,  عدد28 يونيو 2014

[5] Christopher Meyer, Our national interest demands the mother of all U-turns,the telegraph,  link

[6]  Dennis Ross, U.S. Policy Toward Syria, Congressional Testimony, Senate Committee on Foreign Relations April 11, 2013

[7] تصريحات المعلم  على موقع بي بي سي العربية في 14 أغسطس الماضي الرابط 

الرابط

[9] شهادة  تشاك هيغل أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ يوم 16 أيلول/سبتمبر.نشر على موقع وزارة الدفاع  يوم  16 أيلول/سبتمبر ثم على موقع وزارة الخارجية على  الرابط

[10] Chandler P. Atwood, Joshua C. Burgess, Michael Eisenstadt, Joseph D. Wawro, Between Not-In and All-In: U.S. Military Options in Syria , May 2014.  link

 

 

عاجل

x