على وقع كوباني وداعش..مستقبل القضية الكردية في تركيا

بقلم : محمد عبد القادر محمد عبد القادر
الثلاثاء هـ - 28 أكتوبر 2014م

واجهت تركيا منذ بداية الحملة الدولية على تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بـ"داعش" العديد من التحديات السياسية والأمنية، وذلك نتيجة الضغوط المختلفة التي استهدفت دفعها لتبني سياسات من شأنها تخفيف الضغط عن المقاتلين الأكراد في منطقة عين العرب (كوباني). بيد أن الممانعة المرتبطة بحسابات أنقرة الخاصة، أفضت لاتهامها من قبل قوى كردية بالتواطئ مع مقاتلي "داعش"، بما أدى إلى مظاهرات كردية عارمة بمدن تركيا عديدة، أسفرت عن مقتل ما يتجاوز 30 مواطن وإصابة العشرات، فضلا عن تعرض العديد من المؤسسات العامة والخاصة لأعمال عنف وتخريب.

ترتب على ذلك أن فرضت حالة الطوارئ في العديد من المدن والبلديات التركية، وتصاعدت حدة الاتهامات المتبادلة بين الحكومة من جانب، والأحزاب الكردية، من جانب آخر، حول المسئولية عن أحداث العنف التي صاحبت الاحتجاجات الكردية، وهو الأمر الذي أثار تكهنات مختلفة حيال مسار عملية تسوية القضايا العالقة في عملية السلام داخل تركيا.

خلفيات الأزمة

المسار الشائك لعملية السلام داخل أنقرة بين الحكومة التركية من جانب وحزب العمال الكردستاني PKK، من جانب أخر، ارتبط بما يمكن تسميته "الانسحاب بالتدافع" أو "الإفشال من خلال الصراع" فكل طرف من أطراف التسوية لديه أهدافه الخاصة التي لا يتنازل عنها، ولكنه يتبع سياسات هادئة تسعى إلى التعاطي الحذر مع التسوية المأمولة، والتي سرعان ما تتعرض لتحديات بسبب توازنات القوى المتغيرة سواء على الساحة المحلية أو الساحات الإقليمية المجاورة. إن مظاهرات الأكراد في السادس والسابع من أكتوبر لم تكن لتثير أزمة، إن لم يكن كل طرف يريد استثمار أحداث الجوار السوري لفرض معادلة جديدة تفضى إلى مخرجات سياسية وأمنية تحقق مصالحه على حساب الطرف الآخر. ذلك أنه في الوقت الذي كانت تتأهب فيه أنقرة إلى الإعلان عن "خارطة طريق" لتسوية القضية الكردية، والتي تتضمن نزع سلاح حزب PKK، فإن الأخير كان يسعى إلى دعم ومدد تسليحي من أنقرة لمقاتليه الذين يواجهون "داعش" على مسرح العمليات السوري.

وبينما كان الأكراد يواجهون اتهامات مبطنة وصريحة إلى الحكومة التركية بأنها تدعم "تنظيم الدولة" من أجل القضاء على كردستان الغربية أو ما يعرف بالكردي بـ"روجافا"، فإن الحكومة التركية بدورها كانت تشير إلى أن حزب العمال بالإضافة إلى امتداده السوري حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، يمثلان أحزابا تصنف بمقتضى القوانين التركية باعتبارها "أحزاب إرهابية"، وأنها تتواطأ مع نظام بشار الأسد، وكل ما يعنيها ترسيخ خطوط انفصال مقاطعات القامشلي وعفرين وكوباني إداريا عن الجغرافيا السورية، وما يدور فيها من معارك، ضد نظام "البعث السوري".

صراع أم تسوية؟

وفق نظرية التقاطعات لصاحبها زبيغنون بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، في كتابه أمريكا والعصر الألكتروني، فإن التقاطع في المصالح يصب في مصلحة الطرف الأقوى، فكل طرف من أطراف التسوية الداخلية في تركيا، سعى لتوظيف الأحداث الإقليمية لما يخدم مشروعه الداخلي، لذلك فحينما لم تتجاوب أنقرة مع المطالب الغربية بفتح ممرات لتمرير السلاح والمقاتلين الأكراد إلى "كوباني" أعلن جمال بايك، عضو اللجنة القيادية لحزب العمال الكردستاني، عن عودة العديد من عناصر حزب PKK إلى مواقعهم، بما يعني أن كل طرف حاول توظيف الأحداث الإقليمية لتقوية وضعه الداخلي في مواجهة الطرف الآخر.

وقد سعى "مقاتلي العمال" لإحداث ذلك أيضا عبر عمليات عسكرية محدودة مثلت محض "إنذار مبكر" من خلال استهداف قوات الدرك (الشرطة العسكرية) التركية، بما أفضى إلى قيام الجيش التركي بالرد بقصف العديد من قواعد حزب العمال، وهو ما أعاد نذر المواجهة التي ما كادت تهدأ وتيرتها حتى عاودت الاشتعال.

ضاعف ذلك من التحديات التي تجابهها مسيرة عملية السلام الداخلي، والتي بدأت قبل نحو عامين، من خلال مفاوضات غير مباشرة بين الاستخبارات التركية وكل من عبد الله أوجلان (المسجون بموجب حكم مؤبد في جزيرة "إمرالي" ببحر مرمرة منذ عام 1999)، وحزب العمال الكردستاني في العدد من العواصم الغربية من ضمنها مدينة أوسلو بالنرويج، وذلك بواسطة من حزب السلام والديمقراطية الكردي.

شملت المرحلة الأولى من هذه العملية، وقف الأنشطة العسكرية لحزب العمال، وانسحاب عناصره خارج الحدود التركية. وقد قطعت هذه المرحلة أشواطا ملحوظة، هذا فيما تضمنت المرحلة الثانية عددا من الخطوات الرامية لتعزيز الديمقراطية وضمان الحقوق الكردية ثقافية كانت أو سياسية أو اجتماعية، وصولا إلى ضمان أحقية عودة أعضاء "العمال" للبلاد وممارسة حقوقهم السياسية والانخراط في المجتمع التركي.

وقد ارتبطت هذه العملية على جانب آخر، بإعلان عبدالله أوجلان عبر خطاب ألقاه رئيس الوزراء التركي وقتذاك، رجب طيب أردوغان، أثناء زيارته لمدينة ديار بكر برفقة مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، في 21 مارس 2013، عن نهاية الكفاح الكردي المسلح في تركيا، وبداية مرحلة التعايش السلمي.

وبينما اعتبرت القوى الكردية أن حكومة العدالة والتنمية، أخلت بالتزاماتها بسبب انخراطها في "العنف" في الأراضي السورية، مقابل التزام دقيق من قبل مقاتلي PKK، فإن الإدارة التركية اعتبرت أن الحركات السياسية الكردية وتشمل اتحاد المجتمعات الكردية، مجلس المجتمع الديمقراطي، حزب الشعوب الديمقراطية، حزب الشباب الثوري الوطني وغيرها من الهياكل، سيطرت سياسيا بشكل كامل على العديد من مدن جنوب شرق البلاد، بالإضافة إلى السيطرة الجزئية على عدد آخر من المناطق التي تنتشر فيها الأقلية الكردية بشكل كبير، مما أعطى لونا سياسيا واحدا للمناطق وشكل ما يمكن أن يسمى بـ 'الهيمنة غير المباشرة" بعيدا عن سيطرة الحكومة.

"نظرية السلم"

قامت فكرة التسوية السلمية داخل تركيا على "نظرية السلم"، المعتمدة على اتخاذ خطوات متزامنة لبناء الثقة المتبادلة، وقد تلكأت الحكومة التركية كثيرا في اتخاذ القرارات اللازمة لبناء الثقة المفقودة بين الجانبين، ذلك أن قانون ضمانات عملية التسوية لم يقدم للبرلمان إلا في منصف يوليو، كما لم يقدم مشروع قانون يضمن شمول بعض عناصر PKK، في العملية السياسية إلى في أكتوبر 2014، والذي شهدت بدايته أيضا تأسيس الهيكل المؤسسي المكون لهذه العملية من خلال كل من "مجلس عملية التسوية" و"مجلس التعاون والمتابعة" بين الهيئات.

وبينما كانت الحكومة التركية تتأهب للإعلان عن بعض بنود عملية التسوية، والتي يغيب عن الإعلام والرأي العام طبيعتها وماهية بنودها الأساسية، كانت أزمة "كوباني" تتصاعد وتتفاقم بالتوزي معها أزمة عدم الثقة بين أطراف هذه العملية، خصوصا بعد اندلاع المظاهرات الكردية وما ترتب عليها من أحداث عنف وتدمير لعشرات المنشآت الحكومية والخاصة.

وقد امتدت المظاهرات إلى اسطنبول التي يقطنها ما يتجاوز نحو مليوني كردي، وقالت صبيحات تونجال، عضوة البرلمان عن حزب الشعوب والديمقراطية الكردي، الذراع السياسي لحزب العمال الكردستاني، "إذا ما سقطت كوباني بيد داعش، فإن عملية السلام في تركيا ستؤول إلى الفشل، لأن الكردي في المدينة لا يختلف عن الكردي في تركيا، فجميعهم أقارب وما يصيب أهل كوباني يصيب أهل ديار بكر". وأضافت "بالنسبة لنا إذا أراد حزب العدالة الاستمرار في عملية السلام، فإنه يجب أن يعلن الاتفاق مع الأكراد على جبهة قتال واحدة للقضاء على داعش، وقتها ستستمر عملية التسوية".

وفي مواجهة ذلك حاولت تركيا فرض شروطها على الأكراد، وبالتحديد على التحالف الدولي وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي BYD، و"وحدات حماية الشعب" YPG، وتضمنت هذه الشروط ضرورة قيام الحزب باستهداف قوات الأسد وكسر الاتفاق الضمني بين الطرفين، وإقامة منطقة حظر طيران وتأسيس منطقة آمنة في سوريا، وتدريب المقاتلين السوريين المعتدلين (الجيش السوري الحر).

وأكد أردوغان على أنه لا يمكن لتركيا أن تقبل تسليح مقاتلي "وحدات حماية الشعب"، ارتباطا بأن كل من "داعش" وحزب العمال وحزب الاتحاد المرتبط به، يصنفون بقتضى القوانين التركية كمنظمات إرهابية، قائلا "لا يجب أن ينتظر من تركيا تسليح مقاتلي حزب الاتحاد الإرهابي، لأن تركيا لا يمكن أن توافق على ذلك".

وفيما منحت المواقف التركية من أحداث مدينة "عين العرب" مصداقية ورصيدا إضافيا للمواقف المتشددة التي يتبناها عناصر PKK، لتتأكد مقولة أن "حزب العمال قد يصنع الحرب وأوجلان قد يصنع السلام"، فإن مظاهرات الأكراد في العديد من مدن تركية فيما أسموه "جيزي بارك الكردية" أكدت شكوك العناصر المتشددة داخل النظام السياسي التركي برمته في إمكانية التوصل إلى تسوية حقيقية للمشكلة الكردية، خصوصا بعد عودة بعض عناصر PKK، إلى مواقعها السابقة، والتي كانت قد انسحبت منها في إطار عملية تسوية القضية الكردية في تركيا.

تنازلات ومكاسب

بدا واضحا مدى التخبط التركي حيال أزمة "كوباني"، فمن الحديث عن أن تركيا لن تسمح بسقوط "كوباني"، إلى أن "كوباني" ليست مدينة إستراتجية وأن مواطنيها المدنين أصبحوا لاجئين في تركيا، تراوحت التصريحات التركية. كما أصبح من اللافت ظهور تقديرات مختلفة بين القيادة العسكرية والإدارة السياسية حيال تطورات الأوضاع الإنسانية والعسكرية على مسرح عمليات المدينة المجاورة، فبينما توالت التصريحات السياسية كانت التقديرات الجيش التركي أكثر حذرا، خصوصا بعد أن وضعت الإدارة الأمريكية رؤيتها موضع التنفيذ بصرف النظر عن موقف تركيا، التي أخبرت عبر الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، بالقرار الخاص بتسليح المعارضة الكردية عبر إنزال شحنات السلاح من طائرات الشحن الأمريكية C-130.

ترتب على ذلك تزايد المخاوف التركية من مواجهة موقف مشابه لذلك الذي واجهته عام 2003 حينما رفضت فتح جبهة شمالية أمام القوات الأمريكية لغزو العراق، ودُفعت بعد ذلك لفتح هذه الجبهة أمام القوات الأمريكية سرا بين حين وآخر، خصوصا بعد أن أقدمت القوات الأمريكية على اعتقال أحد عشر جنديا تركيا في الأراضي العراقية، وأساءت معاملتهم، فضلا عما واجهته بعد ذلك محاولات تمدد النفوذ التركي داخل العراق من معارضة أمريكية، بما أضعف "الوجود التركي" داخل العراق بالمقارنة بالتمدد الإيراني.

وقد كان من نتائج ذلك أن أسرع وزير الخارجية التركي مولود أوغلو، بإعلان أن تركيا ستسمح بمرور قوات من البشماركة العراقية لدعم مقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي، وعلى الرغم من إعلان المكتب الإعلامي التابع لهيئة الأركان عن أنه لا معلومة لديه حول هذا الموضوع وأن من يسأل عنه الخارجية التركية، فإن رئيس الأركان التركي ودرءا للمخاوف من ردة فعل الحزب الحاكم، أجتمع بالهيئة البرلمانية للحزب، ليعلن أن تصريحات الخارجية جاءت بعد تنسيق معه، هذا في وقت خرج فيه أردوغان ليؤكد أن قرار الولايات المتحدة بتسليح "وحدات حماية الشعب" يمثل قرارا خاطئا. يعكس ذلك حدوث حالة من الهزة داخل أروقة الحكومة التركية في أنقرة، نتج عنها حدوث مشكلة خطيرة في توافق الخطابات والتصريحات الصادرة عن المستويات العليا بالدولة.

القرار التركي الخاص بالسماح للقوات الكردية لعبور الأراضي التركية إلى مدينة عين العرب "كوباني"، وما ترافق معه من تحفظ وارتباك ملحوظ، جاء على ما يبدو تحت تأثير ضغوط الولايات المتحدة، وتوتر العلاقات معها على نحو غير مسبوق، سيما أن إنزال الشحنات العسكرية الـ28 إلى المقاتلين الأكراد لم يأت عبر الأجواء التركية، بما يؤكد أن واشنطن قد تجاوزت التحفظات التركية لجهة التنسيق مباشرة مع الأكراد سواء في سوريا أو العراق، خصوصا بعدما كشف النقاب عن مباحثات أمريكية مع حزب الاتحاد الديمقراطي دامت خلال العامين الخاليين، كما قام صلاح الدين ديمرتاش، زعيم حزب الشعوب الديمقراطية، بزيارة مؤخرا للولايات المتحدة الأمريكية من أجل تنسيق المواقف وتحديد والأولويات المشتركة، وذلك دون تنسيق مسبق مع أنقرة.

وعلى الرغم من أن الإدارة التركية راهنت من ناحية على الخلافات والقضايا العالقة بين المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي الذي يسيطر على المدن الكردية في شمال سوريا، والأخير والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود برزاني، ومن ناحية أخرى على علاقة الأخير الوثيقة بتركيا.

بيد أن ثمة تطورات لم تصب لصالح الرهان التركي، على رأسها التأثير العكسي للموقف التركي السلبي حيال تلبية مطلب إقليم شمال العراق بدعمه بالسلاح، حينما تفجرت المواجهات العسكرية مع تنظيم "داعش"، هذا بالإضافة إلى قيام مسعود برزاني باستضافة كافة القوى الكردية السورية من أجل إنهاء الخلافات، وهو ما أفضى إلى التوصل لاتفاق يقضى بتشكيل هيئة كردية عليا تشرف على تحديد الأولويات وإجراء الانتخابات في المنطقة الكردية- السورية، "روجافا"، فضلا عن توحيد القوات العسكرية الكردية، وتأسيس منطقة حكم ذاتي في شمال سوريا.

الخطوط الحمراء

جاء القرار التركي بالسماح بمرور المقاتلين الأكراد إلى "كوباني" عبر الأراضي التركية متأخرا نسبيا، ذلك أنه لم يخرج للعلن إلا بعد أن فرضت أمريكا تسليح المقاتلين الأكراد، دون الالتفات للمواقف التركية، وذلك بالتوازي مع المكاسب التي حققها الأكراد في شمال العراق عسكريا وسيطرتهم نسبيا على مدينة كركوك، فضلا عن إعلان مختلف القوى الحزبية الكردية في شمال سوريا السعي لتأسيس حكم ذاتي.

هذا إضافة إلى الموافقة التركية على دخول قوات البشماركة العراقية إلى شمال سوريا برفقة المقاتلين الأكراد السوريين الذين تم تدريبهم في شمال العراق طيلة السنوات الأربع الخالية، بما يؤكد أن الدعوة التي أطلقها صلاح الدين ديمرتاش بشأن تشكيل جيش كردي موحد أضحت فكرة لها واجهتها كرديا، وباتت تتحقق على أرض الواقع، خصوصا أن هناك الكثير من أكراد تركيا الذين يقاتلون إلى جانب وحدات الشعب السوري في قامشلي وعفرين وليس في "كوباني" وحدها.

يضاف ذلك إلى أن المسعى التركي لعدم تسليح الأكراد في المنطقة كونه يخل بتوازنات القوي الإقليمية أضحى ليس له محل في الواقع تدريجيا، فالامتناع التركي عن تسليح قوات البشماركة العراقية، دفع إيران والعديد من القوى الدولية بمد هذه القوات بشحنات الأسلحة الغربية، وقد أنعكس ذلك في الإعلان عن أن شحنات الأسلحة التي وصلت إلى المقاتلين الأكراد في "كوباني" جاءت من إقليم شمال العراق، وهى إشارة لها دلالة لجهة توضيح وحدة المصير بين الإقليمين الشماليين في سوريا والعراق.

يعني ذلك أن الإقليم الذي راهنت تركيا على العلاقات معه، وسعت إلى ترسيخ روابطها السياسية والاقتصادية مع حكومته آملا في تشكيل فيدرالية أو كونفيدرالية معه حال انفصاله عن العراق، أصبح يدعم إرساء حدود كردستان الغربية، وهو الإقليم الذي قد يؤدي تشكله لتحولات جيو-إستراتيجية مهمة على مستوى الإقليم. قد يرتبط أحد أهم هذه التحولات بأن تغدو تركيا منفصلة جغرافيا عن المنطقة العربية، عبر كردستان في شمال العراق و"روجافا" في شمال سوريا.

هذه التطورات الدراماتيكية قد تعني سقوط الخطوط الحمراء التي طالما أعلنت الحكومات التركية تمسكها بها، كما أنها ستعني أن الطموح الكردي أصبح يستند على واقع مستجد، سيما أن ثمة قوى دولية أضحت تسعى إلى تجسيد هذا الطموح وتحقيقه، وعلى رأس هذه القوى الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد أشارت بعض التقارير أن واشنطن لم تعد تعتبر تركيا حليفا موثوقا به، خصوصا بعد قيامها بدعم تنظيم "داعش" في سوريا، ورفضها الانخراط الفعال في العمليات العسكرية ضد التنظيم في سوريا والعراق، هذا في وقت بدا فيه أن الرهنات الكردية التاريخية الخاسرة على قوى إقليمية ودولية، باتت تشهد تبدلات دراماتيكية على نحو قد يجعل القوى الكردية التي أثبتت جدارة نسبية في مقاتلة "داعش" في الميدانين السوري والعراقي محل الرهان الأمريكي في المرحلة المقبلة، وهى تطورات ستلقي بتابعتها على عملية تسوية القضية الكردية داخل تركيا.

مستقبل التسوية

إن قدرة حزبي السلام والديمقراطية والشعوب الديمقراطية الكرديين على تعبئة مئات آلاف من المواطنين والشباب، الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15-18 عاما في المظاهرات العارمة التي شهدتها العديد من مدن تركيا، على هذا النحو، فضلا عن نزول حوالي ثلاثين ألفا من المواطنين إلى الشوارع في منطقة مثل "كيزيل تيبي" يمثل بحد ذاته إثباتا على أن عملية التسوية داخل تركيا لم تعد تلقى ذات التأييد الذي حازته خلال المرحلة الأولى من بداياتها، خصوصا في ظل التقارير العديدة التي أشارت إلى انتهاكات الشرطة التركية حيال المواطنين الأكراد.

كما أن المواقف التي تبنتها الأحزاب الكردية ليس وحسب حيال أحادث السادس والسابع من أكتوبر، وإنما أيضا  في مرحلة 17-25 ديسمبر، حيث تفجر ملفات الفساد الحكومي، وكذلك حينما تفجرت أزمة ميدان تقسيم في يونيو-يوليو 2013، تعني أن ثمة ترقب كردي لحالات الضعف الحكومي لفرض "الأجندة الكردية" على الدولة التركية.

قد يضاعف ذاك من صعوبة التوصل إلى اتفاق سلام نهائي مع الأكراد داخل تركيا، خصوصا في ظل تنامي حدة الاستقطاب الداخلي على أسس طائفية وعرقية وأيديولوجية، فـ"الثورة الكردية" قامت منذ أربع عقود بسبب تجاهل الهوية العرقية للأكراد في النظام السياسي والاجتماعي. وعلى الرغم من رهان الحزب الحاكم على الصوت الكردي من خلال عملية السلام خلال الانتخابات البرلمانية المقبلة، غير أن إصرار الحزب وتأكيده على أن حزب العمال الكردستاني ليس أقل تطرفا من تنظيم "داعش" أعاد هذه العملية إلى نقطة البداية، ذلك أنه المفاوضات قد لا تمثل بالنظر مؤيدي وعناصر PKK أكثر من "انتهازية سياسية" من قبل الحزب الحاكم لا تبغي غير توظيف عملية السلام لتحقيق أغراض انتخابية، وباعتبارها عملية لا تقوم على أسس متوازنة لتحقيق مصالح متبادلة.

ومع ذلك، فإن الإشكالية الأكبر لا تبدو متعلقة بالشأن الداخلي في تركيا، وحسب، وإنما تتعلق أيضا بالمكاسب الإستراتيجية التي حققها الأكراد مؤخرا، خصوصا مع تنامي التعاطف الإقليمي والدولي مع قضيتهم القومية، وذلك في مقابل الخسائر التركية المحققة بسبب المقاربات المتبعة حيال الأزمة السورية، وخوض الصراع السوري بنظرية مناقضة تماما لنظرية الأكراد، ففيما خططت تركيا لإسقاط الأسد وإحباط محاولات تأسيس كردستاني الغربية أو "روجافا" وعدم الاكتراث بتهديدات "داعش"، فإن الأكراد سعوا إلى إسقاط مشروع "داعش" في شمال سوريا ولم يخفوا برودتهم فيما يخص نظام الأسد، لذلك فإن كانت ثمة خسائر قد تواجهها تركيا خلال المرحلة المقبلة سواء على الساحة المحلية أو الإقليمية فإنها قد ترتبط بتعلق مصير عملية التسوية الداخلية بمسار ومستقبل "روجافا" الكردية.

النشرة الالكترونية

عاجل

x