عودة الحرب على الإرهاب.. من أحداث سبتمبر إلى دولة داعش

بقلم : هاني نسيرة هاني نسيرة
الثلاثاء هـ - 02 سبتمبر 2014م

رغم محاولات الرئيس الأمريكي باراك أوباما طوال فترته الرئاسية الأولى والثانية التحرر من إرث بوش وسيطرة فكرة الحرب على الإرهاب على سلفه، إلا أنه عاد للقبول بها بشكل واضح في الأسابيع الماضية، توجها جديدا لا زالت تتبلور لدى الإدارة الأمريكية ملامحها، وإن لم تحدد استراتيجية واضحة لها بعد كما ذكر، ولكن عادات الفكرة وتتصاعد معها  بوادر احتشاد دولي في مواجهة هذا الخطر الكبير.

عاد أوباما مضطرا للحرب في العراق ضد إرهاب داعش في التاسع من أغسطس الماضي، بعد أن خرجت آخر كتيبة أمريكية منهأ نهاية 2011، وبعد أن نجح في مرحلته الأولى سنة 2009 بعد فوزه على منافسه حينئذ النائب الجمهوري جون ماكين، محمولا على خسائر الحرب في العراق وأفغانستان، وما اعتبر مسئولية الجمهوريين والخسائر الأمريكية في العراق.

اعتبر عهد أوباما في مرحلته الأولى تجاوزا لمرحلة جورج بوش في تصنيف العالم لمحور الخير ومحور الشر، وانكماشا داخليا داخليا يسحب من مساحات التدخل الخارجي السابق، وغابت من قاموسه السياسي مفردات سبقته مثل" الدول المارقة" و"محور الشر" محاولا تجسير الفجوة بينه وبين الخصوم، فكان التقارب الأمريكي الإيراني، والهدوء الأمريكي تجاه كوريا الشمالية، والوعد الذي لم يتحقق بغلق جواتنامو، وقررت إدارته في مايو سنة 2010  التخلي عن مصطلح "الحرب على الإرهاب" والتركيز على ما وصف بـ"الإرهاب الداخلي"، كمحدد رئيس لاستراتيجية أمريكا للأمن القومي في عهد أوباما، ولكن هذا لم يحدث وتغير بشكل واضح في أغسطس الماضي.

قد نصت الوثيقة الصادرة في مايو سنة 2010، على أن الولايات المتحدة "ليست في حالة حرب عالمية على "الإرهاب" أو على "الإسلام"، بل هي حرب على شبكة محددة هي تنظيم القاعدة و"الإرهابيين" المرتبطين به، وتوجهه لازدياد التركيز ورفع القوات الأمريكية الموجودة في أفغانستان مقابل خفضها في العراق، وتخطيط تنفيذ خروجها بالكامل نهاية 2011، ولكن في أغسطس 2014 قررت الولايات المتحدة العودة للحرب على الإرهاب من جديد واستهداف معاقل داعش بعد تقدمها الساحق أمام قوات المالكي في يونيو الماضي، وتهديدها العاصمة بغداد وأربيل والمآسي الإنسانية العميقة التي واجهتها الطائفتان المسيحية في الموصل، والأيزيدية في جبل سنجار..

عوائق ودوافع التحالف الدولي:

في 28 أغسطس الماضي أعلن الرئيس الأمريكي أنه طلب من وزير خارجيته جون كيري الذهاب لدول المنطقة للتشاور لمواجهة الخطر السياسي، وأنه طلب وزير الدفاع تشاك هيجل وضع عدد من الخيارات  له لكي يحدد استراتيجية، لا يمتلكها حتى الآن، للحرب الجديدة على الإرهاب، والتعاون مع فريقه الأمني لإعدادها..

ويبدو أن هذا التحالف الدولي الجديد ليس يسيرا كما كان عام 1990 في حرب الكويت ضد نظام صدام حسين، أو عام 2001 بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهو ما تعود صعوبته الآن بشكل رئيس لتردد أوباما السابق في الحرب على الإرهاب وعدم الحسم بعد أن تجاوز الكثيرين الخطوط الحمر التي حددتها الولايات المتحدة نفسها، كاستخدام الأسد للسلاح الكيماوي ضد شعبه، وعدم سماعه لتحذيرات الحلفاء أنفسهم من مخاطر هذا الانكماش وعدم القدرة على الحسم، وعدم قدرته على توثيق علاقته بحلفائه بنفس الدرجة التي اقترب فيه من أعدائه أو أعدائهم...

ويبدو أن بريطانيا واستراليا أبرز القابلين بهذا التحالف حسب حديث مسئولين أمريكيين ل رويترز في 28 أغسطس الماضي، وقد أعلن المسئولون الأمريكيون أن ألمانيا تتشاور مع الولايات المتحدة بشأن التحالف الدولي ضد الإرهاب المزمع إقامته، وأنه حتى تاريخه لا تنتوي المشاركة، ورغم مشاركة 38 دولة في حرب العراق سنة 2003 لم تشارك فرنسا حينئذ، وبعض الدول العربية، ضمن محور الاعتدال، فيها، بينما شاركت بقوة دول ادعت طويلا الممانعة.

وقد أكد مسئولو البيت الأبيض أنهم لن يخوضوا الحرب على الإرهاب وحدهم، بعد أن نجحت داعش في إقامة ملاذ آمن وقاعدة قوية للإرهاب في العالم، وسبق أن أكدوا أنهم سيخوضون حربا مفتوحة ضد الغرب جميعا، وهذا التلويح الأمريكي يتناسب مع رؤيتهم أن الحرب  ضد داعش في سوريا ستكون أكثر خطرا من مواجهتها في العراق التي بدأتها الولايات المتحدة بالفعل.

ورغم أن  أوباما لم يؤكد في حديثه بتاريخ 29 أغسطس الماضي إن كانت حملته على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام داعش ستمتد ل سوريا وضرب معاقله التي تسيطر على أكثر من 35% من مساحتها، وتتخذها معقلا رئيسا لها أكثر أمانا واستقرارا منه في العراق التي تحاصر فيه بقوات العشائر والبيشمركة والحكومة العراقية الجديدة والقصف الأمريكي، وهو ما كان مناسبا أن ينتقل إليها أمير داعش بعد القصف الأمريكي في 10 أغسطس، وتضم أشرس المقاتلين الأجانب بينما تغلب الصبغة العراقية عليهم في العراق..

امتداد الحرب لدولة داعش في سوريا:

إن امتداد المعركة ل داعش في سوريا تبدو منطقية ولا مناص عنها، رغم إعلان بشار الأسد رئيس نظامه في سوريا أنه لن يسمح بهجمات ضد داعش إلا بالتنسيق معه، وهو ما تجاهلته الإدارة الأمريكية كلية في تصريحاتها، وتحركت طائرات الاستطلاع الأمريكية في مواقع قريبة من داعش في سوريا أكثر من مرة في أغسطس الماضي.

 نقلت صحيفة وول ستريت جورنال بتاريخ 24 أغسطس الماضي عن رئيس هيئة الأركان الأمريكي الجنرال مارتن ديمبسي أنه لا يمكن هزيمة داعش بدون خنق قواعدها في داخل سوريا..

وقد نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مصادر قريبة من بشار الأسد، تحدث لها الأسد في مايو سنة 2013 بخصوص موقفه من داعش، أنه اعتمد استراتيجية رعاية داعش وتساهل معه، وتحول هذا التنظيم من جماعة مسلحة تعمل على الإطاحة بالحكومة السورية إلى جيش يسيطر على مساحة كبيرة من أراضي العراق وسوريا.

 

وقالت الصحيفة إن الرئيس السوري قرر في بداية الانتفاضة قبل أكثر من ثلاثة أعوام ضد حكمه تجنب مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام – داعش في محاولة منه لتسليطه على الجماعات السورية المقاتلة من ذات التوجه العلماني. ونقلت عن عزت الشهبندر، وهو حليف للأسد ونائب سابق في البرلمان العراقي والمنسق بين بغداد ودمشق قوله إن الهدف من وراء هذه السياسة هو إجبار العالم للاختيار بين نظامه أو المتطرفين.[1]

حرب أقوى على الإرهاب:

برز مفهوم الحرب على الإرهاب عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، غزوة مانهاتن حسب تعبيرات تنظيم القاعدة حينئذ، أعلن الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش ومثلت المحرك الرئيس في سياسة الولايات المتحدة، على الصعيدين الداخلي والعالمي، وقسمت تصنيف الولايات المتحدة في علاقاتها بالعالم بين من معها ومن ضدها، وظهرت تعبيرات كانت تفسر العلاقات الدولية، مثل دول محور الشر والدول المارقة، في مقابلة الدول المعتدلة والتحالف الدولي ضد الإرهاب، وكان من توابع هذه الحرب على الإرهاب سقوط نظامي طالبان 2001 ثم نظام صدام حسين سنة 2003 والتي استمرت محطاتها، التي كان من أبرزها مقتل أبي مصعب الزرقاوي سنة 2006 إلى قيادات القاعدة في العراق أبي عمر البغدادي وأبي حمزة المهاجر سنة 2010  حتى مقتل بن لادن في 2 مايو سنة 2011، وهو ما سبقه شل كلي للهيكل القيادي في القاعدة عبر استهداف العناصر القيادية الوسيطة فيها كمصطفى أبو اليزيد سنة 2008 وأبو أنس الليبي في نفس العام، ثم تبعه كذلك أسماء كعطية الله الليبي الذي قتل في أغسطس سنة 2011 وأبو يحيي الليبي في يونيو سنة 2012..

هذه هي الموجة الأولى لكن الموجة الحالية ربما ستكون أقوى، لاختلاف السياقات وخطورة الإرهاب الراهن، رغم حديث بعض المراقبين أن قتل الصحافي الأمريكي جيمس فولي كقوة دافعة ليس كأحداث الحادي عشر من سبتمبر التي ولدت من مخاضها الموجة الأولى من الحرب على الإرهاب، إلا أن قوة داعش الأكثر عنفا وغلوا ووحشية من القاعدة تمثل مبررا أكثر قوة من هذه الأحداث، وتنذر بما هو أكبر وأفظع منها...

لذا نتوقع أن تردد بعض القوى الدولية في الانضمام للتحالف الدولي ضد الإرهاب سينتهي حسما بالانضمام إليه، والمشاركة فيه، لخطورة الموجة الحالية من الحرب على الإرهاب وشدتها وتمكنها أكثر من الموجة السابقة، وللزيادة الكبيرة في عدد المقاتلين الأجانب فيها، وهي موجة ليست داعش وحدها هي علامتها الوحيدة بل تتنوع وتتوزع التنظيمات الشبيهة بها في المنطقة، كتنظيمات أنصار الشريعة الليبية وتنظيمات بيت المقدس المصرية بوكو حرام لا شك أنها حال استقرارها وتمكنها وإثمارها المستمر ستتشابك وستمثل خطرا دوليا جسيما وليس خطرا وطنيا أو إقليميا فقط، خاصة مع أزمات الدول والعلاقات السائلة في المنطقة، وازدياد النزوعات الطائفية وتحول الصراع مع الإرهاب لصراع على السلطة والشرعية وانتشار السلاح وموارده وحروب وكالته في مختلف بلدان الثورات العربية سنة 2011...                                                                        

المصادر

[1] يمكن مراجعته على موقع وول ستريت جورنال على الرابط التالي:الرابط

عاجل

x