من المالكي إلى الأسد.. أمريكا والحرب على داعش

بقلم : هاني نسيرة هاني نسيرة
الخميس هـ - 28 أغسطس 2014م

 

كان أول ظهور مبرز للمتحدث باسم دولة العراق الإسلامية( أو القاعدة في بلاد الرافدين حينئذ) أبو محمد العدناني، بعد يوم من فض اعتصامات الأنبار بالقوة، في 31 يناير سنة 2013 حيث أصدر تسجيلا صوتيا، قال فيه: “السلام والصبر” لا طائل من ورائهما في التعامل مع “الحكومة التي يقودها الشيعة” وقال العدناني، في تسجيل صوتي نشره موقع جهادي مخاطبا للسنة في الأنبار: “أمامكم خياران لا ثالث لهما، إما أن تركعوا للروافض وتعطوا الدنية وهذا محال وإما أن تحملوا السلاح فتكونوا أنتم الأعلون ولئن لم تأخذوا حذركم وأسلحتكم لتذوقن الويلات على أيدي الروافض الذين لازالوا يخادعونكم” وكان إعلان داعش خلافتها في 29 يونيو بعد أيام قليلة من نكسة قوات المالكي الكبيرة في الموصل في 9 و10 يونيو، التي أمرت بإخلاء مواقعها وترك معدات ست فرق عسكرية ل داعش ورصيدا ماليا واقتصاديا جعلها الأغنى بين تنظيمات العالم الجهادية وفق العديد من التقارير!

 

نتاج الدول الفشل:

ليست داعش وأخواتها إلا نتاج طبيعيا لممارسات الأنظمة الهشة والدول الفاشلة، ويفسر هذا أن بعثها الثاني كان سوريا في 10 أبريل/ نيسان سنة 2013، وهو نفس الشهر الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة أن بشار الأسد قد تجاوز الخطوط الحمر باستخدامه الأسلحة الكيمياوية ضد شعبه! فأعلنت دولتها في هذا التاريخ على ما تسيطر عليه سوريا ثم تم استحياؤها عراقيا عبر سياسات رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي، بعد أن قضت عليها الصحوات والعشائر وطردتها من الأنبار التي اتخذتها عاصمة لها عام 2007.. وظلت مختفية حتى انطلقت من المظلومية الثورية والسورية بيد نظام بشار الأسد، الذي رفض أي حوار وأعاق أي اتفاق، واستخدم في الأول من يناير سنة 2013 سلاح المدفعية ضد شعبه، ثم استخدم أبريل 2012 سلاح الجو ضد المدنيين، ويوم الاثنين 3 ديسمبر سنة 2012 رصدت أجهزة استخبارات غربية وأمريكية تحركات مشبوهة قامت بها وحدة خاصة من الحرس الشخصي لبشار الأسد تتولى حراسة مخازن الأسلحة الكيمياوية، وتتلقى أوامرها منه شخصيا، حسب النيويورك تايمز في هذا التاريخ، وكان استخدام الأسلحة الكيمياوية في 25 ديسمبر 2012 حسبما وثقت الهيئة العامة للثورة السورية[1] وفي تواريخ مقاربة يمكن رصد التطور من النصرة ل داعش لتوافد المقاتلين الأجانب إلى سوريا....!

كما تم إحياؤها عراقيا عبر المالكي منذ فض اعتصام الأنبار والفلوجة بالقوة في 30 يناير سنة 2013، ومنذ هذا التاريخ تصاعدت الأزمة العراقية التي كان المالكي يوقدها بخطاب طائفي وتسفيه للمعارضة وضربات عشوائية للمدنيين في المحافظات السنية، وحاول الحشد للانتخابات التي أجريت في 30 أبريل الماضي بدعاوى" إقامة دولة آل البيت" وأن أهل الفلوجة والأنبار قطعوا المياه عن المحافظات الشيعية! فأوقد مبررات الصعود الداعشي والقاعدي من جديد..

 

هذا أيضا ما يمكن قوله عن ظهورها سوريا فقد كان إعلان داعش وإمارتها المستقلة عن القاعدة، بعد خلافها مع النصرة، في 10 أ[بريل/ نيسان سنة 2013 في نفس الشهر الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي باراك أوباما تجاوز بشار الأسد الخطوط الحمر بضربه لشعبه بالأسلحة الكيماوية، وهو التصريح الذي تأخر طويلا، عن بدء استخدام الأسلحة المحظورة من قبل هذا النظام، ولم تظهر النصرة إلا متأخرا ربما في أبريل ومايو سنة 2012 بعد أن نجح بشار في جر الثورة السورية السلمية لثورة معسكرة، عبر المنشقين عن جيشه المنضمين للشعب الأعزل، وكانت البداية مع حسين هرموش الذي انشق عن جيش بشار في أول يونيو سنة 2011 وقضى عليه النظام فيما بعد، ثم مع رياض الأسعد في 29 يوليو، ونجح الأسد في إفشال الدولة والثورة معا، فمنذ هذا التاريخ استمر ظهور التنظيمات الثورية المسلحة، وبدأت في السيطرة وحشر النظام في زوايا معينة، حتى استغل ظهور النصرة، في تأكيد فزاعة أنه ضامن لعدم ظهور الإرهاب، والتي كانت عناصر القاعدة العراقية حينئذ تحت لوائها كمهاجرين وليس أنصارا، والإمرة لأهل الدار وفق مفاهيم القاعدة، حتى حدث الاختلاف بينهما، وأخذت داعش بعنفها المدوي تتسع وتتقوى بدعمها الواصل من العراق!

داعش والنظام من السلام إلى الطبقة:

كانت معاهدة سلام متينة وغير معلنة بين داعش وبين نظام بشار الأسد، فقد أعلن وتراهم أسوأ من نظام بشار الأسد، وتم التعاون عبر بيع النفط ومحاصرة الثوار أكثر من مرة، الذي يدر عليها ثلاثة ملايين دولار يوميا على الأٌقل، حسب  تصريح ثيودور كاراسيك، مدير البحوث والمحلل العسكري في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وفي 24 يونيو الماضي صرح وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، قوله خلال زيارته إلى الهند، إن التنظيمات "الجهادية" التي تتزعم الأعمال العسكرية ضد الحكومة في العراق حاليا باعت كميات من النفط من المناطق الخاضعة لسيطرتها لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأن الحكومة الفرنسية تمتلك ."أدلة" تؤكد ذلك.

لكن هذا السلام المتبادل بين داعش والأسد يبدو توقف مع معركة معسكر الطبقة ما بين 20 و24 أغسطس الحالي، وطرد تنظيم داعش لقوات الأسد من الرقة، لتكون أول محافظة سورية تغيب عنها قوات الأسد تماما ولا تحتفظ بأي جيوب فيها، وهو التحول الذي يمكن تفسيره بغلبة توجه داعش العراق على داعش سوريا، بعد أن ركزت الأخيرة فقط على ضرب الثورة واغتصاب الأراضي المحررة على يد فصائلها دون النظام، وهو ما يرجح حدوثه بانتقال أمير داعش أبو بكر البغدادي أو ( إبراهيم البدري) ل سوريا بعد بدء عمليات القصف الأمريكي لمعاقل التنظيم في العراق في 10 أغسطس، وهو ما أكدته مصادر عديدة خلال هذا الشهر، وما يحمله وجهازه القريب من خبرات عسكرية في جيش صدام سابقا، وثقة داعش الكبيرة والمتنامية في أنها قادرة على هزيمة وإزاحة الأنظمة الهشة والفاشلة من طريقها، كما سبق مع تجربة المالكي!

 حاول وليد المعلم وزير خارجية بشار الأسد في 25 أغسطس 2014 التملص من النتائج الوخيمة لسياسات النظام المنتمي إليه وفشلها، مؤكدا استعداد بلاده للمساعدة في الحرب على داعش وتقديم الخدمات المعلوماتية والاستخباراتية في هذا الاتجاه! وهو ما كان مثار اندهاش وتحفظ لم يلق نظرا من أحدا، فعلاقة بشار بتنظيمات القاعدة في العراق وضخ الجهاديين عبر حدودها معها، وعشية في عشية تفجيرات بغداد الإرهابية في آب أغسطس 2009، وجه أصابع الاتهام إلى الأسد المتعاون مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق بتدبيرها. وفي 1/9/2009 أكد المالكي على أن معظم التفجيرات الإرهابية التي تقع على أرض العراق تأتي من قبل النظام.

من تجاوز المالكي إلى تجاوز الأسد:

تبنى مجلس الأمن في 15 أغسطس 2014 بالإجماع قراراً أعدته بريطانيا يتعلق بالتصدي لتنظيم داعش وتنظيم جبهة النصرة في سوريا، ونص ضمن نصوصه العديدة على دعوة جميع الأطراف لحماية السكان المدنيين من أي شكل من أشكال العنف الجنسي، ليضاف هذا القرار إلى ترسانة القرارات التي يصدرها مجلس الأمن بخصوص المنطقة العربية، والتي قد يشكل أي منها ذريعة تدخل عسكري، فقط حين تظهر مصلحة غربية قوية ومباشرة لا علاقة لها بمصالح قاطني هذا الإقليم الساخن العاجزين عن استشعار الوزن الحقيقي لمشكلاتهم ناهيك عن إيجاد حلول لها.

وسبق أن أعلنت الولايات المتجدة في 8 أغسطس استعدادها لدعم الحكومة العراقية الجديدة بعد المالكي ضد مسلحي داعش، وهو ما بدأته فعليا منذ العاشر من أغسطس، وقدمت هي وفرنسا والعديد من القوى الكبرى دعما لقوى البيشمركة التي بدأت خلال أغسطس في استرداد بعض المناطق التي سيطرت عليها داعش، التي أخذت في التراجع وتوقف زحفها للمناطق الأخرى نتيجة الضربات الجوية الأمريكية، وأخذت الظروف في العراق تتحسن مع خلافة حيدر العبادي للمالكي وسعيه لتشكيل حكومة ائتلافية تمثل وحدة وطنية، مخالفة وخلفا للمالكي وتركته الكارثية,,,

كما أعلنت الولايات المتحدة في 24 أغسطس أنها على استعداد لضرب داعش في سوريا متى احتاجت لذلك، وتحدثت وكالة الأناضول الجوية عن رحلات استكشاف للطائرات الأمريكية في دير الزور السورية، التي تسيطر داعش على أجزاء منها، مما يعني إمكانية توسيع القوات الأمريكية لحربها ضد داعش في سوريا والعراق معا..متجاوزة للأسد ونظامه الذي كان حاضنة وداعية قوية لنشأة مثل هذا الظواهر الإرهابية..! سواء بسياساته وممارساته أو بالسلام المتبادل الذي أقامه معها فترة طويلة قبل معركة الطبقة، وحربهما معا على فصائل الجيش الحر والثورة السورية..

وإذا كان مقتل الصحافي الأمريكي جيمس فولي لا يستفز في فداحته أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 عند بعض المراقبين، إلا إنه لا ينفي كما ذكر النائب السابق لمدير وكالة الاستخبارات المركزية مايكل موريل أن (داعش) احتمال قيام أحد أعضائها بفتح النار داخل مول تجاري بالولايات المتحدة في أي وقت[2].

 وقد تقرير الإرهاب السنوي لوزارة الخارجية حدد 17891 وفاة علي مستوي العالم بسبب الإرهاب؛ 16 منهم كانوا أمريكيين. وعلي الرغم من إعلان الدولة الإسلامية نيتها رفع علم الله من البيت الأبيض، الواقع أنه من المستبعد جداً أن المجموعة ستكون علي الإطلاق تهديداً وجودياً لأمريكا. ولكن مع المال، والأسلحة، وجوازات السفر، والمقاتلين الأجانب، والمقدسات التي حصل عليها، الدولة الإسلامية بشكل واضح تشكل خطراً كبيراً للولايات المتحدة وحلفائهاـ لذا لا يستبعد آرون ديفيد ميلر وغيره حدوث التدخل ضد داعش في سوريا في أي وقت، رغم اختلاف الوضع في سوريا عنه في العراق[3].

ولكن يبقى السؤال الأهم هل ستمثل الحرب على داعش إنقاذا ونجاة دولية لنظام بشار الأسد يستعيد بها شرعيته المنتهية، عبر استعانة الغرب والولايات المتحدة بهذا النظام المتهالك الذي فقد السيطرة على 60% من مساحة سوريا، وهو ما يمثل دعما له واعترافا بشرعيته كما أراد وزير خارجيته وليد المعلم في تصريحاته المشار لها آنفا أم أأنها ستمثل نهايته كما كانت نهاية المالكي؟ الذي كان مصرا على البقاء رغم تركته الثقيلة والكارثية على العراق، ورغم طلب المرجعية الشيعية العليا آية الله السيستاني التغيير مبطنا، ثم الخروج صراحة وإصرار القوى السياسية على ذلك، وفشل سياساته التي قسمت العراق، كرديا وسنيا وسياسيا، حتى كانت صحوة داعش ودخولها مناطق كردية وهزيمتها البشمركة دافعا دوليا ووطنيا لضرورة خروجه بعد سيطرتها على الموصل ونينوى وخروج كثير من أنصاره عليه واختيار حيدر العبادي خلفا له وتكليفه من الرئيس العراقي الجديد فؤاد معصوم في 11 أغسطس الماضي!

وقد أكدت الولايات المتحدة ومختلف القوى الدولية والإقليمية ترحيبها بهذا التغيير، ووصفه الرئيس أوباما في بيانه في نفس اليوم بأنه خطوة واعدة للأمام"[4]، وأكد في رسالته لرئيس الوزراء المكلف على المهمة الكبيرة التي أمامه لتجاوز تركة المالكي، كشرط للنجاح في عملية مكافحة الإرهاب التي سبق أن بداتها الولايات المتحدة ضد داعش قبل يومين، قائلا: " ان لدى هذه القيادة العراقية الجديدة مهمة صعبة تتمثل في استعادة ثقة مواطنيها من خلال الحكم دون اقصاء احد واتخاذ خطوات لإظهار تصميمها . الولايات المتحدة مستعدة لدعم حكومةٍ عراقيةٍ تلبي احتياجات ومظالم كامل الشعب العراقي. نحن مستعدون ايضاً للعمل مع بلدان أخرى في المنطقة لمعالجة الأزمة الإنسانية وتحدي مكافحة الإرهاب في العراق. ان حشد هذا الدعم سيكون اكثر سهولة بمجرد تشكيل هذه الحكومة الجديدة "[5]..

إن المطلوب سوريا هو المطلوب عراقيا، دعم القوى المعتدلة والمدنية في مواجهة الإرهاب وتجاوز مرحلة النظام الهش الذي أنتج داعش وأخواتها، وأعطى للإرهاب شرعيته بل واستدعاه عبر استعانته السابقة بميليشيات طائفية معادية له تستهدف الطوائف الأخرى وتحمي نظامه وحده! فاستحالت معارك السياسة دينا وطائفية تكارهية تطاحنية لا وطن فيها! لغير التنظيم مهاجريه وأنصاره.

المصادر

[1]  انظر في ذلك هاني نسيره، البداية والنهاية، الأسد والكيماوي، معهد العربية للدراسات، بتاريخ 15 سبتمبر سنة 2013 على الرابط التالي: الرابط

[2] Aaroun Mikller,The Islamic State's Home-Field Advantage, foreign policy in 25 August 2014.

[3]  المصدر السابق.

[4]  بيان الرئيس أوباما عن العراق بتاريخ 11 أغسطس 2014.

[5]  من نص البيان السابق بتاريخ 11 أغسطس سنة 2014.

النشرة الالكترونية

عاجل

x