هاني فحص والتشيع العربي .. الثائرون على الصفوية والولي الفقيه؟!

بقلم : هاني نسيرة هاني نسيرة
الأحد هـ - 21 سبتمبر 2014م

 

" في لبنان، هناك من أبناء الطوائف من لا ينكر طائفته ولا يهجرها ولا يتنكر لها، ووفاء لها وحباً ينكر الطائفية ويدعو الى الخلاص منها بروية وصدق وصبر وعمق، لأنه يرى خلاص طائفته باللاطائفية، وخلاص وطنه بمجموع طوائفه لا بطائفيته أو طائفياته أو طائفييه"

  • هاني فحص- مقال منشور في جريدة السفير في 17 أكتوبر سنة 2005.

 

نرى في رحيل العلامة اللبناني السيد هاني فحص عن عالمنا، يوم الخميس الماضي الثامن عشر من أغسطس 2014 مناسبة جليلة لتناول قضية كانت من أبرز ما اتسمت به سيرة الراحل ومسيرته الفكرية والنضالية، وهي قضية التشيع الوطني غير الطائفي، والعربي غير الإيراني، والصافي العلوي غير الصفوي،  والذي كان السيد فحص فيه حلقة وسيطة وزهرة مثمرة، بين أوراق كثيرة وسلسلة من الجهود الإصلاحية والوطنية، التي سبقته ولا تزال مستمرة...بين أبناء الطائفة بطول العالم الإسلامي.. بعيدا عن التوظيف السياسي للطائفية بجعلها فوق الوطن أو ضده.

الخارجون عن التشيع الصفوي الإيراني، ثلة قلة وسط ضجيج لا يعني الغلبة ولكن يعني التغلب النازع نحو الهيمنة والتمدد، بزغ المعتدلون سابقا في مسارات سابقة، لتعريف مرجعية النجف وتأكيد تمايزها عن مرجعية قم وعن نظام الولي الفقيه في إيران، كما  كما بزغوا مجددا في لحظتنا الراهنة، مع الثورة السورية، وتدخل حزب الله سندا ودعما لمستبد استدعاه عبر الوكيل والكفيل الإيراني لقمع شعبه على الأرض مع قصفه الجوي وهجومه البري ثم الكيماوي خلال العامين 2012 و2013، فقالوا لا للتدخل ولا للاستبداد ونعم للثورة والشعب السوري والوطن، ولا زالت أطروحاتهم وخطابهم مرجعية رحبة نحو التعايش والتقارب والحوار في رحاب المشترك...الحاضر الوطن والمواطن... والماضي...والمستقبل المختلف.

يشير تعبير التشيع العربي للتشيع غير الإيراني الصفوي، ويرادفه التشيع العلوي الصافي الذي لم يكفر ولم يسب معارضيه، ولم يؤسس للعن مبدأ واعتقادا، التشيع الرافض للاحتراب الطائفي على حساب الأوطان، ولطقوس الكراهية المتبادلة بين الطوائف، بروح تقريبية وتفاهمية تقبل العيش المشترك وتؤمن به..

كما يشير مفهوم التشيع العربي في اللحظة المعاصرة لتشيع وطني لا يقفز فوق الوطن، ولا يرفع الطائفة فوقه ولا يفجره بالقنبلة الطائفية النووية كما كان يقول هاني فحص، يؤمن بمفهوم الدولة الحديثة وقيمة المواطنة الحرة، لا التابعة، كما نشط مع تطورات الأزمة العراقية خلال الولاية الثانية لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي استخدم الطائفة كمطية لصعوده السياسي، ومارس التمييز الطائفي ضد المواطنين السنة، وانتهت بنكسة قواته فعلى يد تنظيم داعش في يونيو الماضي، وهو ما رفضه كذلك رموز الشيعة العربية في العراق ولبنان، بدءا من مرجعية النجف، التي كررت نداءاتها وتوجيهاتها بضرورة التغيير، ممثلة في آية الله السيستاني والمرجعيات الأخرى في النجف، مرورا بالتيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر بالمجلس الشيعي الأعلى بقيادة عمار الحكيم، ووصولا للرموز والشخصيات المستقلة مثل الراحل الجليل السيد هاني فحص وكثير من المثقفين الشيعة والتيار الشيعي الحر في لبنان..الذين أصدروا البيانات تلو البيانات رفضا لتدخل حزب الله لمساندة المستبد ضد شعبه، وتحذيرا من الاحتراب والانقسام الأهلي، وتقديما لقيمة الأوطان والموطن والمواطنة.

 حول مفهوم التشيع العربي أو التشيع العلوي:

يسميه البعض التشيع العربي مقابل التشيع الإيراني بمعنى الاستقلال عن الولي الفقيه، وعدم الالتحاق بالأجندة والسياسة الإيرانية المتمددة عبر الطائفة لتحقيق مصالحها التوسعية، والمستخدمة لها، ويغلب عند استخدام هذا المفهوم الإحالة على علماء الشيعة العرب الذين حولوا التحرر والتخلص من أسر الهيمنة الصفوية في تشكيل وصوغ عقيدة الشيعة، منذ ظهور دولتها عام( 900 هجرية- 1500 ميلادية) أو التخلص من هيمنة نظام الولي الفقيه في الزمن الراهن، وتوجهاته الهادفة للنفوذ والتمدد في محيطه الجيوسياسي..

 ويتماهى هذا المفهوم مع مفهوم التشيع العلوي، نسبة ل شيعة على بن أبي طالب رضى الله عنه الأول، كمقابل  للتشيع الصفوي الذي صاغته الدولة الصفوية، وما حمله من بدع الكراهية المقيتة التي لا تستند لأصول ثابتة في أصول الطائفة ولا الإسلام، من قبيل اللعن وسب الصحابة واتهام أمهات المؤمنين، ورفضها أئمة آل البيت قبل عامتهم، وتحمل روحا ومنهجا تقريبيا تتصالح فيه الأصول وينحى فيه تاريخ الفتن وصداماتها، وفي هذا يشترك كثير من ممثليه العرب والعجم على السواء..

ومع التجدد والإصلاح الشيعي في العصر الحديث برزت أصوات عديدة  من داخل الحوزات العلمية تلح على هذا الإصلاح وعلى التشيع الصافي من الصفوية، وتعارض نظرية الخوميني وخلفه خامنئي في ولاية الفقيه وترفض التدخلات والممارسات الإيرانية في السيطرة على اعتقاد الطائفة وتوجهاتها، برزت فيها أسماء كثيرة نذكر منها الأسماء الآتية:

  1.  السيد محمد باقر الصدر
  2. السيد موسى الصدر
  3. السيد محمد مهدي شمس الدين
  4. السيد محمد حسين فضل الله.
  5. السيد محمد صادق الصدر( والد مقتدى الصدر) .
  6. السيد على الأمين.
  7.  السيد المرحوم هاني فحص.
  8. الشيخ صبحي الطفيلي الأمين العام الأول ل حزب الله والمنتقد له.
  9. الشيخ محمد الحاج حسن رئيس التيار الشيعي اللبناني الحر المعارض لتدخل حزب الله في سوريا.
  10.  كثير من مثقفي الشيعة ومفكريهم الذين انتصروا لفكرة الوطن والعدالة الاجتماعية وخرجوا من إسار الطائفية نحو الوطن والمواطنة كما خرجوا من إسار المظلومية الطائفية والتاريخية نحو العدالة الاجتماعية فشكل جزء عريض منهم قواعد فاعلة في تيارات اليسار والعلمانية العربية المعاصرة. 

ولا يعني جماع هؤلاء ضمن هذا التيار الذي يسمى التشيع العربي أو التشيع العلوي أنهم يتوافقون في كل شئ، فبين كل منهم اختلافات جزئية، ولكن على الأقل في مسائل الاعتقاد ورفض الهيمنة الإيرانية والتحفظ أو الرفض على نظرية الولي الفقيه الخمينية، والموقف من الطوائف الأخرى والتوجه التعايشي والتقريبي متفقون. 

أما مفهوم التشيع الصفوي، فيشير لذلك التشيع الذي صاغته الدولة الصفوية( 1501- 1785 ميلادية)، والتي أسسها قادها غلاة صوفية باطنية، أحفاد صفى الدين الأردبيلي، يعد تحوله للمذهب الشيعي وغالوا فيه، لا علاقة لهم بعلوم الأصول والفقه الشيعي، فزادت في عهدهم الخرافات وعادات اللعن واللطم والتطبير والمغالاة في الأئمة والعداء الشديد ضد الآخر السني وإجبار سنة إيران الذين كانوا الغالبية لمدة تسعة قرون.

وتجمع المصادر التاريخية، سنية وشيعية، على أن انتقال إيران من مذهب أهل السنة إلى التشيع، في عهد الصفويين، كان انتقالاً دموياً فقد قتل الشاه إسماعيل مليون إنسان سني في بضع سنين، وكان يمتحن الإيرانيين السنة بطرق شتى، كأن يطلب من الفرد السني سب الخلفاء، ثم يطلب منه مزيداً من السب، فإن وافق أطلق سراحه وإلا قطعت عنقه فوراً، وأعلن سب الصحابة والخلفاء في الشوارع والأسواق وعلى المنابر، منذراً كل المعاندين السنة بقطع رقابهم.

كما تميز التشيع الصفوي كذلك بتداخل الفقهي والعقدي في السياسي وهو ما ساهم فيه بشكل خاص بعض علماء جبل عامل الذين اختاروا القرب من البلاط الصفوي وهاجروا إليه، مثل على بن عبد العال الكركي، المعروف بالمحقق الكركي( 868-940 هجرية)، والذي هاجر مع ثلاثة وستين آخرين لتأييد هذه الدولة الذي امتنع عن تأييدها وشرعنتها شيعة العراق وإيران، وقد عينه الشاه طهماسب بن إسماعيل الصفوي حاكما في الأمور الشرعية في الإمبراطورية الصفوية، وأعطاه مرسوما رسميا بذلك.

وقد مضى الكركي المذكور في تبرير ممارسات الصفويين، وألف لهم كتباً مثلت مرجعية لممارساتهم، تؤيد فألف كتاباً في التربة الحسينية، وجواز السجود للإنسان، وألف كتاباً يؤيد السب والشتم للصحابة بعنوان "نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت" أي أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، وكان يفضل لعن الصحابة على التسبيح لله. وألف رسالة في تغيير القبلة، لذا سماه خصومه الشيعة بأنه (مخترع الشيعة) لأنه ابتدع وبرر أفعال الصفويين الشنيعة وغير المقبولة من بعض علماء الشيعة حينئذ وبعدها، ولكن يذكر البعض أن الكركي رفض بعض ممارساتهم مثل قتل شيخ الإسلام في هرات سعد الدين التفتازاني الصوفي المشهور صاحب "المطول في البلاغة" بعد هزيمتهم لدولة الأزبك السنية[1]، ولكن المعروف من كتبه أنه كان موافقا ومبررا أكثر منه متحفظا..!

محاولات سابقة للتحرر من التشيع الصفوي:

ثمة محاولات قديمة ومعاصرة ومستمرة للتخلص من رواسب التشيع الصفوي، يمكن أن نشير منها لمحاولات آية الله الخوانساري( توفي سنة 1405 هجرية) والذي رفض ولاية الفقيه كما مثلها الكركي في العهد الصفوي أو مثلها الخوميني بعده في العصر الحديث، ورآى عدم جواز النيابة عن الإمام في زمن الغيبة وكذلك المثقف الإيراني أحمد كسروي( توفي سنة 1946 ميلادية) والمفكر الراحل على شريعتي( 1933-1977) الذي كتب كتابا مهما بعنوان" التشيع العلوي والتشيع الصفوي" حاول فيه ان يفرق بين مسارين في تاريخ المذهب الشيعي احدهما هو التشيع الاصيل الذي ينتمي الی علي بن ابي طالب و الثاني التشيع المزوّر  والمشوه الذي ظهر عبر التاريخ خاصة في عهد الصفويين و ما بعده، وفعله المفكر العراقي وعالم الاجتماع الراحل على الوردي في جزء من كتابه:" لمحات اجتماعية وسياسية في تاريخ العراق الحديث"، كما أن هذا الموقف يتضح في عدد من كتبه وبخاصة كتابه المشهور " وعاظ السلاطين".  

ومن السباقين في هذا الاتجاه أيضا السيد محسن الأمين العاملي (ت 1954)،  والسيد محمد علي الشهرستاني (ت 1967)، والشيخ مرتضى مطهري (اغتيل 1979)، وآية الله محمود طالقاني (ت 1979) الذي كان قريبا من على شريعتي رحمه الله.

صراع المرجعية بين النجف وقم:

 

تشكل حوزة النجف، في مجملها، تعارضا في مواجهة المؤسسة الدينية الإيرانية (حوزة قم). هذا التعارض لا ينبني على أساس وجود الحوزتين في مكانين وبلدين مختلفين، بل في التقاليد المختلفة لكلتيهما، حوزة قم التي تملك تقاليد راسخة في مواجهة الشأن السياسي والعلاقة مع الدولة، وحوزة النجف التي انبنت على تقاليد أقرب ما تكون إلى (النزعة الحجتية): العكوف على العمل الحوزوي الداخلي، والانقطاع الكامل عن السياسة.

من هنا، أصبحت كل من (النجف) و(قم) هوية تعريفية تختلف عن الهويتين الوطنيتين: العراق، وإيران، بمعنى أن العلماء المنتمين إلى أي من الحوزتين يُعرّفون بحسب الحوزة التي ينتمون إليها، بغض النظر عن أصولهم وجنسياتهم.

فالسيستاني، الإيراني، هو ـ في مستوى آخر ـ (نجفي) في مواجهة (قم).

لقد اتخذت العلاقة بين هاتين الحوزتين شكلا جديدا بعد 9/ 4/ 2003. وقد كانت هناك نزعة من حوزة النجف لتأكيد التمايزات عن حوزة قم، وهو الأمر الذي لعب دورا كبيرا في تأكيد استقلالية الحوزة العراقية، وبالتالي، بناء علاقة مع الدولة العراقية الجديدة انطلاقا من التقاليد التأريخية لحوزة النجف.

 

وعارض أغلب العلماء الشيعة العرب نظرية الخوميني في ولاية الفقيه، وطرحوا نظريات مغايرة، فطرح الشيخ محمد مهدي شمس الدين نظرية ولاية الأمة عبر الانتخاب وتقديم الدولة والوطن على التاريخ والطائفة، وطرح السيد محمد باقر الصدر نظرية خلافة الأمة وإشراف المرجعية، وجمع آخرون بين النظريتين، ولكن لم يقبلوا ما طرحه الخوميني من نظرية مطلقة للولي الفقيه[2].

 تتميز تقاليد حوزة النجف بابتعادها عن السياسة، وعدم اشتغالها بها، وإن انشغلت بها، ولكن من منظور التعايش والوطن وعدم التمييز الطائفي، وهو ما يفسر موقفها الأخير من سياسات المالكي مثلا، أو مواقفها بعد سقوط بغداد ونظام صدام حسين في أبريل سنة 2003، وإن ظل تركيزها الرئيس على العلوم النقلية واللغوية ومنهج الحجتية، وكما رفض المرجعية عبد العزيز الحكيم دعوات الخوميني له بالخروج والثورة وما شابه وتسيسها في وقت سابق، الذي كان يستثيره بمواقف المرجعية القمية يزدجردي في ثورة التبغ ضد الشاه أو مواقف علماء تركيا ضد حكم أتاتورك[3]، وهو ما لم يحرك شيئا على ما يبدو في فكر السيد الحكيم حينئذ، وهو الموقف الذي ظل سائد لدى مرجعية النجف بشكل كبير حتى الآن.

لكن شهدت حوزة النجف صراعا إثنيا حول قيادتها بين العرب والعجم، بين رجال الدين العرب والإيرانيين، وكان ثمة تيار عروبي داخل حوزة النجف، الذي كان يمثله محمد حسين كاشف الغطاء، ومحمد رضا المظفر، وعبد الكريم الجزائري، وسواهم من العلماء العراقيين العرب. وقد بدأت المرجعية الراهنة للصراع ترجع إلى تسعينيات القرن العشرين، حين أحيا السيد محمد الصدر ـ وهو أحد أبرز علماء الشيعة في العراق في العقدين الأخيرين ـ الصراعَ العربي الإيراني داخل حوزة النجف، حيث قاد الصدر وأسّس تيارا عروبيا داخل الحوزة، ربما لم يُتَح له أن يكتمل وينضج إلا بعد 9/ 4/ 2003، وهو التيار الذي نعرفه اليوم بـ (التيار الصدري) ويقوده ابنه السيد مقتدى الصدر.

       

وهو ما فسره حيدر سعيد بقوله:"  أفاد الصدر من الغطاء السياسي المعادي للإيرانيين آنذاك، ومضى في مشروع بناء تيار عروبي داخل الحوزة. وقد أدّى هذا إلى توافد أعداد كبيرة من أبناء جنوب العراق، تحديدا، للدراسة في النجف. وقد بلغ عدد طلبة الحوزة في التسعينيات نحو 7000 طالب، قياسا بنحو 500 طالب فقط  في الثمانينيات. هؤلاء الطلبة كسروا نمطَ الطالب الحوزوي، فلأول مرة في تأريخ حوزة النجف، تكون السحنة السمراء الجنوبية هي السحنة الغالبة على طلبة الحوزة المعمّمين الصغار. ومن جهة ثانية، شكّل هؤلاء الطلبة المادةَ التي سيُبنى منها (التيار الصدري)"[4].

       

          لقد استعمل التيار الصدري حينئذ لغة وطنية مستمدة من ميراث الوطنية العراقية الكلاسيكية، ومن ميراث المؤسس محمد الصدر، المتداخل بهذه الصيغة من الوطنية. لقد كان الشعار الرئيس لخطب الجمعة، التي أدّاها الصدر في مسجد الكوفة من سنة 1998 إلى مقتله في شباط 1999، هو "كلا، كلا، أمريكا". من هنا، عبّر التيار الصدري عن موقف رافض للأمريكان، وفتح علاقات مع القوى السنّية المناهضة لهم، من قبيل (هيئة علماء المسلمين)، ودعا إلى (مقاومة وطنية للاحتلال)[5] وهي نفس المواقف التي يتسم بها التيار الصدري حتى الآن.

 

الإصلاح الشيعي..بين البعث والولي الفقيه

من غريب الأٌقدار أن التشيع العربي كان ضحية التسلط القومي العربي وأنظمته، فقد قتل السيد موسى الصدر واختفى أثره بعد زيارته لليبيا ومقابلته للديكتاتو المقتول معمر القذافي سنة 1978، واغتال صدام حسين السيد محمد باقر الصدر وشقيقته بنت الهدى في 9 أبريل سنة 1982، واستهدفت سياسات القوميين دائما وخطابهم الأيدولوجي التشكيك في هوية الشيعة العرب وحرفهم إيرانيا وصفويا.

وقد ظهر ذلك جليا في كتابات مؤرخي النزعة القومية المعروفين مثل أبرز مؤرخي البعث الراحل الدكتور عبد العزيز الدوري، وعدّ شيعة العراق هم بقايا الساسانيين، على نحو ما فعل عبد الرزاق الحصان في كتابه العروبة في الميزان (1933)، ومن ذلك ما قاله الرصافي في كتابه" الرسالة العراقية" حيث يقول: "إن إيران هي القبلة السياسية التي تتجه إليها قلوبُ شيعة العراق منذ عهد الدولة العثمانية البائدة" " و إن عراقيتهم تتلاشى تجاه الإيرانية المستحكمة في قلوبهم". ويضيف: "إن بين التشيع وبين العروبة تناقضا لا يخفى على أسخف العقول"[6] وهم في ذلك لا ينتبهون ل أصوات عراقية مهمة كتبت عن الهوية العراقية وفصلت بين التشيع العربي وطنيا والعلوي صفاء وبين التشيع الإيراني التحاقا والصفوي انحرافا مثل الدكتور على الوردي في كتابه: " لمحات اجتماعية وسياسية في تاريخ العراق الحديث" وشعراء ومبدعون كبار كالشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري وغيرهما كثيرون كان بعضهم من نشطاء حزب البعث والحركة القومية العربية ذاتها.

ومن غريب الأقدار احتفاء الأوساط الإعلامية العربية بالتشيع السياسي الموالي ل إيران ممثلا في حزب الله وزعيمه السيد حسن نصر الله، خاصة بعد حرب تموز سنة 2006، التي وصفها حسن نصر الله بالمغامرة بعدها بقليل، دون أدنى انتباه من الآلة الإعلامية والأيدولوجية العربية لدعاة الإصلاح الشيعي الوطني والمذهبي، العربي والعلوي، وهو ما صنع شعبية كبيرة للتشيع الإيراني وتمدداته في المنطقة، استمر حتى الأزمة السورية الراهنة، غير معتن ومنتبه بمغامراته وتبعيته الملتحقة بالسياسة الإيرانية على حساب مصالح الوطن والدولة اللبنانية والعالم العربي ككل.

وكما كان المستبد البعثي ضد التشيع العربي غير الإيراني و العلوي غير الصفوي كان نظام الولي الفقية كذلك ضدهما، فتم اغتيال أصوات التشيع العلوي المعتدل في إيران، ولا زال كذلك، والتي مثلته في السابق شخصيات كالمفكر الإيراني علي شريعتي( اغتيل على الأرجح سنة 1977) وله كتاب مشهور حول التشيع العلوي والتشيع الصفوي وقد أسس حسينية الإرشاد (1969)، ، وكذلك الشيخ مرتضى مطهري (اغتيل 1979)، وثالثهما آية الله محمود طالقاني (ت 1979)، وقد انتهت حياة ثلاثتهم نهاية مأساوية على يد السافاك أو الحرس الثوري بعد ذلك..وكذلك كان وأد الحركة الخضراء التي ولدت عام 2009 تطالب بعدم دعم إيران ل حزب الله والكف عن اختراق دول الإقليم وغير ذلك...

 

خرافة الصراع السني الشيعي:

لقد بات من مسلّمات تفكيرنا المعاصر النظر إلى (الهوية) على أنها كيان مركّب، بأربعين وجها، بتعبير داريوش شايغان، فالهوية ليست بعدا واحدا ولكن أبعاد متعددة، وتظل خطورة الهوية أساسية أو فرعية حين استخدامها من متعهديها وموظفيها السياسيين، هكذا فعل المالكي في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة في أبريل سنة 2011 حين جعل شعاره: إقامة دولة آل البيت، أو فعلت الجهادية الشيعية في سوريا حين رفعت شعار: لن نترك زينب تسبى مرتين" وهكذا تفعلها داعش وأخواتها من المتطرفين السنة! اللعب على نزوعات العاطفة والغضب في الهوية...رغم أنها ليست البعد الوحيد فيها...

يقول أستاذ السياسة الإثنية بول براس في نص كلاسيكي: "إن (المتعهدين السياسيين) يستطيعون تسييس الهويات التي كانت في السابق ثقافية فحسب، وهم لديهم المهارات اللازمة للربط بين (الارتباطات الوشائجية primordial العميقة لأعضاء المجموعة والعلاقات المتغيرة للسياسة)". ويضيف: "إن تسييس الهوية ينشأ عن المنافسة بين النخب على إعادة تحديد معالم الهوية بطرق تخدم النخبة والمصالح الشعبية على حد سواء"[7].

وكما أن السنة ليسوا كلاً واحداً مُصمتاً، حتى نتحدث عن صراعٍ سني-شيعي، فالشيعة ليسوا كذلك حزب الله، لا يمثل كل الشيعة لا داخل لبنان و لا خارجه. صحيح، ولاية الفقيه التي يتبعها هذا الحزب لها جذورٌ في الفكر الشيعي الاثنا عشري بدأت ربما مع النائيني و أصلّها الخميني إلا أنها فكرة خلافية لم يقبل بها كثير من مرجعيات الشيعة، وفي مقدمتهم مرجعية النجف، بل والغالبية العظمى داخل مرجعية قم، وعلماء ومرجعيات كبار كالشيخ محمد باقر الصدر ومحمد مهدي شمس الدين وغيرهم..

الخروج الشيعي ضد إيران:

 إن الغالبية العظمى من الشيعة الاثنا عشرية يتبعون المدرسة الأصولية التي تلزمهم بتقليد (أي اتباع) فقيهٍ مجتهدٍ حي (هناك اتجاهات لتقليد الميت لكن هذه محدودة التأثير حتى الآن) و المعروف ان الرقم الأكبر من الاثنا عشرية عموماً و الايرانيين خصوصاً يقلدون، إلى جانب مراجع آخرين، السيد السيستاني لا الولي الفقيه في طهران (الخامنئي). علماً بأن السيستاني لم يؤيد قتال الشيعة الإثنا عشرية دفاعاً عن حكم آل الأسد كما فعل الخامنئي، علماً أيضاً بأن السيستاني في موقفه هذا ليس وحيداً بين المراجع الشيعة. أضف إلى ذلك كله أن الموقف السائد في الشيعة الاثنا عشرية هو أن العلويين ليسوا من الشيعة، كيف إذاً نحسب المسألة صراعاً سنياً-شيعياً؟

 هل يذكر أحدُ اليوم أن كثيراً من شعارات الثورة الخضراء في ايران عام 2009 كانت ضد دعم إيران لحزب الله؟ أما في لبنان، الذي يرسل منه حزب الله من يقاتل دفاعاً عن حكم آل الأسد، لم يغب أبداً معارضي هذا الحزب داخل الطائفة الشيعية. العلامة الراحل محمد مهدي شمس الدين (ت 2002 ) رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لم يُعرف بقربه من الحزب ولم يدعم ولاية الفقيه علماً بأن آخر كتبه (الوصايا) قدم أساساً لحوار حقيقي بين السنة و الشيعة يقوم على درس و تمحيص الخلافات بين الطائفتين علمياً في مجالي الحديث والروايات التاريخية.  علاقة المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله (ت 2010) بولاية الفقيه وحزبها في لبنان كانت أكثر تعقيداً. الرجل بدأ مرتبطاً بحزب الدعوة في النجف حيث ولد و تلقى تعليمه ثم انضوى تحت زعامة الخميني بعد الثورة الإيرانية و كان فيما نعرف طرفاً أساس في إنشاء و قيادة حزب الله (و إن بشكلٍ غير مباشر)، لكنه مع ذلك كان الوكيل الشرعي للسيد الخوئي (لا الخميني)، وبعد وفاة الخوئي (سنة 1992) بعامين نودي بفضل الله مرجعاً مما أثار حفيظة مؤسسة ولاية الفقيه في طهران و اتباعها في حزب الله (الذي كان يرى في السيد فضل الله أباً روحياً حتى ذلك الحين) فشنوا على الرجل حملة نقد شديد، كان مما وظفوه فيها ضده بشكل غير مباشر جهوده في التقارب السني الشيعي و نقده لروايات تاريخية أقل ما توصف بها أنه غير منطقية تؤسس لطقوس لعن بعض صحابة النبي (ص) و سبهم خاصة أسطورة مقتل السيدة فاطمة رضوان الله عليها على يد عمر رضي الله عنه. تحسنت علاقات الطرفين بعد حرب 2006 لكن حزب الله لم يعترف أبداً بفضل الله مرجعاً. و مع ذلك اتبع فضل الله مئات الآلاف و اكتظ مسجده كل جمعة بعشرات الآلاف و سار أيضاً عشرات الآلاف في جنازته عام 2010 في ضاحية بيروت الجنوبية،معقل حزب الله[8]..

وقد أكد الشيخ محمد الحاج حسن «رئيس التيار الشيعي الحر» اللبناني في حوار له مع جريدة الشرق الأوسط في 14 يونيو سنة 2014 وجود أكثر من 300 ألف شيعي في لبنان يعارضون سياسة حزب الله، وأضاف أن الأرقام تتصاعد في ظل غضب من الطائفة الشيعية في البلاد بعد تحول حزب الله إلى «حزب قاتل ودموي بتدخله الأخير في الأزمة السورية».

وأوائل سبتمبر سنة 2012 صدر عدد من البيانات والمواقف لعدد من علماء الدين الشيعة وأبرزهم الأمين العام الأسبق لحزب الله الشيخ صبحي الطفيلي والعلامة السيد محمد حسن الأمين والعلامة السيد هاني فحص الذين دعوا الى دعم الثورات العربية كلها، ولا سيما الثورة السورية من دون أي تحفظ، كذلك صدر آواخر أغسطس سنة 2012 بيان وقعه عدد من علماء الدين والمثقفين والناشطين السياسيين والاعلاميين دعا الى دعم كل الثورات العربية ودعم قيام دولة المواطنة في لبنان، وركز على دور علماء سوريا في الوحدة الوطنية والإسلامية والدعوة الى وقف أية ممارسات تؤدي الى الفتنة المذهبية[9].

وهو نفس ما حدث في مايو سنة 2014 في العراق، حيث انتفض انتفض سياسي شيعي بارز في جلسة جمعت رجال أعمال أكراداً وخبراء نفط أجانب، حين أثير موضوع الضغوط الإيرانية في ملف تشكيل الحكومة حينئذ، وأشار بيديه إلى الجبال والمرتفعات المحيطة بمدينة أربيل شمال العراق قائلاً: "نحن لسنا ضاحية جنوبية تتحكم فيها إيران إلى الأبد، فهي تعلم أن الشيعة في البصرة والنجف يمدون شراكات ثقافية واقتصادية عبر هذه الجبال، مع عراقيين متنوعين، نحو أوروبا، وشراكات تاريخية مع عرب الخليج، ويكتسبون ثقة أكبر بأنفسهم حين يرون كل عمالقة النفط الذين يسارعون للاستثمار هنا، وأن النفوذ الإيراني أمر مؤقت شجعه فراغ القوة بعد انهيار صدام حسين، وستشهدون جميعاً كيف سنقوم بتنظيمه وتحديده".[10]

لم يكن "التمرد" على الرغبات الإيرانية وليد  هذااليوم، فقد ظهرت بوادره بعد انتخابات 2010 حين رفض المجلس الأعلى الإسلامي الذي تأسس في طهران مطلع ثمانينيات القرن الماضي، دعم حكومة جديدة لنوري المالكي رغم كل ضغوط قائد الحرس الثوري قاسم سليماني، فعاقبه الإيرانيون حين أمروا منظمة بدر جناحه العسكري، بالانشقاق والتحالف مع المالكي.

وجاءت ثاني علامات التمرد على رغبات إيران في 2012 حين خالف مقتدى الصدر رغبتها، وذهب إلى أربيل في اجتماع كان يهدف إلى سحب الثقة من نوري المالكي، متحالفاً مع الأكراد والسُّنة، ليأخذ الموضوع أشكالاً متعددة فيما بعد، حين تحدث الصدر وعمار الحكيم ورجال دين بارزون في النجف، عن رفضهم زج شباب عراقيين في القتال إلى جانب بشار الأسد مع "حزب الله" اللبناني.

وهو ما استمر قبل وبعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أبريل سنة 2014 حين انقسم البيت الشيعي وأصر على رحيل المالكي، وأعلنه مقتدى الصدر وعمار الحكيم وغيرهم من أعضاء التحالف الوطني الشيعي، أن هذا مطلبهم الأول، رغم الضغوط الإيرانية ومحاولات الوساطة التي فشلت جميعا، وخرج المالكي في النهاية وخضعت إيران لما أراده العراقيون..

خاتمة.. هاني فحص:

كان السيد هاني فحص( المولود في قرية بلدة جبشيت (النبطية) عام 1946)  حلقة بارزة من سلسلة طويلة ومميزة من جهود إصلاح وتحرير الفكر الشيعي المعاصر من العزلة ومن الرواسب الصفوية والالتحاق الإيراني المعاصر الذي تورطت فيه حركات عربية شيعية وسنية على السواء، تحررت نحو رحابة الوطن وفضاء الدولة واحترمت الهوية الوطنية والقومية كما ظلت مخلصة لهويتها الطائفية...في آخر لقاء معه، آواخر عام 2013، بالعاصمة الأردنية عمان: سألته ما الحل؟ قال الدولتية؟ الدولة.. عودة الدولة .. لتحمينا ممن يتاجرون ويرتفعون بالتعصب متعهدو السياسة الذين يوظفون الطائفة طائفية لخدمة صعودهم....

 

 

المصادر

[1]  انظر حول ترجمة الكركي، د خضر نبها، إطلالة على سيرة المحقق الكركي، ودعوته لحفظ حوزته، مجلة رسالة النجف، العدد السابع والثامن سنة 2006، يمكن مراجعتها على الرابط التالي: الرابط

[2]  انظر في ذلك على فياض، نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي المعاصر،  ط1مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي.، سنة 2010..

[3]  انظر محمد صادق الحسيني، الإمام الخوميني، في رسائل الإصلاح والتغيير، ط1 مركز الحضارة لتنمية الفكر الإٍسلامي، 2009.

[4]  حيدر سعيد، الوطنية الشيعية في العراق، محاولات بناء تشيع عربي، ورقة غير منشورة عام 2010.

[5]  حيدر سعيد، الوطنية الشيعية في العراق، محاولات بناء تشيع عربي، ورقة غير منشورة عام 2010.

[6]  انظر في ذلك معروف الرصافي، الرسالة العراقية في السياسة والدين والاجتماع، ط دار الجمل سنة 2005.

[7]  حيدر سعيد، الوطنية الشيعية في العراق، محاولات بناء تشيع عربي، ورقة غير منشورة، لدى الباحث.

[8]  انظر سامر القرنشاوي، الطائفة أوسع من خامنئي وحزب الله! في التوظيف السياسي للصراع السني الشيعي!، معهد العربية للدراسات منشور في 18 أغسطس سنة 2013، يمكن مراجعته على الرابط التالي:  الرابط

 

[9]  قاسم قصير، عودة الحراك والنقاش في الأوساط الشيعية المستقلة، مقال مرسل في 4 سبتمبر سنة 2012.

[10]  نقلا عن جريدة الجريدة الكويتية في 14 مايو سنة 2014، يمكن مطالعتها على الرابط التالي: الرابط

النشرة الالكترونية

عاجل

x