الحوار الوطني وإصلاح الجيش! اليمن في مرائي التواصلية..

بقلم : مايكل مي وباسمة رو مايكل مي وباسمة رو
الجمعة 16 جمادى الثانية 1434هـ - 26 أبريل 2013م

منذ الإعلان عن انطلاق أعمال مؤتمر الحوار الوطني اليمني يوم الاثنين 18 مارس سنة 2013، اشتعلت الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) بآلاف المقالات والتعليقات والتحليلات عن اليمن؛ الطموحات والتحديات أمام ثورتها المميزة، ومستقبلها المنتظر، ولكن بينما اهتم الكثيرون بالنخب والقوى السياسية، تأتي هذه الدراسة التي اختصصنا بها "معهد العربية للدراسات" لتستوضح وتقرأ مواقف الناس على المواقع التواصلية والإعلام الجديد.

وهو ما يأتي إيماناً من كاتبيها بدور شبكات التواصل الاجتماعي، في تغذية الانتفاضات والثورات الشعبية في الدول العربية. وقد استخدمت وسائل الإعلام الاجتماعية لحشد الجماهير، وتوثيق حركة الاحتجاجات الثورية، وسرعة تغطية الأحداث على نطاق واسع في بلدان مثل مصر وتونس. وبينما سُلطت الأضواء بشكل كبير على دور مواقع التواصل الاجتماعي في ثورتي تونس ومصر، لم تنل ذات الاهتمام في اليمن، ربما لأنه يشتهر بكونه معقلاً للتيارات القبلية المحافظة، ومعاناته من ارتفاع نسبة الأمية، وانخفاض نسبة استخدام الإنترنت، وهو عكس ما صح في مسار هذه الثورة اليمنية منذ بدايتها وحتى الآن، حيث اندفع اليمنيون يشاركون، وبنسق ثوري متصاعد، يعكس حيوية سياسية تسكنهم.

بينما سُلطت الأضواء بشكل كبير على دور مواقع التواصل الاجتماعي في ثورتي تونس ومصر، لم تنل الاهتمام نفسه في اليمن، ربما لأن اليمن يشتهر بكونه معقلاً للتيارات القبلية المحافظة، وربما لارتفاع نسبة الأمية، وانخفاض نسبة استخدام الإنترنت، لكن حدث العكس في مسار هذه الثورة اليمنية منذ بدايتها وحتى الآن

لم نعد بحاجة إلى خبراء إعلاميين لتقييم الأحداث في اليمن، فـ"أهل مكة أدرى بشعابها‎" كما يقال، ونرى أن من يريد التعرف على الروح والرؤية الثورية لليمن، عليه أن يطلع على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة فيسبوك وتويتر ويوتيوب، التي ماجت بشتى صور التعبير عن الهم اليمني، ناهيك عن المنتديات اليمنية التي تناول الآلاف من مرتاديها على امتداد العامين الماضيين، جميع القضايا السياسية والاجتماعية والعسكرية والاقتصادية.

تلك الظاهرة تتناقض بلا شك مع ما أشارت إليه تقارير الاتحاد الدولي للاتصالات حول استخدام الإنترنت في اليمن، فاليمن تحتل في تلك التقارير المراتب الأخيرة عربياً، في ترتيب مستخدمي الإنترنت، وعلى الرغم من هذا الترتيب وبطء خدمة الإنترنت في اليمن، نجد أن وسائل الإعلام الاجتماعية تقف قوية بين نظرائها في شبه الجزيرة العربية. وفاق النشاط على صفحات فيسبوك اليمنية الدول المجاورة التي سبقتها في استخدامه، مثل الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والأردن.

من يريد التعرف على الروح والرؤية الثورية لليمن، عليه أن يطلع على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة فيسبوك وتويتر ويوتيوب، فرغم ترتيبه المتأخر في استخدام الإنترنت، وبطء الخدمه فيه، فإن وسائل الإعلام الاجتماعية في اليمن يفوق نشاطها مثيله في الدول المجاورة

فـالمجلس اليمني، وهو منتدى حواري يركز على القضايا اليمنية، أصبح واحداً من منتديات النقاش العربية الأكثر نشاطاً على شبكة الإنترنت، ووفقاً لـرشا علام، أستاذة الإعلام والتواصل، "إن عدد المشاركين اليمنيين في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك يصل إلى 531020 مشاركاً، بما يقارب 78% ذكوراً و22 % إناثاً، أغلبهم يمثلون الفئة العمرية 18 – 20، تليهم الفئة العمرية 25- 34".

تلك الثورة الجديدة وغير المسبوقة، لا تتمثل في ازدياد الوجود الرقمي المتمثل بارتفاع نسبة عدد المستخدمين للإنترنت، بل في النقل المباشر للأحداث السياسية، والانخراط العلني الفعال في الحياة السياسية، وفي حرية التعبير عن الآراء التي يفتقر إليها كثير من الدول العربية. ومن الجدير بالذكر، أن تلك الطفرة الإعلامية لم تشمل مواقع التواصل الاجتماعي فحسب، بل امتدت إلى المحطات الفضائية المسموعة والمرئية، ووسائل الاتصال الجماهيري بمختلف أنواعها.

وفي الوقت الذي أثرت فيه التطورات السياسية على زيادة فسحة الحرية في التعبير عن الآراء، وازدهار استخدام التكنولوجيا في الحراك الشعبي؛ نجد أن الشباب اليمني نجحوا في تسخير قوة وسائل الإعلام الاجتماعية للتواصل وحشد المواطنين للمشاركة في صنع التغيير.

ومن أفضل الأمثلة على هذه الظاهرة، ما شهدته مواقع التواصل قبل وأثناء انعقاد مؤتمر الحوار الوطني اليمني الذي انطلق في 18 مارس، فطوال الأسابيع الأولى للمؤتمر، احتل انعقاد المؤتمر الصدارة في وسائل الإعلام والمواقع التواصلية، وعبر اليمنيون عن آرائهم نحو كل ما يتعلق بالحوار والقوى السياسية المشاركة فيه، وسنحاول في هذه الدراسة تلخيص اتجاهات اليمنيين نحو الحوار، وما هي القضايا الوطنية التي استحوذت على النصيب الأكبر من النقاش، مع ذكر أمثلة ونماذج لأبرز مواقع التواصل الاجتماعي الأكثر شعبية في اليمن.

عينة الدراسة من المواقع التواصلية:

قام الباحثان بدراسة عشرات من مواقع التواصل الاجتماعي اليمنية، وتقييم اتجاهات مستخدمي المواقع الأكثر شعبية في اليمن، وقد تم التركيز بشكل خاص على المنتديات السياسية وصفحات فيسبوك، ومن هذه المواقع على سبيل المثال لا الحصر:

- منتدى المجلس اليمني.

- منتديات الضالع بوابة الجنوب.

- منتديات كور العوالق.

- منتدى الحراك الجنوبي.

- منتدى شباب الجنوب.

- منتديات قبيلة يافع.

- منتديـات العوالـق للموروث الشعبـي.

- الصفحة الثانية لثورة التغيير في اليمن.

- المجلس التنسيقي لشباب ثورة التغيير.

- عين اليمن الإخبارية.

- صحافة نت.

- توكل كرمان.

- شبكة المِنبر الثقافية.

- المكتب الإعلامي للسيد / عبد الملك بدر الدين الحوثي.

- موقع أنصار الله.

- شبكة أنصار الله الإخبارية. عين على القرآن وعين على الأحداث.

- علي البخيتي.

فضلاً عن عدد من المواقع الرسمية، كموقع مؤتمر الحوار الوطني الشامل، والمواقع الإخبارية كموقع المصدر أونلاين، وموقع المشهد اليمني، وموقع يمنات الإخباري، وموقع عدن المنارة.

القضايا الحوارية التي استحوذت على اهتمام مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي اليمنية:

وفقاً لما أقرته اللجنة الفنية للحوار، تضمن جدول أعمال مؤتمر الحوار (13) موضوعاً رئيساً مطروحاً لنقاش المشاركين خلال جلسات الحوار، التي ستستمر لنحو ستة أشهر ابتداء من 18 مارس 2013، وتم تشكيل تسع فرق عمل لمناقشة القضايا الوطنية كالآتي:

· القضية الجنوبية.

· قضية صعدة.

· قضايا ذات بعد وطني والمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية.

· بناء الدولة (الدستور: مبادئه وأسسه).

· الحكم الرشيد.

· أسس بناء الجيش والأمن ودورهما.

· استقلالية الهيئات ذات الخصوصية وقضايا اجتماعية وبيئية خاصة.

· الحقوق والحريات.

· التنمية (الشاملة والمتكاملة والمستدامة) .

ومنذ بدء الحوار، قام مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي بمناقشة بعض القضايا أكثر من غيرها، وكالآتي:

- القضية الجنوبية.

- تمثيل الشباب.

- قضية صعدة والحوثي.

رغم أن 70 % من أعضاء فيسبوك في العالم العربي أعمارهم بين سن 15 و29، إلا أن مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي والمنتديات في اليمن، أسسوا حواراً خاصاً بهم بعيداً عن جميع القيود العمرية والاجتماعية والسياسية

وهناك بعض القضايا التي لم يتضمنها الحوار، وأثارت العديد من النقاشات الحادة على مختلف المواقع الاجتماعية. وجدير بالذكر أن 70 % من أعضاء فيسبوك في العالم العربي تقع أعمارهم بين سن 15 و29، لكن مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي والمنتديات في اليمن، قد أسسوا على تلك المواقع حواراً خاصاً بهم بعيداً عن جميع القيود العمرية والاجتماعية والسياسية. فلقد أتاحت هذه الشبكات الإمكانية لمستخدميها للتعبير عن آرائهم وهمومهم وآمالهم وتطلعاتهم. وفي ما يلي بعض اللمحات من هذا الحوار الساخن:

القضية الجنوبية:

يعد المجلس اليمني أكثر المنتديات اليمنية شعبية ويبلغ عدد أعضائه 87.659 عضواً، ينتمون إلى مختلف الشرائح الاجتماعية والسياسية. خصص هذا المنتدى في مجلسه السياسي تغطية أسبوعية، ونقاشاً خاصاً بجلسات الحوار الوطني الشامل، ووثق المنتدى المجريات اليومية للفعاليات المرتبطة بالحوار، فضلاً عن نشر الأخبار الصحفية والمقالات وروابط يوتيوب الخاصة بتلك الفعاليات.

وأخذت القضية الجنوبية حيزاً كبيراً من مناقشات أعضاء المنتدى، خاصة الجنوبيين أنفسهم الذين كتبوا عشرات الموضوعات التي عبرت عن رفضهم للحوار، مشيرين إلى "أن كل من ذهب للحوار من أبناء الجنوب لا يمثل إلا نفسه فقط، ولا يمثل الشعب الجنوبي". بل إن بعض الكتاب وصف: "القادمون إلى الـحـوار مـن الـجـنـوب مـغـفـلــون... هؤلاء القوم يلدغون من نفس الجحر مرات ومرات ولا يتعظون، وهم سيكونون كالأيتام على موائد اللئام".

أما المنتديات السياسية الجنوبية فقد شهدت إقبالاً واسعاً من أعضائها، الذين شن أغلبهم هجوماً لاذعاً على من شاركوا من الجنوبيين في مؤتمر الحوار. ففي منتديات الضالع بوابة الجنوب، التي يبلغ عدد أعضائها 25.612 عضواً، نشر أحد الأعضاء في المنتدى السياسي كشفاً بما سماه أسماء "العصابة المستنسخة من الحراك، التي ستحاور باسم القضية الجنوبية في صنعاء".

 بينما حذر أحد أعضاء منتدى الحراك الجنوبي "شعب الجنوب العربي من الثقة بالمتحاورين، مهما رفعوا سقفهم أو رفعوا علم الجنوب في جلسات الحوار"، مضيفاً "أن ليس كل ما يطرح يعمل به والعبرة بالخواتيم، والمتحاورون متفقون مع الاحتلال اليمني على الخاتمة".

علاوة على ذلك، شدد الكثير من أعضاء المنتديات التي تساند الحراك الجنوبي على مطالبهم بالانفصال، وناشد أعضاء منتدى شباب الجنوب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، "سحب قوات الجمهورية العربية اليمنية من الجنوب، استكمالاً لفك الارتباط المعلن في مايو 1994 من الرئيس الشرعي للجنوب علي سالم البيض".

وحذر كاتب آخر في منتديات قبيلة يافع "الجنوبيين المتورطين في مؤامرة مؤتمر الحوار اليمني"، بقوله: "على نظام الاحتلال اليمني، وكل حريص على مستقبل الجنوب والمنطقة كلها، أن يعي خطورة الأمر، ويستجيب لتطلعات شعب الجنوب في الحرية والاستقلال واستعادة الدولة، قبل أن يعم الطوفان". وأضاف أن "شعب الجنوب أيها المشاركون باسمه في مؤامرة الحوار لم يعد لديه اليوم ما يخسره.. ولن يقبل بأي التفاف على قضيته المتمثلة في استرداد أرضه وهويته المسلوبة، وتحقيق مطالبه المشروعة في الحرية والاستقلال والعدالة وإقامة الدولة الجنوبية".

وشهدت منتديـات العوالـق للموروث الشعبـي مناقشة متميزة، اختلفت عن غيرها من المنتديات التي تؤيد الحراك الجنوبي وقياداته، حينما كتب أحد الأعضاء منتقداً "الرئيس اليمني الجنوبي السابق" علي سالم البيض، مشيراً إلى "أن آخر مغادرة له كانت عندما فر هارباً من عمان، ولن يعود اليمن حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً". وأضاف الكاتب: "أريد أقول لمن لا يزالون يصفقون ويتغنون بهذا الرجل ويرفعون صوره على الأكتاف، إنه لن يعود اليمن، فإذا لم يأت لمساعدة الشعب الجنوبي وهو في محنته اليوم، فليس الجنوبيون في حاجته بعد اليوم، وليس له مكان في الجنوب عندما تعود المياه إلى مجاريها".

ورغم تشاؤم الكثيرين حول إمكانية التوصل إلى حل للقضية الجنوبية على المدى القريب، أكد البيان الختامي الصادر عن الجلسة العامة الأولى لمؤتمر الحوار، "على أهمية إبقاء باب الحوار مفتوحاً للتواصل مع بقية مكونات الحراك السلمي في الجنوب، وتكوين آلية للتواصل". وطالب فريق القضية الجنوبية المنبثق عن مؤتمر الحوار، بـ"الوقف الفوري للعنف في الجنوب، والإفراج عن المعتقلين السياسيين على ذمة الحراك، وإلغاء كافة الأحكام الصادرة بحق القيادات والرموز الجنوبية".

وبالرغم من ارتفاع الأصوات التي دعت لانفصال الجنوب، ظهرت أصوات تدعو إلى تحكيم العقل والسعي إلى التكامل والتوحد، بدلاً من التحريض على الفرقة والتشرذم. وأكدت تلك الآراء الموضوعية ما تعرض له أبناء الجنوب من مظالم، مشددة على ضرورة التوصل إلى معالجات فورية وواقعية، وعدم الاكتفاء بتشكيل لجان صورية تخرج بتوصيات دون تنفيذ.

في مقابل الأصوات التي دعت لانفصال الجنوب، ظهرت أصوات تدعو إلى تحكيم العقل والسعي إلى التكامل والتوحد، بدلاً من التحريض على الفرقة والتشرذم، مؤكدة ما تعرض له أبناء الجنوب من مظالم، ومشددة على ضرورة التوصل إلى معالجات فورية وواقعية

تمثيل الشباب:

يشرح الدكتور أحمد عوض بن مبارك، أمين عام مؤتمر الحوار الوطني، تقسيم المقاعد على الفئات المشاركة في المؤتمر، موضحاً "أن 50% من إجمالي عدد الممثلين في مؤتمر الحوار هم من الجنوب، و50% من الشمال، بحيث ستمثل النساء بنسبة 30% والشباب بنسبة 20% من إجمالي عدد المشاركين في كلا المجموعتين، أو من إجمالي عدد الأسماء في قوائم القوى السياسية المشاركة في المؤتمر". ورغم تلك النسبة الممنوحة للشباب، أثارت قضية "عدم وجود تمثيل كاف" لشريحة الشباب في مؤتمر الحوار جدلاً كبيراً، وكانت واحدة من أبرز الانتقادات التي وجهها مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي اليمنية لمؤتمر الحوار الوطني. وقد أشار الكثير ممن وجهوا هذا الانتقاد إلى أن 40 مقعداً خصصت للشباب المستقل، من بين قوام مؤتمر الحوار البالغ 565 مقعداً. بينما منحت غالبية المقاعد المتبقية إلى الكتل والأحزاب السياسية، التي كان البعض منها على صلة بقتل المتظاهرين الأبرياء، أثناء حركة الاحتجاجات الثورية في العام 2011.

ويرى النقاد أنه على الرغم من أن الناشطين الشباب كانوا في طليعة حركة الاحتجاجات في اليمن، فإن نسبة تمثيلهم في مؤتمر الحوار الوطني "هامشية" و"مجحفة جداً"، الأمر الذي جعل أصواتهم تخبو أمام الأصوات العالية للنخب السياسية، والتي حاولت الإدعاء أن الشباب يمثلون القاعدة العريضة من مكوناتها. لكن أصوات الشباب لم تخب في مكان واحد، حيث سُمعت تلك الأصوات بقوة، على صفحات فيسبوك الأكثر شعبية في اليمن. وحفلت تلك الصفحات الشبابية بشتى أنواع النقد الحاد حول التوزيع غير المنصف للمقاعد، وأيد الآلاف من القراء هذا النقد.

فـأعضاء في مواقع مثل الصفحة الثانية لثورة التغيير في اليمن، وعين اليمن الإخبارية – وكلا الموقعين تجاوز عدد مشتركيه 113 ألفاً – وجهوا انتقادات شديدة للمقاعد المخصصة للشباب المستقل. أما صفحة فيسبوك الرسمية للفائزة بجائزة نوبل والناشطة توكل كرمان، والتي تجاوز أعضائها 373 ألفاً، فقد وصفت ذلك بقولها: "جرى تمثيلهم تمثيلاً ديكورياً وهمياً وغير حقيقي.. في الوقت الذي تم فيه الزج بالكثير من المتورطين بقتل الشباب والمحرضين على قتلهم للمشاركة في المؤتمر"!

وناشدت السيدة توكل كرمان في أحد تعليقاتها المبعوث الأممي لليمن: "الأخ مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، جمال بن عمر، كم سيكون مناسباً وحرصاً على مهنيتك ونزاهتك، أن تقول في تقريرك الذي سوف ترفعه إلى الأمين العام، بأن مؤتمر الحوار في اليمن انعقد دون تمثيل حقيقي لشباب الثورة وحراك الجنوب ومنظمات المجتمع المدني، وهم من تحمل كلفة النضال من أجل الحرية في اليمن ولا يزالون".

ولم يخل الانتقاد من روح الفكاهة، فالصور عبرت عن خيبة الأمل من غياب الشباب عن الحوار، وبعضها صوّر الحوار بالحمار الذي لا حول له ولا قوة، والبعض الآخر وصف جلسة المؤتمر بجلسة عزاء للثورة اليمنية. ولقد لخص موقع المشهد اليمني مجموعة من رسوم الكاريكاتير من مجريات مؤتمر الحور الوطني.

سُمعت أصوات الشباب اليمني بقوة، على صفحات فيسبوك الأكثر شعبية في اليمن، وحفلت تلك الصفحات الشبابية بشتى أنواع النقد الحاد لجميع الأوضاع التي يراها الشباب تستحق النقد

قضية صعدة والحركة الحوثية:

لم يكن استحواذ الحوثيين على حيز كبير من النقاش أمراً مفاجئاً، خاصة حين الأخذ بعين الاعتبار ست حروب خاضوها ضد قوات الحكومة اليمنية في السنوات الخمس الأخيرة، ودعواتهم المستمرة للحكم الذاتي في محافظة صعدة. وقد عكس النقاش زيادة الطائفية والمشاعر المعادية لإيران في المنطقة، ودور الحوثيين في اليمن، الأمر الذي أدى لجعل قضية الحوثيين واحدة من أكثر القضايا استقطاباً للنقاش الحاد، على مواقع التواصل الاجتماعي اليمنية.

تقوم حركة جماعة الحوثيين، والمعروفة رسمياً باسم "أنصار الله"، بإدارة منظومة متطورة للتواصل عبر وسائل الإعلام الاجتماعية، بما في ذلك منتديات النقاش، وعدد من صفحات فيسبوك الرسمية؛ فضلاً عن النشطاء والإعلاميين المؤيدين لحركة الحوثي على موقع تويتر. وبالرغم من أهميتها، تقوم تلك المنظومة من المواقع التي تتبع حركة جماعة الحوثيين، بالتصرف في كثير من الأحيان كآلة دعائية للخطاب الإعلامي الحوثي، خلافاً لغيرها من مواقع النقاش الحقيقي على صفحات فيسبوك كالصفحة الثانيه لثورة التغيير في اليمن، أو على منتديات النقاش كالمجلس اليمني. فالغالبية من مستخدمي هذه المواقع تدين بشدة الحوثيين، وتصفهم بـ"السرطان الخبيث"، كما تناقش الدعم الإيراني للحوثيين، وتعصبهم المذهبي، ومخططاتهم للحكم الذاتي، إضافة إلى اعتداءاتهم على المواطنين اليمنيين ونهب ممتلكاتهم، ودورهم في زعزعة الأمن.

 في المقابل، قام الحوثيون بالرد على تلك الدعوات، بإدانة تحالف الحكومة اليمنية مع الولايات المتحدة، والدفاع عن العمليات المسلحة التي خاضها الحوثيون كحق مشروع ومقدس للدفاع عن النفس ضد ما يوصف بـ"الممارسات القمعية"، التي تنتهجها الحكومة.

وعلى الرغم من أن النقاش شهد حرباً كلامية حامية من كلا الجانبين ومناكفات واتهامات، هناك أسباب تدعونا للتفاؤل: فلقد ازداد عدد الأشخاص الذين قاموا بعرض دقيق وموضوعي لوجهات النظر المتعلقة بقضية صعدة على مواقع التواصل الاجتماعي. ورفض العديد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي الشبابية، وصفحات فيسبوك الموالية للثورة، على سبيل المثال، الإدانة الكاملة لحركة الحوثي، على الرغم من التحريض الذي مارسه البعض الآخر من مستخدمي المواقع الاجتماعية. وبدلاً من ذلك، دافع هؤلاء عن حق الحوثيين في التعبير عن الضيم والمظالم التي عانوها من خلال مؤتمر الحوار الوطني، كما أدانوا بشدة استخدام العنف والانصياع وراء عمليات التحريض ضدهم.

 قضية الحوثيين كانت واحدة من أكثر القضايا استقطاباً للنقاش الحاد، على مواقع التواصل الاجتماعي اليمنية، وعكست النقاشات زيادة الطائفية والمشاعر المعادية لإيران في المنطقة، ورفض ما يقوم به الحوثيون في اليمن

الانتقادات الموجهة إلى مؤتمر الحوار الوطني:

أثيرت بعض الشكوك حول إمكانية مؤتمر الحوار الوطني في حل الخلافات بين القوى السياسية المتصارعة بالحوار والتفاهم، ومدى قدرة المؤتمر على تحقيق نتائج إيجابية في جميع القضايا العالقة خلال الأشهر المقبلة، خاصة ما يتعلق بالقضية الجنوبية، ومحافظة صعدة، وإعطاء دور قيادي للشباب خلال المرحلة الانتقالية. لكن تتبع المناقشات على مواقع التواصل الاجتماعي يثبت عكس ذلك. فمنذ اليوم الأول لمؤتمر الحوار الوطني، سجلت النقاشات على أكثر المواقع شعبية أعلى مستوياتها، وأثبتت تلك المؤشرات اهتمام اليمنيين بمؤتمر الحوار الوطني بجميع تفاصيله، وتنوعت نقاشات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، فمن حق أي شخص أن يدلي بدلوه حسب ما يراه من دلائل أمامه.

وفي كثير من الأحيان، عكست موضوعات النقاش الأكثر تداولاً الخلافات السياسية في اليمن، مثل طرد ممثل الحوثيين علي ناصر البخيتي من مؤتمر الحوار الوطني في اليوم الأول من الحوار. وتناول المشاركون في النقاش بشكل نشط جميع مجريات الحوار وكواليسه، خاصة كلمة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي لمثيري الفوضى في المؤتمر، وتوبيخه لعلي البخيتي بقوله: "الذي لا يعجبه الحوار فالباب أمامه". فـالبعض اعتبرها "سوقية" و"عجرفة" و"مدخلاً لفشل الحوار"؛ والبعض الآخر اعتبرها "الخطوة الأولى في الطريق الصحيح للحوار الوطني"، كما أيد الكثير من المشاركين في النقاش حزم الرئيس اليمني وتعامله مع من يحاولون إثارة الفوضى.

والأمر نفسه حدث مع المشادة الكلامية بين الشيخ صادق الأحمر، عضو فريق قضية صعدة، وأمل الباشا المتحدثة باسم اللجنة التحضيرية للحوار الوطني، التي اتهمته بالاعتراض على تولي نبيلة الزبير رئاسة الفريق لأنها أنثى، فيما قال الشيخ صادق إنه "لا فرق بين الذكر والأنثى في الحوار". فبعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي اعتبر أمل الباشا امرأة بطلة وشجاعة أمام "عنصرية" الشيخ صادق، والبعض الآخر رأى سلوكها "عدائياً ومنافياً للذوق".

وعلى الرغم من إعلان التجمع اليمني للإصلاح، أحد أكبر الأحزاب المعارضة في اليمن، أن "الحوار الوطني فريضة شرعية وضرورة وطنية"، انتقد الكثير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي المواقف السلبية لقيادات حزب الإصلاح نحو مؤتمر الحوار الوطني، وتصدرت قيادات حزب الإصلاح ما يسمى بـ"قائمة سوداء" لمعرقلي الحوار الوطني في اليمن، أعلنتها الهيئة التنظيمية لأنصار الشرعية الدستورية والأمن والاستقرار في اليمن. وغاب عن تلك القائمة الشيخ عبد المجيد الزنداني، الذي رفض قبول المقاعد التي منحت له من قبل الرئيس هادي، قبل إعلان القائمة النهائية للمشاركين في مؤتمر الحوار الوطني. وأشارت التقارير الصحفية إلى أن الشيخ الزنداني و"هيئة علماء اليمن" قرروا عدم المشاركة في الحوار، بعد رفض الرئيس الاستجابة لمطلب الزنداني بـاعتماد "الشريعة الإسلامية مرجعية للحوار".

ومن اللافت للنظر أن ثورة المعلومات وإن أطلقت العنان لشتى أنواع الآراء، فإنها تميزت بتمحور النقاش على آمال اليمنيين في تجاوز التحديات، والعبور من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة البناء الحقيقي للدولة. واتفق المشاركون بشكل واسع النطاق، على أهمية انعقاد مؤتمر الحوار الوطني، في ظل مرحلة دقيقة وحساسة انتقالية نحو يمن جديد. كما توافقت الآراء حول رغبة اليمنيين في فرض سيادة القانون ودولة المؤسسات، والاعتزاز بشرف الانتماء إلى الوطن.

كما رفض المشاركون في النقاش الممارسات القبلية غير المسئولة، وظهر ذلك جلياً حينما أدان المشاركون في مواقع التواصل الاجتماعي تعرض ضابط في الأمن المركزي للدهس، من قبل موكب مسلح للشيخ صادق الأحمر. وتكرر الأمر نفسه في رفضهم محاولات المشايخ لحمل السلاح داخل قاعة مؤتمر الحوار الوطني. ومن المبشر بالخير لليمن، أن أعمال العنف التي هددت بعرقلة الحوار، مثل محاولة اغتيال ممثل حركة الحوثي، وحدت غالبية اليمنيين لـاستنكارها وإدانتها، عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتعززت تلك الروح الإيجابية بعد القرارات "التاريخية" التي أصدرها الرئيس هادي، والتي طوت صفحة انقسام الجيش اليمني، وخاصة تلك التي أقالت اللواء علي محسن صالح الأحمر والعميد أحمد علي عبد الله، من منصبيهما وعينتهما في مناصب أخرى. وامتلأت منتديات النقاش السياسية وصفحات فيسبوك الشعبية بعشرات الموضوعات حول تلك القرارات الحاسمة، التي حازت على ترحيب واسع غطى على الأصوات التي استمرت في التعبير عن سخطها وعدم رضاها.

فعلى سبيل المثال ذكر أحد مشرفي المجلس اليمني أن "القرارات الأخيرة كانت قرارات ضرورية، لإصلاح المؤسسة العسكرية وبسط سيطرة الدولة عليها، بعد أن فتك بها غول الأسرة والمصالح الشخصية وإشباع الرغبات السلطوية للبعض ممن أدخل في عقله أن اليمن ملكية خاصة".

وعلق أحد القراء على القرارات بقوله: "قرارات هادي تبشر بنجاح الثورة وتبشر بدولة اتحادية نموذجية". واعتبر المجلس التنسيقي لشباب ثورة التغيير تلك القرارات، أنها خطوات عملاقة في تحقيق أهداف الثورة المجيدة، داعياً الثوار والشعب إلى السعي يداً بيد لتحقيقها. كذلك عبر معظم القراء في جوابهم على سؤال صفحة عين اليمن الإخبارية، الذي استهدف معرفة آراء القراء بعد صدور القرارات الجمهورية الخاصة بهيكلة الجيش والأمن. وبلا شك سوف تؤثر تلك القرارات التي استبشر بها أغلب اليمنيين إيجابياً في جلسات مؤتمر الحوار، وترجح كفة الساعين إلى بناء دولة القانون والمؤسسات، مهما كانت التضحيات.

من اللافت للنظر أن ثورة المعلومات وإن أطلقت العنان لشتى أنواع الآراء، فإنها تميزت بتمحور النقاش على آمال اليمنيين في تجاوز التحديات، والعبور من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة البناء الحقيقي للدولة

خلاصة:

على خلفية كل تلك المعطيات، ورغم إشارة بعض المراقبين إلى أن الجلسة العامة الأولى لمؤتمر الحوار الوطني لم تحقق الكثير، فإن المراقبين أجمعوا على أنها نجحت في الجمع بين فرقاء العملية السياسية، والقوى المتصارعة. هذا الإنجاز تم تلخيصه في البيان الختامي الذي شدد على أن تلك اللقاءات كانت "عنواناً للترفع فوق الجراح في أحيان كثيرة، وهو ما يعكس الوجه الآخر لأهمية الحوار". وانعكس ذلك الترفع على كثير من مواقع التواصل الاجتماعي، التي وإن زخرت بشتى المناوشات الكلامية، تجدها وحدت الأكثرية للسمو فوق الصغائر، من أجل تغليب المصلحة الوطنية على جميع المصالح الشخصية وعلى جميع الاعتبارات الضيقة. بل إن الغالبية العظمى من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي الأكثر شعبية في اليمن، تحلوا بالمسئولية الاجتماعية، وسعوا إلى تضافر الجهود من أجل إنجاح مؤتمر الحوار الوطني، مستحضرين الحكمة اليمنية، وبذلك رسم اليمنيون صورة جديدة وواعدة لملامح المشهد السياسي والديمقراطي.

وفعلاً كما أكد الرئيس عبد ربه منصور هادي في مؤتمر القمة العربية الرابعة والعشرين، أن الشعب اليمني "سيفاجئ العالم من جديد بنموذج رائع وفريد لتحقيق الإصلاحات والتغيير المنشودين، من خلال الحوار، وسيبني دولة مدنية حديثة، ينعم فيها كل اليمنيين بالحرية والعدالة والمواطنة المتساوية".

عاجل

x