حول مستقبل حزب النور السلفي والانتخابات القادمة؟

بقلم : محمود حمدى أبوالقاسم محمود حمدى أبوالقاسم
الثلاثاء هـ - 08 يوليو 2014م

بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية المصرية تعرض حزب النور المصرى لاتهامات واسعة أهمها ضعف قدرة الحزب على حشد الناخبين المصريين للمشاركة بالتصويت في الانتخابات الرئاسية لصالح الرئيس المرتقب عبد الفتاح السيسى، وبأن قواعد الحزب في المحافظات والسلفيين قاطعوا الانتخابات الرئاسية، ولم يلتزموا بتوجيهات الحزب ورموزه بالتصويت للمشير عبدالفتاح السيسي.[1] وهو الأمر الذى يثير تساؤلات مهمة حول وضع حزب النور فى المستقبل الذى يبدو فيه أن الأحزاب بصدد انتخابات برلمانية قادمة ستحاول خلالها حصد أول ثمار تأييدها لخارطة المستقبل ولمسار 3 يوليو 2014.

بداية يجب أن نأخذ بالاعتبار أن حزب النور قد شارك فى العملية السياسية بعد 3 يوليو 2013، وليس هو حزب النور نفسه الذى حصد المركز الثانى فى انتخابات مجلسى الشعب والشورى فى 2011/2012،[2] فالحزب تعرض لأزمات سياسية متتابعة بدأت بممارسات الحزب السياسية داخل البرلمان وما طرحه أعضاؤه البرلمانيين من أفكار وقوانين ومناقشات داخل المجلس كشفت عن الضحالة الفكرية والعزلة المجتمعية التى يعيشها الحزب وكوادره، وفى هذا السياق يمكن الإشارة إلى مشروعات القوانين التى تقدم بها بعض من أعضاء حزب النور السلفى أمام هذا المجلس، وهى بالطبع ليست كل المشاريع التى تقدم بها أعضاء الحزب، وذلك كما هو موضح بالجدول التالى:

جدول رقم (1)

اسم القانون الجهة التى قدمته مضمون القانون مصير المشروع المصادر
مشروع قانون تخفيض سن الزواج للبنات تقدم به النائب السلفي ناصر مصطفى شاكر ،عضو مجلس الشعب عن حزب "النور" مشروع لتخفيض سن الزواج من 18 إلى 16 عاماً وأشارت المذكرة الايضاحية لمشروع القانون إلى أن قانون رفع سن الزواج إلى 18 عاما الذي أصدره البرلمان السابق يعد من القوانين السيئة التي أضاعت حقوق عديدة للفتيات، حيث أدى إلى عدم توثيق أولياء الأمور زواج الفتيات خشية التعرض لعقوبة الحبس والغرامة. تم تأجيل مناقشته بسبب الظروف الحالية" التي تمر بها البلاد جريدة الوفد 5 ابريل 2012
قانون الرؤية والإستضافة مقدم مشروع القانون النائب حمادة سليمان نائب عن حزب النور السلفى انتهاء حق حضانة النساء للأطفال ببلوغ سن 7 سنوات للولد و9 سنوات للبنت وهو سن التمييز، بحيث يخير القاضى الابن أو الابنة بعد بلوغ هذه السن فى البقاء فى يد الحاضنة دون أجر حضانة، وذلك حتى يبلغ الصغير سن الرشد وحتى تتزوج الصغيرة وافقت عليه لجنة الاقتراحات اليوم السابع 29 ابريل 2012
طلب احاطة لحجب المواقع الاباحية حاول السلفيون تقديم مشروع بشان هذا القضية السلفيون لم يمرر    
مشروع قانون لتجريم الختان تقدم به النائب السلفى ناصر شاكر سحب الحزب القانون من البرلمان بحجة عدم عرض النائب مشروع القانون على الهيئة البرلمانية للحزب   بوابة اخبار اليوم 18 مايو 2012
مشروع قانون لالغاء مرجعية الازهر وتقييد سلطات شيخه النائب على قطامش النائب السلفى تمت احالة القانون للجنة الشئون الدينية ولاقى رفضا كبيرا   اليوم السابع 7 مايو 2012
مشروع قانون لتطبيق حد الحرابة على البلطجية النائب السلفي عن حزب النور، عادل عزاوي  لم يمرر   النهار 15 مارس 2012
مشروع قانون لتشديد عقوبة "ازدراء الأديان والتطاول على الأنبياء و الرسل،" النائب السلفي بمجلس الشعب ياسر القاضي لم يمرر   سى إن إن 31 مايو 2012
مشروع قانون إنشاء «بيت المال والزكاة» عادل عزازى، عضو مجلس الشعب عن حزب «النور السلفى» وافقت عليه دار الافتاء واللجنة الدينية بالمجلس لم يمرر المصرى اليوم 3 ابريل 2012

 

كما أن الحزب بدا قادم من عالم آخر بعيد عن التقاليد الجمهورية ومفهوم الدولة الوطنية، وظهر ذلك فى رفض تحية العلم، ورفض موسيقى السلام الجمهورى، حيث رفض 7 من نواب حزب النور السلفي الوقوف اثناء عزف السلام الجمهوري خلال اجتماع الجمعية التأسيسية لوضع دستور 2012.[3] كما رفض بعض النواب السلفيين وبعضهم من حزب النور دعوة رئيس مجلس الشعب سعد الكتاتنى الوقوف دقيقة حدادا على وفاة البابا شنودة، مما ترك أثرا سلبيا لدى الأقباط فى حينها وعكس رؤية محدودة لقواعد المواطنة لدى ممثلى هذا التيار.[4]

بجانب تأييد حزب النور لعودة ضباط الشرطة الملتحين إلى عملهم بالمخالفة للقواعد المعمول بها فى الأجهزة الأمنية المصرية،[5] وفتاوى عدم تهنئة الأقباط فى أعيادهم، وتحريم الاحتفالات بأعياد مصرية مثل شم النسيم، وقيام أحد النواب «السلفيين» بالأذان أثناء انعقاد جلسة مجلس الشعب.[6]

أضف إلى ذلك التجاوزات غير الأخلاقية لبعض رموزه خلال فترة ما بعد الثورة والتى وظفها الإعلام ضد الحزب والتيار برمته مما أفقده كثيرا من التأييد الشعبى.[7] وانتهاء بالأزمة الداخلية فى الحزب على أثر الخلاف حول الانتخابات والاختبارات الداخلية للحزب والتى انتهت بانشقاق رئيسه السابق الدكتور عماد عبد الغفور ومعه بعض قيادات الحزب المهمة لتشكل حزب جديد جذب بعض من القواعد وهو حزب الوطن.[8]

وبجانب أزمته الداخلية تعرض الحزب لأزمة على مستوى تحالفه السياسى بعد تأكد انقطاع سبل التوافق مع جماعة الإخوان المسلمين بعد إقرار دستور 2012، وإن كان الخلاف بين الطرفين قد بدأت بوادره بالخلاف حول بعض مواد الدستور مثل صلاحيات رئيس الجمهورية، وشكل النظام السياسى،[9] بجانب توريط أعضاء النور فى الجمعية التأسيسية للإخوان فى بعض مواد الدستور التى نالت انتقادات عدة كالمادة الثانية التى تخص الشريعة، وكذلك المادة المفسرة للشريعة، ومرجعية تطبيقها. [10]

 ومن ثم وفى إطار عملية إعادة التموضع ومواجهة الأزمة اتخذ حزب النور من خصومة ومعارضة الرئيس السابق محمد مرسى وجماعة الإخوان طريقا لتعويض خسائره السياسية، لا سيما وأن شعبية جماعة الإخوان وحزبهم ورئيسهم كانت قد وصلت إلى أدنى حدودها قبل 30 يونيو 2013، وظن النور أنه يمكن أن يكون البديل فى أى استحقاق مقبل لا سيما وأن الانتخابات البرلمانية كانت على الأبواب، ولا تُنسى مواجهة يونس مخيون أمين عام الحزب للرئيس مرسى فى 26 فبراير 2013 أثناء جلسات الحوار الوطنى، والتى هدد فيها بالانسحاب من الحوار نتيجة تأخر كلمته ورحيل الرئيس دون سماعه، والتى كال فيها للرئيس مرسى ما ينم عن كم الغضب لدى حزب النور من الإخوان، حيث انتقد إهمال الرئاسة لمبادة لم الشمل والمصالحة الوطنية التى طرحها حزب النور لتجاوز الأزمة السياسية، وكذلك اتهامات مبطنة باستغلال الإخوان للوزارات وموارد الدولة لدعم موقفهم الانتخابى، إضافة إلى تعيين أعضاء حزب الحرية والعدالة فى الوزارات والإدارات على مستوى 13 محافظة، فيما عرف بأخونة الدولة.[11]

مرونة أم برجماتية حزب النور؟

بعد 30 يونيو 2013 يمكن القول أن النور كقيادة مارس السياسة ببرجماتية أو مرونة عالية لم يتخل عنها منذ ظهوره كفاعل سياسى على الساحة المصرية، دون التفات إلى المنطلقات الدينية والفكرية لقواعد تأييده متعددة الروافد العمرية والفكرية؛ فأيد تدخل القوات المسلحة فى حسم الصراع السياسى، وظهر أحد رموز الحزب إلى جانب المشير عبدالفتاح السيسى وهو يتلو بيان القوات المسلحة الذى تضمن خارطة المستقبل.

 ويبدو أن قيادات حزب النور استثمرت فرصة الإطاحة بالإخوان وبالرئيس المعزول محمد مرسى من أجل  أن تكون البديل السياسى لحزب الحرية والعدالة الجناح السياسى لجماعة الإخوان المسلمون؛ وربما طمحت لأن يكون النور صاحب الأغلبية فى الانتخابات البرلمانية القادمة، باعتبار الساحة السياسية مهيأة أمامه، لا سيما فى ظل المواجهة الشاملة التى تتعرض لها جماعة الإخوان المسلمون، مما يجعلها خارج المعادلة السياسية خلال المرحلة المقبلة، بجانب غياب القوى والتيارات الإسلامية، والأحزاب الممثلة لها عن المشاركة السياسية فى المرحلة القادمة، واكتفائها حتى الآن بالانضواء تحت راية تحالف دعم الشرعية الرافض للاعتراف بالنظام الجديد، والمتمسك بشرعية الرئيس السابق محمد مرسى، والمعارض لخارطة المستقبل، ومن ثم يقاطع أغلبيتهم الانتخابات ويرفضون المشاركة فى أى مسار سياسى. فى نفس الوقت الذى يضرب فيه الضعف باقى الأحزاب والقوى السياسية المدنية، التى لا زالت غير قادرة على توسيع نطاق انتشارها أفقيا بعيدا عن القاهرة والمدن الكبرى، وتبقى نفسها ظاهرة إعلامية أكثر من وجودها عمليا على الأرض وبين المواطنين، وليس أدل على ذلك من المداولات التى تشهدها الساحة لتكوين تحالفات انتخابية بين مجموعة أحزاب بعينها تبدو محسوبة على الدولة، ظهر أن بعضها ليس لديه مقر حتى الآن فهو حزب ورقى فحسب، فى حين أن بعض الأحزاب التى تمتلك برامج وإيديولوجيات ولديها تمثيل شبابى مهم كالحزب الديمقراطى الإجتماعى أو حزب مصر القوية أو حزب الدستور خارج هذه المداولات وبدت متأثرة إلى درجة بعيدة بضعف مؤشرات الديمقراطية فى المرحلة الراهنة حسب بعض المراقبين.

وقد يفهم موقف حزب النور فى إطار تفهم قيادات الحزب لطبيعة المرحلة القادمة، ومن ثم البحث عن أي تواجد في الخريطة كممثل ديني - أيا كانت المساحة الضئيلة المتاحة، أو الخوف من أن تعود الحركة إلى مربع الإضطهاد الأمنى مثلما كان الوضع قبل 2011.

وإجمالا يمكن القول أن النور يمارس السياسة ببرجماتية عالية، حيث كان فى السابق يعول - كممثل رئيسى للتيار السلفى- على مغالبة الإخوان ومنافستهم للوصول إلى السلطة وفق آليات دستور 2012 ومن منطلق تراجع شعبية الإخوان، ودعم القاعدة الشعبية السلفية العريضة المؤيدة للحزب، لكنه الآن يعول على لعب دور سياسي بالقرب من الدولة بعدما وضعت مؤسساتها القوية يدها على السلطة منذ 3 يوليو 2014.

ويلاحظ أن سلوك حزب النور سبب رئيسى من أسباب الهجوم الشديد عليه حيث أنه يعزف أنشودته السياسية ذات المرجعية الدينية، لكنها فى الفضاء السياسى المدنى غير المتفهم لمشاركة أحزاب ذات مرجعية دينية فى العملية السياسية من الأساس، لهذا تبدو هناك مسافة فاصلة دوما تجعله بعيدا عن تحالف 30 يونيو[12] وتجعله دوما محل تربص وتوجس بل واتهام، وفى إطار تحليل هذا السلوك يمكننا إلقاء الضوء على الملاحظات التالية:

أولا: حزب النور انحاز إلى 30 يونيو 2013 كغيره من القوى والأحزاب السياسية التى كانت لديها مآخذ على نظام الرئيس المعزول محمد مرسى وأسلوب إدارته. لكنه ببرجماتية عالية أيد خطوات الجيش منذ 3 يوليو 2013، ومن بعدها فض اعتصامى رابعة والنهضة فى 14 أغسطس 2013، ومن ثم هو كان ظهيرا مهما من القوى الدينية غير الرسمية المؤيدة لخارطة الطريق، والتى كان يحتاج إليها النظام الجديد فى عزل الرئيس محمد مرسى والاستحواذ على السلطة.

ثانيا: بدا حزب النور مهادنا للسلطة الجديدة وغير راغب فى مناوئتها، ودليل ذلك أنه منذ تحرك 3 يوليو 2013، وخلال الشهور التى تسبق الانتخابات الرئاسية كان لحزب النور بعض المواقف المعارضة التى يمكن وصفها بأنها لا تصل إلى حد المعارضة الحقيقية؛ ولكن التعبير عن وجهة النظر المخالفة، لكن سرعان ما كان يتراجع عن مواقفه ليؤيد ما يتخذه النظام من إجراءات وأبرز مثال على ذلك موقفه من تعديل خارطة المستقبل وتقديم الانتخابات الرئاسية على الانتخابات البرلمانية، وموقفه من تحصين اللجنة العليا للانتخابات وموقفه من قانون التظاهر وموقفه من بعض مواد الدستور وغيرها من القرارات والإجراءات والقوانين التى رفضها حزب النور فى البداية واعترض عليها وأبدى ملاحظاته بشأنها، ولم يُعتد بها على أي حال، وأقرها النظام فى النهاية.[13]

ثالثا: بينما كان يهادن حزب النور السلطة، وفى ظل عدم قدرته على مخالفتها وعدم اتخاذ موقف قوى تجاه ما ترتكبه من مخالفات وانتهاكات وتجاوزات كان كثيرا من أنصاره ومؤيديه من أبناء التيار الاسلامى عموما والسلفى خصوصا ولا سيما من الشباب؛ ينتقل إلى مربع التحالف المناوئ للسلطة الجديدة، وينحاز انحيازا دينيا وسياسيا إليهم باعتبار أن ما ترتكبه هذه السلطة حربا على الإسلام وعلى التيار الاسلامى وعلى مكتسباته بحسب فهمهم. ولهذا قد يجوز القول أن قطاعات عريضة من التيار السلفى اليوم تبدو أقرب للنقد أو الاعتراض على مسار حزب النور.[14]

رابعا: على ما يبدو من الهجوم الحاد على حزب النور أن النظام القائم وتحالفه السياسى كان لديه تقدير مبالغ فيه لقوة حزب النور وقدرته على الحشد على الأرض، ومن ثم كانت هناك صدمة فى يوما التصويت الأول والثانى، الأمر الذى دفع حملة السيسى لاتهام حزب النور بعدم اشتراك قواعده فى التصويت والحشد[15] وهو ما رد عليه الحزب كذلك.

خامسا: كانت الانتخابات الرئاسية مؤخرا كاشفة لعدد من الحقائق، أهمها:

  • افتقاد حزب النور للقدرة على توجيه عموم التيار السلفى، الذى أيده بقوة من قبل فى الانتخابات البرلمانية فى 2011/2012 ومكنه من الحصول على المركز الثانى بعد حزب الحرية والعدالة وجعله رقما مهما فى المعادلة السياسية.[16]
  • أن الدعوة والحزب لديهم مشاكل تنظيمية عميقة بسبب المواقف الرسمية من تطورات الأحداث السياسية، وعدم توافق القيادات وكذلك القواعد عليها، فالعلامة السلفى أبو إسحاق الحوينى والشيخ محمد حسان أبرز رموز التيار السلفى وغيرهم من الرموز لديهم مآخذ عدة على موقف حزب النور، ويمكن الرجوع لبيان حول المواقف السياسية لحزب النور وقعه 34 من مشايخ السلفية.[17]
  • وجود قطاع عريض ضمن تيار 3 يوليو يرفض وجود أي ممثل ديني ضمن صفوفه  فضلا عن النخب العلمانية المعروف موقفها مسبقا من الأحزاب ذات المرجعية الدينية، ويظهر هذا فى ضغط بعض أنصار التيارات العلمانية على حظر حزب النور باعتباره حزب ذا مرجعية دينية.[18]

سادسا: إن الحملة المضادة من تحالف 30 يونيو، ومن أنصار المشير السيسى وحملته جاءت فى إطار حملات اللوم واللوم المضاد، والاتهام بالمسئولية عن الإقبال الضعيف، ومن ثم بدت الهجمة على حزب النور هجمة إعلامية بالأساس، وليست هجمة مؤسساتية دولتيه بالأساس، فلم تهاجمهم بعد المؤسسات الرسمية المدنية الرافضة للإسلاميين بصفة عامة والرافضة لاندماجهم سياسيا تحت أى عباءة دينية، وربما ذلك لأنها بحاجة إلى فصيل دينى غير رسمى يساندها، كما لم يهاجموا من المؤسسات الدينية الرسمية وهى الأزهر ووزارة الأوقاف الخاضعة لتوجيهات الدولة، والذين يرون أن النور بمرجعيته السلفية ينافسهم فى مجال عملهم.

ورغم أن قرارات وزارة الأوقاف فيما يتعلق بتنظيم وإدارة المساجد نالت من بعض رموز حزب النور وقياداته؛ فإنهم لم يمتعضوا كعادتهم منذ 30 يونيو. ويفهم من هذا أن النور ينحنى للعاصفة ويستثمر فى ما هو متاح من فرص كما يفهم أيضا أن الدولة لم تشرع بعد فى مواجهة شاملة أو مفتوحة مع حزب النور كما هو الحال مع جماعة الإخوان المسلمين.[19]

سابعا: إذا كانت الدولة لازالت حريصة على بقاء حزب الحرية والعدالة الجناح السياسى لجماعة الإخوان المسلمين ولم يتم حله بعد، فمن ثم يبدو حزب النور ذا أولوية فى الرعاية باعتباره مؤيدا لمسارات وسياسات النظام القائم. فلا زالت الدولة تجعل لهذه الأحزاب ذات المرجعية الدينية أبوابا مواربة، كما أنها تحرص على عدم استعداء عموم التيار السلفى وعدم أدلجته ودفعه لساحات المواجهة، حتى يقتصر جهدها على مواجهة جماعة الإخوان.[20]

أى مستقبل ينتظر حزب النور

أما فيما يتعلق بسؤال المستقبل يبدو أن الحملة الاعلامية التى تلقى اللوم على حزب النور قد تنجح وقد تفشل فى خلق فجوة بين الحزب والنظام القادم فى المستقبل، وذلك فى ضوء بعض الاعتبارات أهمها تقدير النظام الحالى لدور حزب النور، هل هو كان جزءا من المشهد وحراك 30 يونيو، وصورة اكتمالها، حيث اصطف فيه النور، كثانى أكبر حزب دينى فى مصر بجانب ممثلى مؤسسات الدولة الرسميين وغير الرسميين الدينيين والمدنيين خلف الرئيس عبد الفتاح السيسى ومسار ما بعد 3 يوليو. أم دوره كان كسب تأييد القواعد الشعبية المؤيدة لحزب النور من أبناء التيار السلفى كقوة شعبية حاسمة فى المنافسات الانتخابية، التى حددتها خارطة المستقبل وقوة مناوئة لجماعة الإخوان وبديلا لهم.

  • إذا كان التقدير الأول، فإن النظام القائم فى مصر سيكون حريصا على عدم استبعاد حزب النور كآخر ممثل للتيار الإسلامى فى تحالف 3 يوليو ما دام قريبا من توجهاته ومؤيدا لمواقفه لا سيما وأن النظام الجديد يواجه أزمة شرعية؛ فهو لا يريد شعبية حزب النور ولكن يريد أكبر حشد حزبى متنوع التوجهات لرسم صورة تأييد واسع ملتف حوله.

لا سيما وأن حزب النور لم يكن وحده الذى لم يتمكن من حشد الأنصار للتصويت فى انتخاب المشير السيسى بل كان أفضل الأطراف الفاعلة على الأرض، والمشاركة الرئيسية فى التصويت كانت من نصيب التيار المصرى العام غير المؤدلج أو وغير المسيس والذى يعتبر السيسى رمزا وطنيا ومنقذا.

وفى السياق ذاته لا يمكن تجاهل تأثير علاقة حزب النور وروافده السلفية بدول الخليج الداعمة لمسار 3 يوليو. الأمر الذى يجعل حزب النور فى مأمن من الصدام المباشر لا سيما مع استمرار التزام حزب النور بمسار السلطة وتوجهاتها.

وعلى جانب آخر فأن حزب النور يبدو أنه لن يكون مزعجا لأى رئيس أو حكومة قادمة، فهو رغم أنه يرفع لواء تطبيق الشريعة لكنه أداء شكلي، فهو تراجع عن كثير مما فرضه على لجنة المئة فى دستور 2012 عند صياغة دستور 2014، لا سيما فيما يتعلق بقضية تطبيق الشريعة وإسناد تفسيرها إلى المحكمة الدستورية العليا بعدما كان التفسير من حق هيئة الأزهر، ومن ثم من المستبعد أن يخوض حزب النور معركة تنازل عنها من البداية، ولا مع نظام لا يسمح بالمعارك من الأساس، ولا عن قضية يرفضها كل الأطراف التى اصطف معها منذ 30 يونيو.[21]

وهنا يمكننا القول أن الحملة الإعلامية قد لا تمنع حزب النور الذى تراجعت شعبيته من أن يكون جزء من تحالف سياسى فى المستقبل يلتف حول اسم الرئيس السيسى، لكنه تحالف بينه كثير من التناقضات والاختلافات ستظهر حتما مع الانتخابات البرلمانية والمحلية.

  • لكن إذا كان التقدير الثانى، فإن فقدان الحزب للتأثير الجماهيرى وتوجيه الناخبين ودفعهم للمشاركة يجعله بلا قيمة حقيقية لدى السلطة ومن ثم لا يعول عليه، وتكون الهجمة الإعلامية على حزب النور جزء من استراتيجية تمهد الطريق نحو إبعاده عن المشهد، وقد يتطور الأمر تحت وطأة ضغوط بعض التيارات الليبرالية والعلمانية، وتفعيل الأدوات الإعلامية الموجهة ضد حزب النور، إلى القضاء على ما تبقى له من أثر، وقد تمتد إلى حل الحزب باعتباره حزب قائم على أساس دينى وفقا لنص الدستور.[22] وفى هذه الحالة سيكون الحزب فى موقف لا يحسد عليه.

وربما يبنى قيادات الحزب خططهم الدفاعية بالرهان على قدرته على تحقيق نتائج تجعله رقما مهما فى الانتخابات البرلمانية القادمة. مستندين إلى القاعدة الإسلامية التى ربما من وجهة نظرهم لن تجد بديل إسلامى عن حزب النور فى ظل غياب الإخوان وبقية أحزاب وقوى تحالف دعم الشرعية ومن ثم تزايد فرص حصاد عدد مناسب من مقاعد البرلمان يقدرها حزب النور على أنها الأكثرية.

وفى خطوة تبدو ذكية يسعى الحزب إلى بناء تحالف انتخابى لا يستثنى المرأة أو الأقباط أو حتى فلول الحزب الوطنى، لا سيما وأن قانون الانتخابات يفرض وجود تلك الفئات ضمن القوائم الانتخابية.[23] كما يحاول أن يربط الحزب مواقفه بنبض الشارع المصرى ومشكلاته، ويظهر ذلك فى موقف الحزب من قرارات رفع الدعم التى صدرت مؤخرا حيث أكد فى بيان أصدره الحزب على أهمية قيام الحكومة بمراعاة الفقراء ومحدودى الدخل.[24]

لكن يبدو أن حزب النور سيتأثر بدرجة كبيرة بحالة الاستقطاب الشديد التى تعيشها مصر خلال المرحلة الراهنة؛ فحزب النور يزايد سياسيا على جماعة الإخوان المسلمين، والجماعة بدورها تزايد دينيا وأخلاقيا على مواقف حزب النور.

كما سيتأثر النور بلا شك بضعف المشاركة الإسلامية فى الانتخابات الرئاسية واتساع حجم المقاطعة، وافتقاد حزب النور ذاته لتأييد بعض من أبناء حاضنته الأساسية التى تتعاطف بعضها مع المعارضة الحالية للنظام، لا سيما فى ظل تأييد غالب القيادات السلفية ذات الثقل لتحالف دعم الشرعية ومآخذها المتعددة على النظام القائم وعلى مواقف حزب النور ذاته. أو افتقاده لدعم كثير كوادره غير راضين عن تطورات المشهد السياسى، بجانب افتقاده لدعم كثير من السلفيين الذين عاد بعضهم لهجران السياسة كما كان الحال قبل ثورة 25 يناير باعتبارها كفر ورجس من عمل الشيطان.[25]

وفى النهاية رغم أن تجربة النور تشير وبدرجة عالية من الثقة بأنهم كنموذج على ما يبدو أصبحوا معزولين عن تحالفهم السياسى الذى تشكل فى 30 يونيو، ومعزولين كذلك عن التحالف الإسلامى الواسع ممثلا فى تحالف دعم الشرعية؛ ومن ثم يبدو أنهم يتحركون ككتل منعزلة جغرافيا وسياسيا فى مساحات غائمة وغير واضحة المعالم بين فريقين متصارعين، فإن الممارسة السياسية لحزب النور تبدو جديرة بالاهتمام؛ كونها جزء مهم ومتطور فى الحالة السلفية فى مصر؛ وكونها كذلك جزء من حالة الاشتباك السياسى السلفى مع عوالم السياسة المدنية وقواعدها غير المعترف بها سلفا لدى القطاع العريض من السلفيين. فيمكن القول أن حزب النور يلعب سياسة.

المصادر

[1] علا سعدي، محمد عبد اللطيف، القيادات السلفية فشلت في إقناع القواعد بالمشاركة في الإنتخابات، القدس العربى، 28 مايو 2014: الرابط

[2] حصد تحالف النور الذى ضم حزب النور وحزب الاصالة وحزب البناء والتنمية على 127 مقعدا  من مقاعد مجلس الشعب، منها 96 على قوائم التحالف و31 على المقاعد الفردية، ونصيب حزب النور فى هذا التحالف 110 مقعدا، حاز بهم المركز الثانى بعد حزب الحرية والعدالة الجناح السياسى لجماعة الإخوان المسلمين، ولمزيد من المعلومات راجع: عمرو هاشم ربيع (محرر)، انتخابات مجلس الشعب 2011/2012، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة: مؤسسة الأهرام، 2012، ص 377. كما حصد الحزب فى مجلس الشورى على 45 مقعدا جاء بهم فى المركز الثانى بعد حزب الحرية والعدالة ولمزيد من المعلومات راجع: عمرو هاشم ربيع (محرر)، انتخابات مجلس الشورى 2012، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة: مؤسسة الأهرام، 2012، ص 281.

[3] هبة الشافعي، السلفيون يهاجمون لرفضهم الوقوف للسلام الجمهوري، مصرس، 29 يونيو 2012: الرابط

[4] وجدير بالذكر أن الرئيس المصري المؤقت عدلي منصور، أصدر قراراً بقانون بشأن العلم والنشيد والسلام الوطنيين، وينص القرار بقانون على أن العلم الوطني لجمهورية مصر العربية والنشيد والسلام الوطنيين رموز للدولة، يجب احترامها والتعامل معها بتوقير. ويعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة، وغرامة لا تجاوز ثلاثين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من ارتكب في مكان عام أو بواسطة إحدى طرق العلانية المنصوص عليها في المادة (171) من قانون العقوبات، أي من الأفعال الآتية: إهانة العلم، ومخالفة حكم المادة العاشرة من هذا القانون.

[5] راجع بيان حزب النور بشأن قضية الضباط الملتحين على شبكة رصد حزب النور: الرابط

[6] رفع الآذان ممدوح إسماعيل النائب عن الحزب الأصالة السلفى وأحد أعضاء تحالف النور الذى نجح فى البرلمان فى انتخابات 2011/2012.

[7] كان أشهر قضيتين فى هذا الصدد هى قضية النائب على ونيس النائب عن حزب النور عن دائرة بنها والتى أدين فيها بالقيام بفعل فاضح داخل سيارته مع فتاة على الطريق السريع، وحكم عليه بالسجن لمدة أربعة شهور، ولمزيد من المعلومات حول الحكم وحيثياته راجع: موقع جريدة الوفد تحت عنوان :فى قضيتا الفعل الفاضح والتعدى على أفراد الشرطة فيديو. الحكم على "ونيس" بالسجن 4 شهور: الرابط

هذا بجانب قضية أنور البلكيمى نائب حزب النور الذى أجرى جراحة تجميلية فى أنفه وأقاله حزب النور له بعدما تضاربت أقواله مع مدير المستشفى أمام النيابة: ولمزيد من المعلومات راجع: محمود سعد الدين، "النور" يقيل النائب أنور البلكيمى من عضوية الحزب، اليوم السابع، 4 مارس 2012: الرابط

[8] سعيد السني، انشقاقات النور والصراع على السلفية في مصر!، معهد العربية للدراسات، 03 يناير 2013: الرابط

[9] خلاف بين الإخوان والسلفيين حول «صلاحيات الرئيس» فى الدستور، المصرى اليوم، 9 يوليو 2012: الرابط

[10] وسيم عفيفى، فيديو.. برهامي يشرح مخطط الدستور لتقييد الحريات وعزل شيخ الأزهر ومادة تفسير الشريعة، موقع حقوق، 22 ديسمبر 2012: الرابط

[11] فهمي غالي، بالفيديو ... بعد تهديده بالانسحاب من جلسات الحوار يونس مخيون يدعو الى تحصين اجراءات الانتخابات، 26 فبراير 2013: الرابط

[12] فى هذا الصدد يمكن أن نشير إلى كلمات حلمى النمنم وتهانى الجبالى فى حلقة نقاشية للهيئة القبطية الانجيلية حول دستور مصر بعد 30 يونيو، حيث قال النمنم أن القوى السياسية رفضت دستور 2012، لأنه  يؤكد أن  هوية الدولة المصرية هي الإسلام، قائلاً «نحن نكذب عندما نقول إن مصر دولة متدينة بالفطرة, أنا أرى أن مصر دولة علمانية بالفطرة وهو ما يجب أن يكون عليه الدستور".كما رفض النمنم ما وصفه تهديد حزب النور بأنه سينضم إلى اعتصام رابعة، إذا لم يكن هناك توافق على مبادئ الدستور "المقترح"، وقال: "فاليذهب حزب النور إلى الهاوية ونحن ماضون في دستور يؤكد علمانية مصر". راجع الفيديو على شبكة الانترنت: الرابط

[13] محمد كامل وسعيد حجازى، «النور» يرسل للرئاسة اعتراضاته على تعديلات الدستور.. ويدعو للتوافق أولاً، الوطن، 1 سبتمبر 2013: الرابط

[14] مقابلة مع شاب سلفى، أبدى فيها استيائه من حزب النور وقال بالحرف إنه حزب الزور، فى إشارة إلى موقفه خلال المرحلة الحالية، وأبدى تأييدا لموقف تحالف دعم الشرعية، رغم أنه فى مقابلة سابقة بعد الثورة فى 2011 كانت ينظر إلى الإخوان على أنهم أهل بدعة وضلال.

[15] إيكونوميست: نتائج كارثية للسيسي ولوم لحزب النور، 01 يونيو 2014: الرابط

 [16] من ملاحظة الباحث لعدد 13 لجنة انتخابية فى الانتخابات الرئاسية فى يوميها الأول والثانى بمحافظة القليوبية بعضها فى المدينة وبعضها فى القرى وجد أن أعضاء حملة حزب النور لدعم المشير السيسى غير متواجدين أمام اللجان التى تم متابعتها باستثناء لجنة واحدة كان يحمل أعضاء الحملة كمبيوتراتهم المحمولة، بينما لم يلاحظ الباحث تواجدهم أمام اللجان الـ 12 الأخرى. كما لم يلاحظ كثافة من ذوى السمت السلفى بين صفوف الناخبين، اللهم إلا عدد قليل من السيدات المنتقبات.

[17] بيان حول المواقف السياسية لحزب النور، 13 يناير 2014: الرابط

[18] ريم عبد الحميد، الإندبندنت: مطالب حظر الأحزاب الإسلامية يهدد التحالف الهش بين الليبراليين والسلفيين، اليوم السابع، 22 يوليو 2013: الرابط

[19]عبدالله قدري، بعد قانون تنظيم الخطابة..يونس مخيون يلتقي وزير الأوقاف، مصراوى 23 يونيو 2014: الرابط

[20] تأجيل دعوى حل حزب النور لـ 18 أكتوبر المقبل، شبكة رصد، 21 يونيو 2014: الرابط

[21] أسامة المهدى وسعيد على ومحمود العمرى، «النور» يوافق على تفسير «الدستورية» لـ«مبادئ الشريعة».. وينتظر رد مشايخ «السلفية»، 1 نوفمبر 2013: الرابط

[22] حظر دستور 2014 الاستغلال السياسي للدين، فنص صراحة في مادته (74) على أنه: «لا يجوز مباشرة أى نشاط سياسى، أو قيام أحزاب سياسية على أساس دينى، أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل»، راجع دستور جمهورية مصر العربية 2014، المادة 47.

[23] محمد عبد المنعم، مصر: "النور" يغازل "الفلول" و" الأقباط "، جريدة الراية، 6 يوليو 2014:الرابط 

[24] النور يطالب الحكومة بمعالجة الدعم بحرص شديد، 6 يوليو 2014:الرابط

[25] عبد الرحمن صلاح، انفراد.. كوادر سلفية تطالب حزب النور بمقاطعة الانتخابات اعتزال العمل السياسي، بوابة الفجر، 7 يوليو 2014:الرابط

 

 

 

النشرة الالكترونية

عاجل

x