من العرب الأفغان إلى المقاتلين في سوريا.. الهجرة الثالثة والسمات فارقة؟

بقلم : علي بريشة علي بريشة
الإثنين هـ - 23 يونيو 2014م

عائد من رحلة عمل إلى باريس حيث تبدو مدينة النور مرهقة بقضية غير تقليدية وغير متوقعة ترتبط بموجة الهجرة التي تحدث الآن من المجتمعات الأوربية للقتال في سوريا، الأرقام تبدو مذهلة أمام جهات البحث الأوربية وهي تبحث لماذا هاجر أكثر من 900 فرنسي و2000 أوروبي وتركوا بلاد الرخاء والأمن في القارة العجوز لينخرطوا في عمليات القتال الدموي في سوريا؟ ..

 المذهل أن نسبة كبيرة من هؤلاء المهاجرين ليسوا من أصول عربية وبعضهم ليسوا مسلمين أصلا، بل شباب أوربيين بعيون زرقاء وشعر أشقر وأسماء مثل فيليب وجان بيير اختاروا أن يتوجهوا إلى جبهة القتال في سوريا لهدف معلن هو (أعمال الإغاثة الإنسانية) وهدف مبطن هو (التعرف على الإسلام) وهدف واقعي هو (الإشتراك في المعارك) وهدف ميثولوجي بعيد المدى هو الإقتراب من أرض المواجهة النهائية "هرمجدون" .. فحديث اليمين الديني المسيحي عن قرب يوم الدينونة ونهاية العالم يجد صداه عند الكثير من هؤلاء المهاجرين بحثا عن يقين ما في عالم تعصف به المشاكل وأزمات الهوية[1].

 

هجرات جهادية ثلاث:

تنشغل مراكز الأبحاث في أوربا عاكفة على مناقشة هذه الظاهرة الجديدة .. (هجرة الأوربيين للقتال في سوريا) .. بينما أجد بين يدي موضوعا آخر للبحث والمناقشة وهو (الهجرة الثالثة) .. موجة الهجرة الجهادية الجديدة التي تمثل الحلقة الثالثة في مراحل تطور الفكر المتطرف والإسلام الراديكالي وهو يحشد الشباب ويخلط البارود بالفتاوى والأفكار ليقدم منظومة جديدة لصناعة الموت في هذا العالم، تختلف بشكل ما عن حلقتيها السابقتين من الهجرة الأولى ل أفغانستان ثم الثانية للعراق .    

الهجرة الأولى:

 كانت إلى أفغانستان بدأت في بداية الثمانينيات تحت شعار براق وهو الجهاد ضد السوفييت الشيوعيين الكفار الذين يقتلون الشعب الأفغاني المسلم ..ثم تتابعت مع هجرة الشباب السلفي الجهادي لدار الإسلام مع قيام إمارة طالبان سنة 1994 والتي اعتبروها دولة الإسلام وداره التي يجب الهجرة إليها..

و الهجرة الثانية: كانت إلى العراق عقب الغزو الأمريكي لبلاد الرافدين تحت شعار آخر براق وهو الجهاد ضد الإحتلال الأمريكي (المسيحي) الذي يقتل الشعب العراقي المسلم بكل ما تستدعيه ذكريات الحروب الصليبية من زخم في الذاكرة الجمعية للمسلمين ..

والهجرة الثالثة: إلى سوريا .. وهي التي نحن بصدد درسها ومتابعتها الآن..

بقدر ما تتشابه الهجرتان الأولى والثانية في التفاصيل والمعطيات تبدو موجة الهجرة الثالثة، التي تجري الآن إلى سوريا مختلفة وتعبر عن العديد من المتغيرات التي جرت وتنذر بالكثير من أجراس الإنذار التي يجب الإلتفات إليها، فهي لا تعبر فقط عن تطور دراماتيكي في مفهوم الجهاد لدى جماعات الإسلام الراديكالي وخطابهم الإعلامي والفقهي، ولكنها تعبر أيضا عن جمهور جديد وآليات جديدة في الدعاية والتجنيد قد تجد أرضية أوسع بكثير وروافد أكثر غزارة تغذي نهر الهجرة الدموي الثائر العنيف .

  • في الهجرتين الأولى والثانية كان العدو الواضح الذي يجرى تسويقه هو "الآخر".. فالخطاب الإعلامي والفقهي للجماعات التي تحشد للهجرتين كان يتحدث عن  الشيوعيين الملاحدة في أفغانستان أو المسيحيين الصليبيين في العراق.. لكن في الهجرة الثالثة يبدو العدو الذي يجرى الحشد ضده غامضا وملتبسا .. فهو ليس "الآخر" من حيث الدين وإنما وللمرة الأولى نجد أن الحشد (باسم الدين) يتم ضد مسلمين يختلفون إما في المذهب (شيعي /سني / علوي) أو حتى يتفقون في المذهب ويختلفون في التوجه الإيدلوجي (علمانيون / ثوار / بعثيون/ قوميون) أو حتى يتفقون في المذهب السني وأرضية السلفية الجهادية ويختلفون في القيادة (جبهة النصرة / داعش)
  • في مناطق العبور:

من الناحية اللوجستية حول بوابات الهجرة لم تختلف المسارات بين الهجرات الثلاث .. فدائما تلعب دول الجوار دول الحاضنة المتعاطفة أو المتغاضية عن مرور المهاجرين عبر أراضيها، في الهجرة الأولى كانت باكستان هي محطة التجميع الأولى للمهاجرين الذين ينتقلون بشكل شبه علني ورسمي عبر بيشاور الباكستانية إلى أرض الجهاد الأفغانية ..

في الهجرة الثانية كانت الحدود السورية والإيرانية مناطق العبور للمهاجرين القادمين إلى العراق دون تشجيع رسمي من النظامين الإيراني أو السوري ولكن بكثير من (التغاضي) بحجة عدم القدرة على ضبط الحدود الشاسعة ذات التضاريس الصحراوية أو الجبلية الوعرة ..

في الهجرة الثالثة تلعب تركيا ثم لبنان نفس الدور وتبدو الأراضي التركية أكثر جاذبية لشبكات تجميع المهاجرين بسبب الدعم الأردوغاني المعلن للحراك الثوري ضد نظام الأسد.

في طبيعة المهاجرين وجنسياتهم:

بالنسبة للمهاجرين في الهجرات الثلاث فقد إختلف تصنيفهم بشكل كبير .. ففي الحالة الأفغانية كان العرب هم العنصر الأبرز، وبالذات القادمين من السعودية ومصر ثم ليبيا واليمن، بينما كان الحضور العراقي ضعيفا والمغاربي لم يظهر إلا في المراحل الأخيرة من الحروب الأفغانية .. وظلت نفس التركيبة من المهاجرين في الهجرة الثانية إلى العراق مع بروز أكثر لذوي الأصول الفلسطينية من بلاد الشام والمغاربيين .. أما الموجة الثالثة .. فلأول مرة تبدو الوجوه القادمة من أوروبا والمغرب العربي في الصدارة مقابل تراجع ملحوظ للقادمين من السعودية وبلدان الخليج ..

أفغانستان كارتباط:

نقطة أخرى تميز الهجرة الثالثة عن الهجرتين الأولى والثانية .. فالإرتباط بأفغانستان كان عاملا مشتركا بين الموجتين الأوليين، معظم من هاجروا للجهاد في العراق ارتبطوا بأفغانستان بشكل أو بآخر، تم تدريبهم هناك أو تربت روحهم الجهادية والعقائدية على أساطير الجهاد الأفغاني التي كان يتم الترويج لها في كثير من أوساط السلفيين والمتدنيين، لكن الموجة الثالثة التي تجرى حاليا في سوريا تبدو مقطوعة الصلة تقريبا بأفغانستان وعهدها .. موجة تستقبل دماء طازجة من مقاتلين صغار حديثي السن لم يمروا بخبرات جهادية أو تنظيمية سابقة، يدفعهم إما الحماس الشديد للعمل العسكري أو محاولة البحث عن هوية إنسانية بالانخراط في العمل الإنساني ونصرة المظلومين ومواجهة الديكتاتوريات السياسية ثم التورط لاحقا في القتال الضاري.

خطورة الهجرة الثالثة أنها حسمت الجدل القديم حول مفاهيم مثل "العدو االقريب" و"العدو البعيد".. فجهاد الهجرة الثالثة موجه نحو العدو القريب بامتياز، والعدو الذي يجري الحشد ضده هو (نحن) المسلمون الذين يختلفون مع توجهات المهاجرين الجدد .. كل التيارات السياسية والأفكار والأنظمة ستكون في مرمى النيران .. والوقود جاهز في مخلفات الربيع العربي وبقايا التنظيمات الإخوانية والسلفية التي تأرجحت في لحظة تاريخية بالغة الدقة بين العمل السياسي المعلن والعمل السري المؤدلج بأفكار العنف والتغيير بالقوة. 

غياب الرمز والأيقونة البشرية:

ما ينقص الهجرة الثالثة حاليا هو أيقونة بشرية .. رمز يلتف حوله المهاجرون ويتم استخدامه في دعاية الحشد والتجنيد، كما كان أسامة بن لادن في الهجرة الأولى والزرقاوي في الهجرة الثانية، من المؤكد أن آلة الإعلام الجهادي تفتش حاليا عن أيقونتها الجديدة التي تصلح لتكون بضاعة للتسويق و"ماركة" تجتذب الشباب ..

 غالبا ستكون الأيقونة الجديدة من شباب أوروبا المهاجرين إلى مواجهات هرمجدون في بلاد الشام .. شباب أوروبا الذي مازال يرفع صور جيفارا المهاجر للقتال في أقطار بعيدة عن موطنه من أجل إعلاء القيم التي يؤمن بها ..

غالبا تفتش آلة الإعلام الجهادي حاليا عن هذا ال "جيفارا" الأوروبي الذي يهاجر للقتال من أجل إعلاء قيم الحرية والعدالة ضد الديكتاتوريات الشرقية المستبدة..وبعد إضافة بعض البهارات الفقهية والرتوش الدينية والملامح الميثولوجية سوف تكون الموجة الثالثة من الهجرة جاهزة للعصف بعقول كثير من الشباب في العالمين الغربي والعربي.

المصادر

[1] انظر في ذلك حلقة برنامج صناعة الموت، قناة العربية، 20 يونيو سنة 2014.

النشرة الالكترونية

عاجل

x