أفق مسدود.. هل تنجح محاولات الحوار في ليبيا

بقلم : زياد فرج زياد فرج
الإثنين هـ - 29 سبتمبر 2014م

رفضت جماعة الإخوان المسلمين بليبيا، وذراعها السياسية، حزب العدالة والبناء الليبي، الدعوة التي أطلقها المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، برناردينو ليون، لحوار وطني ليبي-ليبي، يوم 29 سبتمبر في مدينة غدامس الجزائرية، الجزائر بين الأطراف المتنازعة علي السلطة في ليبيا، في محاولة لإنهاء الأزمة الليبية المستمرة منذ شهر يوليو الماضي، والصراع العنيف بين البرلمان المنتخب والحكومة المنبثقة عنه( شرعية الصندوق) وبين الميليشيات التي تمثلها حركة فجر ليبيا بتنوعاتها الجهادية الإخوانية...

هروب متكرر من وقف النار:

بنت جماعة الإخوان مبرراتها للرفض علي أسباب مختلقة وواهية، فبشير الكبتي، المسؤول العام عن جماعة الإخوان المسلمين الليبية، كذب في 26 سبتمبر أخبار وصول أي دعوات بشأن الحوار، نافياً وصول أي دعوات للجماعة لحضور الحوار الوطني المزمع إجرائه، وهو ما أكده محمد صوان، رئيس حزب العدالة والبناء الليبي، الجناح السياسي لجمعة الإخوان، في اليوم التالي، 27 سبتمبر، حيث أكد الأثنان أنهم ضد أي حوار يضم أركان نظام القذافي، ولكن دون أن يسمي أياً منهم "أركان نظام القذافي" الذين تمت دعوتهم للحوار الوطني الليبي المذمع عقده في الجزائر.

وأضاف (صوان) في تصريحاته "نحن مع انطلاق الحوار على أن يتم إرجاء القضايا المعروضة على القضاء إلى ما بعد صدور الحكم من الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا"، في إشارة لطعنهم علي شرعية مجلس النواب الليبي أمام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا الليبية، متذرعين بعدم إجراء جلسة تسليم السلطة الشكلية لمجلس النواب، وذلك في محاولة لإختلاق شرعية كاذبة، نزعها عنهم الشعب الليبي في انتخابات مجلس النواب شهر يونيو الماضي.

ويأتي تصريح (صوان) ليؤكد السبب الحقيقي لرفضهم الحوار، فأي حوار مثمر ينبغي أن يبدأ بالأعتراف بإرادة الشعب الليبي، والممثلة في مجلس نوابه المنتخب، ورحيل "المؤتمر الوطني العام" المنتهية ولايته في شهر فبراير الماضي، والذي يصر الإخوان وحلفائهم علي إعادة إحيائه في تحدي فج للإرادة الشعب الليبي.

الموقف الدولي

في نفس الوقت الذي يصر التحالف الإسلامي، وفي قلبه جماعة الإخوان المسلمين، علي إنتحال شرعية لا محل لها، والدفع بليبيا إلي أتون الفوضي والدمار، والتذرع بحجج واهية لرفض الحوار الوطني، مدركين أنتهاء شرعيتهم، تتوالي الجهود الدولية لتدشين الحوار الوطني الليبي، وأقناع الأطراف المتصارعة علي الجلوس لطاولة المفاوضات، لإنقاذ ليبيا من الدمار.

فعلى هامش انعقاد الدورة العادية الـ69 للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة، عقد أمينها العام بان كي مون في 25 سبتمبر، اجتماعًا رفيع المستوى حول ليبيا بمشاركة رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح قويدر وعدد من الدول المجاورة والمهتمة بالشأن الليبي، افتتحه بالقول "إن ليبيا تمر بأزمة عميقة"، معلقاً "الأشهر الماضية شهدت عنفًا غير مسبوق بين التشكيلات المسلحة المتنافسة، وشرد أكثر من 300 ألف شخص، ودُمّر المطار والمباني الحكومية والبنية الأساسية الحيوية، وتعاني المستشفيات نقصًا حادًا في الإمدادات الطبية. وأن عملية التحول السياسي تواجه أكبر تحدياتها منذ الثورة. وأن مجلس النواب المنتخب بشكل شرعي أجبر على أن يتخذ من طبرق مقرًا له".

وفي إطار هذا الاجتماع، حذّرت 31 دولة، بجانب الإتحادين الأوروبي والأفريقي، وجامعة الدول العربية من "إنشاء مؤسسات موازية في ليبيا، أو فرضها بسياسة الأمر الواقع باستخدام القوة"، وجددت تلك الدول "اعترافهم بنتائج الانتخابات النيابية الليبية التي تمت في 25 يونيو الماضي"، مؤكدين على "أن مجلس النواب هو السلطة التشريعية الوحيدة في البلاد"، داعين جميع القادة السياسيين لوضع المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات الأخرى، والعمل معا بروح من الشمولية لتحقيق حل سلمي للأزمة السياسية والأمنية التي تشهدها البلاد، وأعرب المشاركون عن الدعم الكامل لمبادرة الممثل الخاص بيرناردينو ليون لتسهيل الحوار، والتي تبدأ في 29 سبتمبر الجاري، مؤكدين على أهمية استئناف العملية السياسية باعتبارها الضمانة الوحيدة القابلة للتطبيق التحول الديمقراطي في ليبيا وسبل انهاء الصراع الحالي.

وأعرب وزير الخارجية الجزائري رمضان لعمامرة خلال الاجتماع عن "التزام بلاده بحل الأزمة في ليبيا ومساعدتها لتبني طريق المصالحة الوطنية وإعادة بناء مؤسساتها"، وجدد رئيس الحكومة التونسية، المهدي جمعة، مساندة بلاده للشعب الليبي، مؤكدأ على أهمية الحوار بين كافة الأطراف للخروج بليبيا من الأزمة التي تمر بها، حيث قال في اتصال هاتفي مع رئيس الحكومة الليبية، عبد الله الثني، يوم 27 سبتمبر، إن "تونس مرّت بتجربة مماثلة ووجدت أن الطريق الوحيد لحل أزمتها هو الحوار الوطني ونجحت في ذلك"، وأكد جمعة على وقوف تونس بجانب الشعب الليبي ومؤسساته الشرعية، مجلس النواب والحكومة المنبثقة عنه، وفي نفس الأطار دعا رئيس الحكومة المغربية، عبدالإله بنكيران، في 25 سبتمبر بنيويورك لإطلاق حوار وطني ليبي يشرك جميع القوى الراغبة في الانخراط في بناء دولة الحق والقانون، ونقلت وكالة الأنباء الليبية عن بن كيران قوله "إننا سنظل أوفياء لأشقائنا في ليبيا، وندعوهم إلى إطلاق حوار وطني يشرك جميع القوى المؤمنة بالاتزان والشرعية، والراغبة في الانخراط في بناء دولة الحق والقانون، والملتزمة بوحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها، وإلى عدم التدخل في شؤونها الداخلية والحفاظ على استقلالها السياسي".

كما أكد وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، على "ضرورة أن تكون هناك عملية مصالحة وطنية وأن تبقى قوات الأمن الليبية متماسكة ومتّحدة" مضيفاً "لابدّ أن نستخدم نفوذنا من أجل إقناع كافة الأطراف للجلوس على طاولة الحوار"، مؤكدا "شرعية البرلمان، يجب أن يعترف بها الجميع، وذلك بكل تأكيد لا يلغي الحوار العام"، وختم بالقول "فرنسا ترى ضرورة الإسراع لتحقيق المصالحة الوطنية، بيد أن المصالحة الوطنية ليست كافية في حد ذاتها للحد من خطر الجماعات الإرهابية".

وفي نفس الأطار دعا مبعوث إيطاليا الخاص إلى ليبيا جيوسي بوتشينو غريمالدي، المجتمع الدولي إلى ضرورة الوقوف إلى جانب الشعب الليبي لينهض ببلاده، مؤكدًا أن الحل السياسي هو المخرج الوحيد للأزمة الليبية.

انسداد الأفق:

بالرغم من كل الجهود الدولية والأقليمية المبذولة للدفع بأطراف الصراع الليبي لطاولة المفاوضات، تظل جماعة الإخوان متمسكة بسلطة غير شرعية، معتمدة علي حجج واهية، لا تحركها سوي دوافع مكيافيلية، لا تقيم أعتباراً للشعب الليبي وإرادته، ولا لشرعية الصندوق والتي نادوا بها من قبل في مصر، وأنقلبوا عليها في ليبيا عندما وقفت في وجة أطماعهم الغير شرعية في السلطة وثروة ليبيا النفطية.

ومن العجيب أن جماعة الإخوان المسلمين بليبيا كانت تستنكر من قبل تصرفات جماعة "أنصار الشريعة" المتطرفة في محاولة الأستيلاء علي السلطة بالقوة، مطالبة بالحوار الوطني الذي ترفضه الأن، وذلك في بيان لها صدر في 28 مايو 2014، عندما كانت ما تزال في السلطة الشرعية[1]، بينما الأن تدعم نفس الجماعة الإرهابية في قتالها ضد البرلمان والحكومة المنتخبة وضد الجيش الليبي بمدينة بنغازي في شرق ليبيا، وتساعدها في تدميرها لمؤسسات الشعب الليبي، ومنعها لمجلس النواب المنتخب من عقد جلساته في مدينة بنغازي، لتعود وتتحجج بذلك حتى تنكر عليه الشرعية.

بالرغم من التأكيد المستمر من المجتمع الدولي علي أن الحوار هو الوسيلة الوحيدة لإنهاء الأزمة الليبية، تبقي معضلة إقناع، أو إجبار، التحالف الإسلامي الجهادي، الرافض للشرعية، ورفض ميليشياته الجهادوية بالخصوص وتكفيرها للديمقراطية ومسألة الانتخاب أساسا، فضلا عن  الجلوس علي طاولة الحوار ممن تراهم لمجرد قبولهم بالديمقراطية مجرد كفار ومرتدين، ومع التقارب والتماهي في المواقف بينها وبين جماعة الإخوان المسلمين الليبية التي تعتمد على هذه الجماعات فعليا، وتعتمد على خطاب مراوغ رمزيا  للتهرب من الالتزام بالقواعد الديمقراطية، والتي نادوا بها عندما كانت في مصلحتهم، وانقلبوا عليها عندما لفظتهم..

أفق مسدود أو لا يبعث على التفاؤل في أقل الأحوال أمام الدعوة للحوار الوطني الليبي المزمع انعقاده الأحد المقبل، وما لم يجد المجتمع الدولي والإقليمي آلية واضحة لإجبار التحالف الإسلامي المنقلب علي الشرعية، للرضوخ لإرادة الشعب الليبي، والمجتمع الدولي، وإلقاء سلاح ميليشياته، فليس ثمة حل، وستظل ليبيا تدور في دوامة مفرغة من العنف والفوضي.

 

 

المصادر

[1] بيان صادر لجماعة الإخوان المسلمين الليبية بتاريخ 28 مايو 2014، للإطلاع علي البيان علي الرابط التالي: الرابط

النشرة الالكترونية

كلمات دليلة

عاجل

x