الآفاق والمحددات الطموح الإقليمي لأردوغان

بقلم : "معهد العربية للدراسات" "معهد العربية للدراسات"
الثلاثاء هـ - 02 سبتمبر 2014م

يتشابه كل من  رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء التركي  الفائز بالرئاسة، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أن كليهما لديه طموح جيوسياسي كبير، يتوسع خارج حدوده، وكذلك ينزعج الغرب من كلا الطموحين.

لدى أردوغان وبوتين طموحات محددة لأنهما يدركان حقيقة الجغرافيا السياسية. إذ يدرك بوتين أنّه ينبغي على أيّ زعيم روسي مسؤول أن يضمن إقامة حزام عازل لروسيا في مناطق بعينها، مثل أوروبا الشرقية والقوقاز؛ بينما يدرك أردوغان أنه ينبغي على تركيا أن تصبح قوّة كبيرة في الشرق الأدنى لكي تكتسب النفوذ الكافي لدى أوروبا.

وتكمن مشكلة أردوغان في حقيقة أن جغرافيا تركيا الممتدة بين الشرق والغرب تنطوي على نقاط ضعف بقدر ما تنطوي على منافع. وهذا ما يدفع أردوغان إلى التمادي في بعض الأحيان. لكنْ ثمة منطق تاريخي وجغرافي يقيد هذا الطموح الأردوغاني.

                                                     بين أتاتورك وأردوغان

بعد أن خسرت تركيا العثمانية الحرب العالمية الأولى (إلى جانب ألمانيا والنمسا)، قسم الحلفاء المنتصرون الإمبراطورية العثمانية بموجب معاهدة سيفِر التي أُبرمت في عام 1920، حيث منحوا الإستقلال إلى العديد من الدول التي كانت خاضعة لها ووضعوا العديد من مناطقها تحت نفوذ اليونان وأرمينيا وإيطاليا وبريطانيا وفرنسا. لكنّ كمال أتاتورك رفض هذا الإذلال وقاد ثورة مسلّحة ضدّ قوى الإحتلال الجديدة ثم نجح في إقامة حكومة تركية ذات سيادة في جميع أنحاء وسط الأناضول. وتنازل كمال أتاتورك عن أجزاء الإمبراطورية العثمانية غير التابعة لوسط الأناضول في مقابل إقامة دولة تركية ضمن منطقة الأناضول.

ولم ترفض فلسفة كمال أتاتورك الأقلّيات وحسب، بل رفضت كتابة اللغة التركية بالحروف الهجائية العربية. كما ألغى كمال أتاتورك المحاكم الشرعية ودعا النساء إلى عدم إرتداء الحجاب والرجال إلى عدم إعتمار الطرابيش. وأعاد أتاتورك صياغة الأتراك كأوروبيين (من دون الأخذ بعين الإعتبار ما إذا كان الأوروبيون سيقبلون الأتراك كأوروبيين، أم لا). ومثّلت هذه الإجراءات محاولة لتغيير وجهة تركيا نحو أوروبا وبعيداً عن الإمبراطورية العثمانية البائدة في الشرق الأوسط.

وتكمن مشكلة رؤية أتاتورك في توجيه تركيا بحزم باتجاه الغرب. إذ تتعارض هذه الرؤية مع الوضع الجغرافي للدولة التركية التي تمتد على جانبيّ الغرب والشرق. بالتالي، كان لا بد من تعديل هذه الرؤية. وقد قام بتعديلها تورغوت أوزال، رئيس الوزراء التركي الذي تمّ إنتخابه في عام 1983.

ولا يختلف أوزال وأردوغان لجهة الإنفتاح على الأقليات، لا سيما الأقلية الكردية، والابتعاد عن نهج كمال أتاتورك. وبدلاً من تأكيد أتاتورك على دور الجيش، شدّد أردوغان وأوزال على القوّة الناعمة للعلاقات الثقافية والإقتصادية لإعادة بناء صيغة جديدة للإمبراطورية العثمانية التي تمتد من شمال إفريقيا إلى السهل الإيراني وآسيا الوسطى. ويدرك أردوغان حالياً أنّ بسط نفوذ تركيا الإسلامية المعتدلة في جميع أنحاء الشرق الأوسط حافل بالتعقيدات المحبطة. وفي الحقيقة، ليس من الواضح ما إذا كانت تركيا تتمتع حتى بالقدرة السياسية أو العسكرية لتحقيق مثل هذه الرؤية. وقد تبذل تركيا قصارى جهدها لتعزيز التبادل التجاري مع جاراتها الشرقية. لكنّ حجم هذا التبادل التجاري لا يُقارن بتاتاً مع حجم التبادل التجاري بين تركيا وأوروبا، حتى في ظل الركود الحالي للإقتصاد الأوروبي. وفي القوقاز وآسيا الوسطى، تسعى تركيا إلى بسط نفوذها على أساس التقارب الجغرافي واللغوي. مع ذلك، تواصل روسيا بوتين ممارسة نفوذ كبير في دول آسيا الوسطى كما وضعت أذربيجان في موقع مزعج للغاية، إثر غزوها لجورجيا. وفي بلاد ما بين النهرين، يسود النفوذ الإيراني على النفوذ التركي. وفي سوريا، يبدو أن أردوغان ووزير خارجيته، أحمد داود أوغلو، فشلا في بلورة معارضة سنيّة معتدلة تحل محل النظام العلوي للرئيس بشّار الأسد. ومع أن أردوغان كسب تعاطف العالم الإسلامي بسبب معارضته المثيرة لإسرائيل، إلا أنه دفع ثمن هذه المعارضة: فقد عززت إسرائيل علاقاتها مع اليونان والشطر اليوناني من جزيرة قبرص، الأمر الذي يسمح لخصوم تركيا حالياً بالتعاون في مجال الهيدروكربونات في شرقي البحر الأبيض المتوسط.

صحيحٌ أن أساس المشكلة هو جغرافي في المقام الأول. لكن الأهم من ذلك هو شيطنة تركيا نفسها من جانب سكانها الأكراد، الأمر الذي يعقّد محاولات أنقرة لممارسة نفوذها في دول الشرق الأوسط.

ويدرك أردوغان أنّه ينبغي عليه أن يحلّ مشكلة مواطنيه الأكراد لكي يعزز مقبولية تركيا في المنطقة. وقد ذكر أردوغان علناً العبارة العربية "ولاية" المرتبطة بالإمبراطورية العثمانية. وتعني هذه العبارة "محافطة تتمتع بحكم ذاتي جزئي"- وقد يكون هذا المفهوم المفتاح لإرضاء الأكراد المحليّين ولكنه قد يثير إنتقادات منافسي أردوغان القوميين في تركيا.

ونظراً إلى تحجيم دور المؤسسة العسكرية التركية – وهو ما كان مستحيلاً في رأي بعض المراقبين قبل عقد من الزمن - فإنه لا بدّ من توخي الحذر إزاء التقليل من شأن أردوغان وطموحه الجغرافي. وفيما تلهو النخب الغربية بالتهكم على الرئيس بوتين، يحرص أردوغان على تدوين ملاحظاته بحماسة واضحة عندما يجتمع مع الزعيم الروسي والعمل على الأستفادة من تجاربه.

النشرة الالكترونية

كلمات دليلة

عاجل

x