اليمن بين التدخل الإيراني والحل الفيدرالي

بقلم : "معهد العربية للدراسات" "معهد العربية للدراسات"
الثلاثاء هـ - 01 أبريل 2014م

في حواره الأخير مع جريدة الحياة اللندنية يوم 31 مارس سنة 2014 دعا الرئيس عبد ربه منصور هادي إيران الى «رفع يدها عن اليمن»، وإلى أن توقف دعمها «كل التيارات المسلّحة والمشاريع الصغيرة». وأشاد بالدور الذي لعبته السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي في إخراج اليمن من محنته، مؤكداً أن «أمن المملكة هو من أمن اليمن، وأمن اليمن هو من أمن المملكة»,,فلولا التدخل الخليجي الناعم والتوافقي عبر إقرار المبادرة الخليجية وخارطة الطريق اليمني بعد ثورته لاستمرت الحرب في اليمن إلى أجل غير معلوم... بينما يبدو التدخل الإيراني الداعم لفصيل بعينه عقبة في طريق الاستقرار اليمني ومستقبل فيدراليته، وسنحاول الإشارة فيما يلي لأبرز الدلالات على التدخل الإيراني في اليمن ثم نردف بمشاكل البنيوية والعقبات البنيوية في الحالة اليمنية

حول التدخل الإيراني في اليمن:

لا يمكن إغفال واقع التدخلات الإقليمية والإيرانية تحديدا في شئون اليمن وخلخلة استقرارها، وهي تدخلات ذات طبيعة سلبية، حيث تضع إيران،  اليمن ضمن دوائر حركتها الإقليمية، بل أن تحليلات عديدة تؤكد رغبة طهران في نقل ثقلها الاستراتيجي فى المنطقة من سوريا إلى اليمن ( في حال سقط نظام بشار الأسد مستقبلاً أو تغيرت معادلة الحكم في سوريا)، وفقاً لذلك فإن الدور الإيراني في اليمن قد يُلقى بظلاله على مستقبل وثيقة الحوار الوطني وذلك استناداً لما يلي:

 

1.    تزايد الشكوك حول دور لإيران في تنفيذ بعض الاغتيالات المتلاحقة التي حدثت في اليمن الفترة الماضية بهدف تسميم الأجواء وتهديد مناخ الثقة والحوار بين كل الأطراف، بهدف إبعاد الحوثيين وبعض فصائل الجنوب عن دائرة الحوار، فاغتيال أحد ممثلي جماعة الحوثي (أنصار الله) في مؤتمر الحوار الوطني ومحاولة اغتيال نجل الأمين العام لحزب التجمع اليمني للإصلاح قد تدخل ضمن هذا الإطار.

 

2.    مراهنة إيران على قدرة الحركة الحوثية على تفجير الوضع الداخلى على المستوى الامنى والسياسى فى المناطق الشمالية من اليمن، لذلك تُلقى ايران بثقلها وراء هذه الحركة، من خلال توفير غطاء دينى لها، تقوم به بالأساس الحوزة الدينية فى قم، وتوفير غطاء جيو- سياسى لها من خلال الدعم السياسى والعسكري، وهو الأمر الذى من شأنه  تقوية مواقف الحوثيين السياسية، بما يعمل على توتير الاجواء وتعطيل تنفيذ بنود مبادرة التسوية الخليجية ويسهم بصورة كبيرة فى العودة بالأوضاع فى اليمن إلى مربع العنف.

 

3.    تكرار فشل جهود تهدئة الأوضاع بين السلفيين والحوثيين في منطقة "دماج" القريبة من محافظة صعدة، التي تلوح فيها نُـذُر تجدد القتال بين الجانبين بارتفاع حدة الدعوات الجهادية الدينية بين طرفي المعادلة المذهبية بنسختيهما "السلفية - الحوثية" .

 

4.    تراهن ايران على إمكانية حدوث تقريب لوجهات النظر أو عمل تحالف تكتيكى فيما بين أنصار ومؤيدى الرئيس السابق على عبد الله صالح ( المتضررين من المبادرة الخليجية) من جانب وقادة الحراك الجنوبي والحوثيين من جانب أخر، الأمر الذي يمكنها – فى حال نجاحها فى ذلك – من تقويض اتفاق التسوية السياسية برمته، ورغم صعوبات إنجاح هذا الخيار بالنسبة إلى إيران نتيجة لإرث العداء الممتد بين الطرفين فى السابق، غير أن تكتيكات التعامل السياسى قد تفرض تبدلات فى العلاقات السياسية، وبالفعل هناك عدد من المؤشرات على حدوث تقاربات مبدئية فى مواقف الطرفين قد تقود فى النهاية إلى تحالف تكتيكى، ومن بين هذه المؤشرات تركيز العداء السياسي والإعلامي للطرفين ضد حزب الإصلاح، واتهامه بسرقة ثورة الشباب وتجييرها لصالحه، بالاضافة إلى تناغم الخطاب الإعلامي للطرفين تجاه القضايا المصيرية والاستحقاقات السياسية التي تواجه اليمن؛ مثل الموقف من المبادرة الخليجية والهجوم الإعلامي على دول الخليج والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بسبب دورهم في إجبار صالح على التنحي عن السلطة، ودعم الرئيس التوافقي عبد ربه هادي دعماً غير محدود، ومساندته في خطته الهادفة إلى إعادة هيكلة الجيش والأمن اليمني (المتضرر الأكبر من ذلك هو صالح وأبناؤه وعائلته)، وكذلك تناغم حملات التشكيك ضد مؤتمر الحوار الوطني المقبل.

 

5.    وضوح مسعى إيرانى للوصول إلى فدرالية متعددة الأقاليم فى اليمن، تسمح للجنوب لاحقاً بالانفصال، كما تسمح أيضاً للحوثيين بالمطالبة بإقليم خاص فى الشمال يضم محافظة صعدة، مع محافظتي الجوف وعمران، أو أجزاء منها، ومحافظة حجة)، وليس بمستبعد، أيضاً، المطالبة بإضافة جزيرة ميدي القريبة كميناء للإقليم، وهو مسعى إيرانى يتعارض مع المصالح الخليجية فى اليمن وفى المنطقة بشكل عام.

 

6.    قيام ايران بتعزيز نشاطها الاستخباراتى فى اليمن، من خلال بناء خلايا عديدة للتجسس هناك، وهو ما كشف عنه الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي في اواخر عام 2012 بأن القوات اليمنية نجحت في الكشف عن ست خلايا تجسس تعمل لصالح ايران، وتم القبض علي عناصر هذه الشبكات الست في صنعاء وعدن وعدد من المحافظات الأخرى.

 

7.    تكرار عمليات توقيف سفن إيرانية ومصادرة أسلحة منها، تبين بالتحقيق ان وجهتها الاساسية هى اليمن، حيث  تقديم ايران الدعم الي العديد من الجماعات الدينية في شمال اليمن، وظهر ذلك جلياً مع قيام خفر السواحل اليمنية في أواخر شهر ديسمبر 2012 بمصادرة أسلحة متنوعة محملة علي ظهر سفينة ايرانية بالقرب من ميناء " الصليف" اليمني علي ساحل البحر الاحمر، وتم التأكيد من قبل مصادر مسئولة في الحكومة اليمنية أن وجهة الاسلحة كانت باتجاه محافظة صعده في الشمال، بالإضافة إلى مصادرة أسلحة من سفينة إيرانية كانت متوجهة لليمن أواخر شهر يناير 2013.

 

8.    قيام ايران بمحاولة استقطاب العديد من الشخصيات السياسية المؤثرة في اليمن، والتي اسهمت في توسيع دائرة النفوذ الايراني هناك علي حساب النفوذ التقليدي للسعودية في اليمن، بالإضافة إلى سعيها لتوسيع نفوذها ووجودها داخل المجتمع اليمني خاصة في عدد من المحافظات التى كانت بعيدة تماماً عن الوجود الايراني مثل محافظات تعز والحديدة واب وعدن ولحج وغيرها من المحافظات الجنوبية التي ظلت لفترة طويلة بعيدة عن المذهب الزيدي أو النفوذ السياسي الايراني.

معوقات الحل الفيدرالي:

واجه اليمن من الناحية التاريخية صعوبات حقيقية في العمل كدولة قومية موحدة بسبب الإنقسامات القبليّة والطائفية الحادّة، والتضاريس الجغرافية الوعرة والمساحة الجغرافية الكبيرة. ويخضع شمال اليمن لحكم السياسة القبليّة بالدرجة الأولى كما يضم مناطق تتنافس فيها فئات عدة، مثل الحوثيين في محافظة صعدا الشمالية. وخلافاً لشمال اليمن، يميل جنوبها إلى التحرّر الديني والإشتراكية كما أن معظم موارد الطاقة التي تمتلكها البلاد، موجودة في هذا الجنوب.

عاد طرح خيار النظام الفيدرالي في اليمن في وقت تسوده الصراعات القبلية والطائفية المسلحة، كما شهدته منطقة دماج قبل فترة من صراع بين الحوثيين وبين السلفيين، أو حربهم على حاشد وآل الأحمر، ورغم مكافحة  الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، لأجْل توطيد سلطان الدولة وبسط حكمها على البلاد، وفق الوفاق الذي تمخض عنه الحوار الوطني العام، ونحو إقرار الفيدرالية كدواء من داء الانفصالية الذي يعتري البعض، صادق في الثاني من فبراير سنة 2014 صادق الرئيس عبد ربه منصور هادي صادق على تشكيل جمهورية فيدرالية مكونة من ستة أقاليم.

لذا، فإن التباين الواضح بين شطريّ اليمن الجنوبي والشمالي يجعل من الصعب توحيدهما ضمن إطار دولة قومية واحدة. ومن الناحية التاريخية، تبين أيضاً أنه لا يمكن حكم اليمن بفاعلية إلا من خلال رئيس قوي يتمتع بدعم مؤسسة عسكرية متماسكة، وقادر على تأليب الفئات التي قد تهدد وحدة البلاد بعضها ضدّ البعض الآخر، بالإضافة إلى إستقطاب القبائل واحتوائها، ودمجها في مؤسسات الدولة؛ وهذا ما نجح فيه جزئيا الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح بطرق أضرت اليمن وأطالت عمر سلطته، بينما يحاول الرئيس اليمني الحالي، عبد ربه منصور هادي تحقيقها من منظور وبتوجهات مختلفة عن سلفه، تقدم التوافق وتستهدف الإرهاب وترحب بالحوار، وترفض التدخل الخارجي الداعم لجماعات طائفية بعينها.

عقبات النظام الفيدرالي في اليمن:

هناك عدد من العقبات التي تعترض سبيل إرساء نظام فيدرالي في اليمن. وفي الواقع، باءت محاولة تشكيل نظام فيدرالي في أوائل التسعينيات بالفشل بسبب التباين الواضح بين نظاميّ الحكم اللذين كانا سائديْن في شمال اليمن وجنوبه. وفي الوقت الراهن يمكن تحديدها في المشكلات الآتية:

  •  تتمثل المشكلة الأولى بتحديد عدد الأقاليم. وتفضل الغالبية الساحقة للأحزاب والتيارات والطوائف المشاركة في الحوار الوطني والمحادثات مع الرئيس هادي تشكيل ستة أقاليم - أربعة في الشمال وإثنان في الجنوب. لكن الحراك الجنوبي يعارض هذه الفكرة بشدة ويطالب بالعودة إلى التقسيم الذي ساد إبّان الدولتيْن: الشمالية والجنوبية. لكنْ من المرجح أن ترفض صنعاء تطبيق مثل هذا النظام لأنه سيخلق جنوباً مستقلاً ذاتياً وموحداً، الأمر الذي قد يؤسس إلى إنفصاله.
  • المشكلة الثانية أن معظم البنية التحتية وموارد الطاقة وحقول النفط موجودة في جنوب وشرق البلاد، بينما تقع البنية التحتية لتصدير الطاقة على السواحل الممتدة على طول غرب وجنوب البلاد. وهناك نزاعات مزمنة حول كيفية توزيع الثروة وإيرادات البنية التحتية للطاقة على المحافظات. وإذا تحمّل كل إقليم في اليمن الفيدرالي مسؤولية حكومته وسياساته المحليّة، فإن قضية التمويل وعائدات النفط ستكون نقطة خلافية رئيسية.

ومن شأن هذه المشكلات أن تمنع اليمن من بناء نظام فيدرالي. وحتى في حال تطبيق مثل هذا النظام، فإن العناصر المتطرفة في الحراك الجنوبي والثوار الحوثيين قد رفضوا منذ البداية هذا الطرح، ورفضوا المشاركة في المحادثات الجارية مع الرئيس هادي حول الفيدرالية. بالتالي، من المستبعد أن يمنع تطبيق النظام الفيدرالي هذه العناصر المتطرفة من السعي إلى تحقيق أهدافها من خلال العنف. علاوة على ذلك، وسواء تم تشكيل نظام فيدرالي أم لا، فإن تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية أقسم أنه سيؤسس إمارة إسلامية في اليمن وسيواصل إستخدام العنف لإسقاط أيّ حكومة يمنية، والقضاء على أي فئة تقف في طريقه.

مع ذلك، وبالرغم من الخلافات بين مختلف الأحزاب والطوائف اليمنية، إلا أن العديد منها لا يريد رؤية حكومة مركزية فاشلة تماماً لأن مثل هذا التطور سيفاقم المشكلات، في جميع أنحاء البلاد.

 بالتالي، ستحاول هذه الفئات كبح جماح نظرائها الأكثر عنفاً مع الإستمرار في المحادثات لتخفيف حدة العنف. كما أن المملكة العربية السعودية وبعض الدول الغربية، لا سيما الولايات المتحدة، لا تريد أن ينزلق اليمن إلى مزيد من الفوضى، الأمر الذي سيدفعها إلى دعم الحكومة اليمنية في محاولة منها لإبقاء الوضع الأمني تحت السيطرة إلى حد ما.

 وفي هذه الأثناء، سيستمر عدم الإستقرار في اليمن حتى ظهور رئيس آخر قادر على ضرب الخارجين على القانون بيد من حديد، بالإضافة إلى ضمان الحفاظ على التوازن الداخلي وتوطيد سلطة الدولة وفرض سيطرتها على كامل التراب الوطني.

عاجل

x