بين ثنائية تنظيم القاعدة والحوثي ومخاطر التقسيم!

هل تتحول اليمن ل أفغانستان جديدة؟

بقلم : زياد فرج زياد فرج
الثلاثاء هـ - 14 أكتوبر 2014م

ليس أمام اليمن بتركيبته الديمغرافية والجغرافية، كما ذكر وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، في لقائه بنظيره الألماني  أمس 12 أكتوبر، إلا التوافق ودعم المسار السياسي، فلا يمكن أن تنفرد باليمن طائفة أو جماعة مسلحة، واللغة التهديدية في ظهور متكاثر ل عبد الملك الحوثي منذ سيطرته على مؤسسات الدولة في العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر الجاري، ينم عن ارتباكه وصعوبة الأعداء، ولكن هذا الخطاب المكرور من التهديد والمناجزة وفرض الإرادة لم نر له نتائج حتى حينه إلا مزيدا من عدم الاستقرار والاستياء من عدم التزامه باتفاق السلم والشراكة، ورغم سعيه لاحتكار السلاح والسياسة معا، كما تجلى أمس أيضا الثاني عشر من أكتوبر، في حادث سيطرة قواته على الأسحلة الثقيلة في معسكر للجيش في الحديدة، بينما تقبل القوى السياسية بشروطه وقبل الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي باستقالة عوض من مبارك، وتم القبول بترشيحه الدكتور بحاج مندوب اليمن الدائم في الأمم المتحدة، ومن الحوثيين وزعيمهم، ولكن هذا التزامن بين السيطرة على سلاح ثقيل للدولة، مع قبول الآخرين وقبوله برئيس الحكومة الجديد، ينم عن استعداد الحوثي لما هو أخطر، ويضرب كل جسور الثقة مستقبلا ويبقى في الخليفة القريبة مشهد مسلحون يشبهونه ويتماهون معه ويريدون الدولة مثله....انهم القاعدة في اليمن! الذي يبدو ان الحوثي وتحديه وكبرياءه يدفعها للتعاون والاتحاد بعد كثير كلام عن احتمال انشقاقها مع بيعة بعض مجموعاتها ل داعش...

من هنا تتزايد المخاوف من إحتمالية تحول اليمن إلي أفغانستان جديدة علي المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وما يحمله ذلك من تهديد مباشر لكل دول الأقليم، وذلك علي خلفية سقوط العاصمة اليمنية صنعاء في أيدي مسلحين جماعة "أنصار الله" الحوثيية في 21 سبتمبر الماضي، وما تلاه من تهديدات أطلقها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، بـ"جعل رؤوسهم تتطاير"، في إشارة للحوثيين، ما ينذر بإمكانية تصاعد وتيرة العنف الطائفي، والعمليات الإرهابية، والتي تعاني منها اليمن منذ سنوات طويلة، في نفس الوقت الذي يصعد فيه أنصار الحراك الجنوبي من أحتجاجاتهم مطالبين بالإنفصال عن اليمن، ما ينذر بإمكانية تقسيم اليمن.

رد فعل تنظيم القاعدة

وكرد فعل مباشر من تنظيم القاعدة علي سقوط صنعاء في أيدي الحوثيين، أصدر التنظيم بياناً في 25 سبتمبر، نشر علي مواقع تابعة للتنظيم علي شبكة الإنترنت، قال فيه موجهاً كلامه إلى السنة اليمنية، أنها لا يخفى عليهم "ما يقوم به الحوثيون الروافض من استكمال للمشروع الرافضي الفارسي في يمن الإيمان والحكمة" مضيفا أن كثيرا من المحسوبين على أهل السنة والعلم والفتوى "كان لهم أثر كبير في تنامي هذه الجماعة الحوثية وذلك بغض الطرف عنهم والسكوت عن جرائمهم التي اقترفوها بأهل السنة في صعدة وغيرها، وبالدفاع عنهم بعد الثورة المسروقة بدعوى أنهم جزء من الشعب"، وتابع البيان بالقول "ازدادت الطعنات وأزداد الجرح عمقا وكشر الرافضة عن انيابهم وظهر لأهل السنة والجماعة بكافة أطيافهم ومسمياتهم أن المستهدف الأول هم أهل السنة والجماعة.. الذين أخمدوا نار المجوس ورفعوا راية لا إله إلا الله عالية خفاقة على أرض فارس" واصفا مؤسس التيار الحوثي، وهو حسين الحوثي، والد الزعيم الحالي للتيار، عبدالملك الحوثي، بأنه "حامل راية الرافضة في أرض اليمن"، وتوجه البيان إلى السنة في اليمن بالقول "يا أهل السنة آن لكم أن تقوموا من رقادكم وأن تستفيقوا من سباتكم فقد ولى زمن التحزبات الجاهلية التي لم تزدادوا بها إلا ضعفا.. فالله الله بالجماعة والوحدة تحت راية أهل السنة، وإياكم أن تعيدوا تجربة العراق التي جعلت طارق الهاشمي يفر هاربا من العراق ومحكوما بالإعدام , وإياكم أن ترضوا بسيسي أو مالكي جديد واختصروا الطريق واعتبروا بمن سبقكم فقد آن لأهل السنة أن يجتمعوا ويوحدوا صفوفهم"، ودعا تنظيم القاعدة السنة في اليمن إلى "حمل السلاح وسلوك سبيل الكفاح"، وأضاف "نبشر أهل السنة بانتصارات قريبة تشفي الصدور وتريح القلب.. واعلموا يا أهل السنة أننا اخوتكم تنظيم قاعدة الجهاد قد سللنا السيوف الحداد للدفاع عنكم وللذود عن حياضكم واننا نقول للرافضة لقد جئناكم بما لا طاقة لكم به، جئناكم بالحق الذي لا طاقة للباطل بتحمله.. فأبشروا بما يسوؤكم فوالله لنجعلن ليلكم نهارا وصبحكم نارا ولترون اشلائكم تتناثر ورؤسكم تتطاير".

تصاعد العنف

ونتيجة مباشرة لذلك التهديد، نفذ تنظيم أنصار الشريعة، التابع لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، عملية إنتحارية في 28 سبتمبر بسيارة ملغومة أستهدفت مستشفى يستخدم قاعدة لجماعة الحوثيين في بلدة مجزر بمحافظة مأرب شرقي العاصمة صنعاء، مما أدى إلى مقتل 15 شخصا على الأقل.

وفي 9 أكتوبر الماضي، قام تنظيم القاعدة بتفجير إنتحاري ضد تجمع للحوثيين في ساحة التحرير بقلب العاصمة اليمنية صنعاء، ما أدي لسقوط ما يقرب من 50 قتيلاً، ينتمي أغلبهم للحوثيين.

وفي نفس اليوم نشر تنظيم القاعدة فيديو علي مواقع التواصل الإجتماعي، يصور إعدام 14 جنديا من الجيش اليمني، قال إنهم من الشيعة "الروافض"، ويظهر الفيديو الذي لم يحدد تاريخه أشخاصا ملثمين يوقفون حافلة في مدينة شبام اليمنية في شرق البلاد، ويجبرون عددا من الركاب على الخروج منها والاستلقاء على بطونهم، وجاء في الفيديو "مكن الله مجاهدي أنصار الشريعة من أسر 14 جنديا من الحوثيين الروافض بمدينة شبام المشاركين بالحملة العسكرية على أهل السنة فذبحوا ثلاثة منهم وقتلوا ما تبقى رميا بالرصاص جزاء وفاقا لعلهم يعقلون".

كما صعد تنظيم القاعدة من عملياته ضد الجيش اليمني، حيث نفذ تفجيراً إنتحارياً بسيارة ملغومة وبالبنادق الآلية على معسكر للجيش في منطقة بروم الساحلية في محافظة حضرموت، ما أدي لمقتل ما يقرب من 20 جندي يمني.

تمدد القاعدة بإتجاة الوسط

وفي نفس الإطار، بدأ مسلحي تنظيم القاعدة في التقدم بإتجاة وسط اليمن، في محاولة لتثبيت أقدامهم، مستغليين حالة الإحباط التي نتجت عن هزيمة قوات الجيش اليمني أمام مسلحي الحوثيين في صنعاء.

وتواردت الأنباء عن وصول تعزيزات عبر البحر الأحمر من سواحل الصومال، لدعم مسلحي تنظيم القاعدة في اليمن، الذي عزز من انتشاره في معظم مناطق البيضاء بوسط اليمن، حيث صرح زعيم قبلي من المنطقة في 30 سبتمبر الماضي، بأن "نحو ألف مقاتل من القاعدة يتواجدون حاليا في محافظة البيضاء جنوب شرق اليمن بعد توافد مجاميع كبيرة منهم إلى المحافظة من أبين وشبوة وحضرموت خلال الأيام الماضية"، وتوقع "اندلاع معارك بينهم وبين من يتهمونهم بالحوثية في أية لحظة", موضحاً أن "غالبية المستهدفين من قبل التنظيم في البيضاء ينتمون إلى الأسر الهاشمية بعضهم من جماعة الحوثي وبعضهم لاعلاقة لهم بها", فيما أشارت مصادر أخرى إلى أن "مجاميع حوثية مسلحة وصلت قبل يومين إلى محافظتي مأرب والبيضاء من مناطق عدة لمواجهة القاعدة وحماية تلك الأسر المستهدفة".

وبحسب مصادر في مناطق شبوة وأبين، التي شهدت مؤخراً حرباً شرسة خاضتها قوات الجيش اليمني ضد تنظيم القاعدة، فإن مناطق انتشار عناصر القاعدة شهدت اختفاء من مظاهر التنظيم، ما يؤكد أنباء توجه التنظيم شمالاً لقتال الحوثيين.

كما شهدت شوارع مدينة البيضاء تظاهرة ضخمة لعناصر التنظيم، رفعوا فيها أعلام القاعدة السوداء، ورددوا الهتافات الجهادية، متوعدين بقتال من أسموهم "الروافض"، في إشارة للحوثيين.

وفي تطور لذلك الوضع، دارت أشتباكات في 14 أكتوبر بين حوثيين وعناصر من تنظيم القاعدة في منطقة رداع بمحافظة البيضاء وسط اليمن، قتل فيها 12 مسلح، بينهم 6 من عناصر القاعدة، و5 حوثيين ومدني.

تنوازع إنفصالية في الجنوب

في نفس الوقت صعد أنصار الحراك الجنوبي من تحراكاتهم الداعية للإنفصال، فإنطلقت تظاهرة حاشدة في ساحة العروض بعدن جنوب اليمن، لإحياء الذكرى الـ51 لثورة أكتوبر في اليمن الجنوبي ضد الاحتلال البريطاني، وقال المتظاهرون إنهم سيحولون التظاهرة إلى اعتصام مفتوح للمطالبة بالانفصال، حيث شارك في التظاهرات أنصار الحراك من محافظات لحج والضالع وشبوة وأبين وحضرموت، وقام شباب الحراك الجنوبي في عدن بحرق صور كل من الرئيس السابق علي عبدالله صالح وعبدالملك الحوثي والقيادي في تنظيم القاعدة جلال بلعيد؛ تعبيراً عن رفض مليونية عدن للإرهاب والميليشيات المسلحة وسياسيات الرئيس السابق ضد أبناء الجنوب.

مخاطر تأخر الحل السياسي

تأتي تلك التطورات في نفس الوقت الذي ما زال الحوثيين يماطلون في سحب مسلحيهم من قلب العاصمة اليمنية صنعاء، ويستغلون الفراغ الأمني للتمدد بإتجاة الجنوب، وأحتلالهم لمدينة الحديدة، وسيطرتهم علي مطارها ومينائها، والذي يعد ثاني أكبر المواني اليمنية، وهو الأمر الذي طالما سعي إليه الحوثي للحصول علي منفذ علي البحر الأحمر، يمكنه من الحصول علي إمدادات مباشرة من حليفته إيران، وما يثيره لك من مخاوف لدي الأطراف الفاعليين داخلياً ودولياً من الأهداف الفعلية للحوثي، وأحتمالية السعي لإعادة إحياء دولة الإمامة الزيدية، والتي سقطت بالثورة اليمنية في عام 1962، وأدت لإعلان الجمهورية في اليمنية.

كذلك مماطلة الحوثيين في القبول برئيس وزراء جديد من أجل البدء في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي نص عليها الأتفاق الذي وقعوه مع الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي برعاية الأمم المتحدة، قبل أن يقبلوا بتكليف مبعوث اليمن لدى الأمم المتحدة خالد بحاح برئاسة الوزراء في 13 أكتوبر.

كل هذا يفتح الباب لمزيد من الفوضي في بلد يواجة خطراً حقيقياً علي وحدته، وتتصاعد فيه إحتماليات التقسيم، مع تزايد أحتمالات إنفصال الجنوب، وإمكانية الإنجرار لحرب أهلية، ذات أبعاد قبلية وطائفية، في نفس الوقت الذي يتصرف الحوثيين بدون أي أعتبار لتلك المخاطر، لا يحركهم سوي سعيهم لأقتناص أكبر قدر ممكن من المكاسب.

أفغنة اليمن

يمثل تنظيم القاعدة، النقيض المباشر لجماعة الحوثي، فعلي عكس كافة الأطراف الفاعلة في الداخل اليمني المنطلقة علي أساس قبلي أو مناطقي، ينطلق هذان التنظيمان من خلفية أيدلوجية عقائدية تجمع أفراده، ما ينذر بتحول خطير علي الساحة اليمنية، إذا لم يتم تدارك الوضع سريعاً.

فمحاولة تنظيم القاعدة تصدر المشهد في مواجهة الحوثيين، ودعوته للسنة اليمنية للوقوف معه في وجة المد الشيعي، هو محاولة واضحة لإستنساخ تجربة تنظيم "الدولة الإسلامية" في دولتي العراق وسوريا، والذي قدم نفسه للسنة العراقية والسورية كنصير وحامي لهم من أضطهاد حكومة الملكي العراقية الشيعية، وحكومة بشار السورية العلوية، ما مكنهم من بسط سيطرته علي الأرض، وتحقيق تلك الإنتصارات.

والأهم من ذلك أنها تسحب اليمن إلي منطقة الصراع الطائفي، وما يمثلة من خطر تفجير اليمن وتقسيمه، وما سيترتب عليه من تأثيرات مباشرة وبعيدة المدي علي المنطقة، والتي تتنازعها بالفعل الصراعات المذهبية والقبلية، كذلك التأثير المباشر علي دول الخليج، والتي ستصبح محصورة ما بين الصراع الطائفي في العراق وسوريا في الشمال، واليمن في الجنوب.

وخصوصاً مع تنامي النزعات الإنفصالة في الجنوب، والذي همش طويلاً في ظل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، وأهمل في ظل تعثر العملية الإنتقالية التي تلت الثورة اليمنية في عام 2011، وحرق الجنوبيين لصور عبدالملك الحوثي والقيادي في تنظيم القاعدة جلال بلعيد إلي جانب صور الرئيس السابق علي عبدالله صالح، ما هو إلا رسالة واضحة، بأنهم لن ينجروا لصراعات الشمال، والذي أهملهم لعقدين من الزمان، يمثلون عمر الوحدة اليمنية، والتي فرضها عليهم نظام علي عبدالله صالح، بمنطق غلبة القوي، بدلاً من وحدة الأخوة في الوطن الواحد.

دخول القاعدة في اليمن علي خط الصراع مع الحوثيين يمكن أعتباره الخط الأحمر الذي لا ينبغي السماح بعبوره مهما كلف الثمن، وعلي الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن، وبخاصة دول مجلس التعاون الخليجي أن لا تسمح بذلك، وعليها أن ترسل رسالة واضحة لإيران، والتي تقف خلف الحوثيين، بأنه لن يسمح بـ "أفغنة اليمن" مهما كلف الأمر، وأن علي الحوثي أن يدرك أن وحدة اليمن يتوقف علي إلتزامه بتعهداته في إتفاق السلم والشراكة، أياً كانت الطريقة المطلوبة لإقناعه بضرورة ذلك.

عاجل

x