تراجع الدعم الدولي للمالكي.. وسيناريوهات إيران!

الإثنين هـ - 23 يونيو 2014م

فيما تُعزِّز الولايات المتحدة وإيران وسواهما من الأطراف المعنية جهودها المبذولة للقضاء على حركة التمرّد المسلّح في العراق، حمّل معظم المراقبين رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، مسؤولية هذه المشكلة وأكّدوا على أن تسوية النزاع العراقي لن تتحقق من دون إستقالته. ولا شكّ في أن سياسات المالكي لعبت دوراً رئيسياً في تجدّد التمرّد السني. ولو اتبع المالكي  سياسات سمحت لسنة العراق بالمشاركة الفعّالة في الحكم، لكان من الممكن تلافي الأزمة الراهنة التي يواجهها العراق. مع ذلك، لا يمكن إنكار حقيقة أن الإنتماءات العرقية والطائفية جزء لا يتجزأ من الواقع الجيو- سياسي للدولة القومية العراقية. كما أنّ الشخصيات والجماعات، بحدّ ذاتها، لا تستطيع فعل الكثير لتغيير العناصر الجيو- سياسية الأساسية.

وفي يوم الخميس 19 يونيو، أعلن الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، أنّه سيرسل 300 مستشار عسكري أمريكي إلى العراق لمساعدة بغداد في التعامل مع تهديد الإنتفاضة السنيّة التي يقودها الجهاديون، والتي أدت إلى فقدان الحكومة لسيطرتها على بعض المحافظات السنيّة. وقال أوباما أيضاً إنّه قد يسمح بتنفيذ ضربات جوية "مُحكمة ودقيقة" إذا تطلّب الوضع الميداني ذلك. وأضاف قائلاً إن واشنطن كثّفت عمليات جمع المعلومات الإستخباراتية لتحديد الأهداف المحتملة. ومع أن أوباما لم يطلب من المالكي أن يتنحى من منصبه، إلا أنه حذّر رئيس الوزراء العراقي بشكل غير مباشر عندما قال "فقط الزعماء الذين يحكمون بأجندة غير إقصائية" قد ينجحون مرة أخرى في إعادة السنّة إلى المشهد السياسي العراقي.

وفي الحقيقة، بات من الواضح أنّ الحكومة المركزية التي يهيمن عليها الشيعة لا تستطيع إستعادة السيطرة على المناطق السنيّة بالوسائل العسكرية – بل إن الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك هي من خلال مفاوضات سياسية تؤدي إلى إصطفاف غالبية السنّة مع بغداد، وإنقلابهم ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). وهذا ما حدث بالضبط في عام 2007 عندما نجح الجنرال ديفيد بترويس في إنها التمرّد السني المسلّح الذي إستمرّ أربع سنوات.

وقبل أن تنسحب الولايات المتحدة بشكل تام من العراق في ديسمبر 2011، كانت قد وفّرت للمالكي الظروف المناسبة لكي تمضي حكومته نحو الإستقرار السياسي. لكن المالكي أهدر هذه الفرصة خلال الأيام القليلة التي أعقبت الإنسحاب الأمريكي، عندما بدأ سياسة القمع ضدّ الأقلية السنيّة عبر إستهداف أكبر مسؤول سني في البلاد، نائب الرئيس طارق الهاشمي. فقد إتّهم المالكي الهاشمي - الذي وصفه السنة بأنه عميل شيعي – بالتورّط في أعمال إرهابية وحكم عليه بالإعدام. ثم بدأت عملية تدريجية لإقصاء السنّة عن النظام السياسي، الأمر الذي أدى إلى إحتجاجات حاشدة في عام 2013. وفي الأسابيع القليلة الماضية، تحوّلت هذه الإحتجاجات إلى تمرّد مسلّح شامل.

أقصى المالكي الجميع فالسنّة لم يكونوا الشريحة الوحيدة التي همّشها المالكي. حيث همشت حكومته الأكراد أيضاً - الذين كانوا الحلفاء التقليديين للشيعة في الجهود المشتركة لتخليص البلاد من الحكم الدكتاتوري السني. كما أن فشل المالكي في التوصّل إلى تسوية مع الأكراد حول حقوق تصدير الطاقة عزّز النزعة الإنفصالية لدى الأكراد. والأسوأ من ذلك هو حقيقة أن حلفاء المالكي الشيعة يصفونه بالطاغية ويقولون إنّه يهدّد مصالح الطائفة الشيعية، عبر سياسة الإقصاء التي ينتهجها ضدّ السنة والأكراد.

بالتالي، هناك الكثير من الصواب في الحجّة التي تقول لو أن المالكي تصرّف بشكل مختلف لما وصلت مشكلات البلاد إلى الأبعاد الخطيرة التي وصلت إليها مؤخراً. لكن ثمّة حدود لقدرة الشخصيات والمجموعات على تغيير العناصر الأساسية للجغرافيا السياسية من خلال السياسات البديلة. وفي حالة العراق، لن تختلف الأولوية القصوى بالنسبة لأي رئيس وزراء شيعي آخر: توطيد الهيمنة الشيعية على عراق ما بعد النظام البعثي.

لذا، فإن تنحية المالكي وسط الأزمة الراهنة لن تساعد في حل الأزمة بالضرورة، وإنما قد تزيد الأمور تعقيداً. وقبل أسابيع قليلة فقط، كان أبرز منافسيْن شيعييْن للمالكي، عمّار الحكيم ومقتدى الصدر، يحاولان حرمان المالكي من ولاية ثالثة كرئيس للوزراء. لكن في ظل الأزمة الراهنة، بدأ هذان المنافسان بحشد المقاتلين لمواجهة التهديد الأمني السنّي.

وكما دعمت إيران الرئيس السوري، بشّار الأسد، بالرغم من حقيقة أنّ قواته قتلت حوالي 150 ألف مواطن سوري، فإن طهران قد تكون أشد حرصاً على دعم المالكي لأن النزاع الداخلي في العراق يدور بالقرب من حدودها.

إذاً، في ظلّ الحرب الدائرة في العراق، سيواجه أي خلَف للمالكي القيود ذاتها التي يواجهها المالكي نفسه ولن تختلف تصرفاته كثيراً عن تصرّفات رئيس الوزراء العراقي الحالي.

 

الناشر: مؤسسة ستراتفور

عاجل

x