تونس : السباق نحو قرطاج

بقلم : منذر ثابت منذر ثابت
الأحد هـ - 17 أغسطس 2014م

تحيا تونس منذ فترة على إيقاع ثلاثي طبع مشغل النخبة والشارع في آن يمكن أن نحددها فيما يلي :

  1. السّباق المحموم بين الشخصيات السياسيّة نحو توفير شروط الترشح للانتخابات الرئاسية.
  2.  والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمرّ بها البلاد، وما تبعها من سياسات تقشفية معلنة من حكومة مهدي جمعة.
  3.  الأحداث الليبيّة والتونسية من العمليات الإرهابية على الأراضي التونسية.

وسنحاول في هذا التحليل قراءة السباق المحموم نحو قرطاج والمنافسة المبكرة في الطريق إليها، وخارطة المرشحين والتحالفات في هذا السياق.

عقدة قرطاج :

على الرغم من محدودية صلاحيات رئيس الجمهورية في تونس، وفق ما نصّ عليه دستور الجمهورية الثانية المصدق عليه من المجلس الوطني التأسيسي، فإن المواجهات السياسية بين الأحزاب والشخصيات البارزة على السّاحة السياسية لما بعد 14 جانفي 2014 مدارها قصر قرطاج وما يمثله من عقد نفسية تراوح بين الانتقام الرمزي من النظام السابق والحلم المكبوت بالجاه والوجاهة.

ويعتبر صعود الدكتور المنصف المرزوقي  إلى دفة الحكم، في إطار التحالف مع حركة النهضة، إثر ترشحه إلى انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في أكتوبر 2011 واكتفائه بـ7000 صوت عنوانا بارزا لحط الطبقة السياسية الجديدة من منزلة رئاسة الجمهورية التي تعتبرها أصل الاستبداد ومصدر الانحطاط السياسي الذي عاشته البلاد خلال أكثر من نصف قرن.

بعد تمثيل استهداف قرطاج شكلا بارزا من أشكال الانتقام الإسلامي من النظام القديم بمرحلته (عهد بورقيبة وعهد بن علي)، ولم يكن تركيز حركة النهضة الإسلامية التي يتزعمها راشد الغنوشي على نموذج النظام البرلماني مجرد مصادقة، فالحركة تدرك جيدا أن رئيسا واسع الصلاحيات ومنتخب عبر الاقتراع العام الحرّ السري والمباشر لن يكون من صفوفها ولا من ضمن حلفائها المباشرين.

لقد استهدفت حركة النهضة صلاحيات رئيس الجمهورية ونجحت في جرّ مختلف القوى السياسية الصاعدة بعد سقوط نظام بن علي إلى تحقيق هذه الغاية. لكن المفارقة القائمة في هذا تكمن في استمرار "قرطاج" كمنبه يشرط فعل أبرز السياسيين على الساحة التونسية حتى أن مشاغل الإرهاب والأزمة الاقتصادية لم تلغيا، من الشارع ومن عقول النخبة، سؤال من سيكون ساكن قصر قرطاج بعد الانتخابات القادمة المزمع تنظيمها أواخر السنة الجارية وفق ما أفضى إليه الحوار الوطني.

أبرز المرشحين وحضور النهضة :

يتفق جل الملاحظين على أن حركة النهضة وإن كانت معنية بصفة مباشرة بالانتخابات التشريعية باعتبار أهمية البرلمان والحكومة في النظام السياسي الجديد، إلا أنها لا تستهين بوظيفة رئيس الجمهورية الذي تجمع بين يديه القيادة العليا للجيش الوطني والسياسات الخارجية للبلاد، هذا إضافة إلى وعي حركة النهضة بأن الحضور الشخصي لرئيس الجمهورية وخصاله الخاصة من شأنها أن توجه الرأي العام لصالح طرف دون آخر وأن وزن المركز في الوعي الجمعي للتونسيين يتجاوز الصلاحيات المنصوص عليها دستوريا.

وعليه فإن معركة الرئاسة غير مهملة من أجندة الحركة الإسلامية على الرغم من مغادرتها للحكومة وتمركزها في المجلس الوطني التأسيسي المنتهية شرعيته منذ سنتين.

وتؤكد مختلف عمليات استطلاع الرأي في مادة رئاسة الجمهورية البروز المفاجئ لرئيس الحكومة السيد مهدي جمعة بنسبة 30.1 بالمائة يليه مباشرة السيد الباجي قائد السبسي الوزير الأول الأسبق بنسبة 24.2 بالمائة في حين يحوز الرئيس الحالي منصف المرزوقي على 9.3 بالمائة وتؤكد نفس الدراسة التي أجراها معهد سيفما كونساي (sigma conseil) بتاريخ 13/05/2014 أن واحد من خمس تونسيين سيمتنع عن التصويت، وتعتبر هذه المعطيات الأولية مجرد مؤشرات لا تخلو من الأهمّية بخصوص الاتجاهات الأساسية للرأي العام التونسي.

وتعتبر هذه المعطيات الأولية مجرد مؤشرات لا تخلو من الأهمّية بخصوص الاتجاهات الأساسية للرأي العام التونسي، يمكن أن نشير فيها لما يلي:

  • أول الاستنتاجات أن الصعود المذهل لشخص رئيس الحكومة السيد مهدي جمعة يؤكد إعراض أوسع الشرائح الاجتماعية في تونس عن السجلات والصراعات السياسية العقيمة التي لا تقدم حلولا ملموسة لمشاغلها الحياتية مع أن الوفاق السياسي الحاصل بين أهم القوى السائدة للساحة الوطنية يمنع السيد مهدي جمعة أخلاقيا من الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة وهو ما عبر عنه رسميا بمناسبة المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد مرور مائة يوم من تسلمه مفاتيح قصر الحكومة بالقصبة إلاّ أنّ المفاجأة تبقى ممكنة.
  • يعبّر استمرار السيد الباجي قائد السبسي في صدارة استطلاعات الرأي رفض الشريحة الأوسع من التونسيين للسياسيين قليلي الخبرة من تولى رئاسة الجمهورية كما تؤكد هذه الدراسات أن استمرار حركة نداء تونس مرتهن بوجود الباجي قايد السبسي على رأسها فالرأي العام يري فيه رجل الدّولة الذي يجمع بين الصلابة والواقعية في إدارة الشأن العام.

هذا وتؤكد دراسة نفس المعهد حصول الرئيس منصف المرزوقي على نسبة 9.3 بالمائة في حين تمنحه دراسة معهد (CCC – 3س) نسبة 2.3 بالمائة خلف حمادي الجبالي 6.4 بالمائة وحمة الهمامي زعيم الجبهة الشعبية بنسبة 2.9 بالمائة وإذا كان ظهور السيد أحمد نجيب الشابي (زعيم الحزب الجمهوري) غير منتظم وبنسب ضئيلة في عمليات استطلاع الرأي فإن العديد من المراقبين يمنحون السيد كمال مرجان وزير الخارجية السابق ورئيس حزب المبادرة حظوظ وافرة خاصة وأنه تمكن من الحصول على خمس مقاعد بالمجلس الوطني التأسيسي في زمن "الحمّى الثورية" وهو وفق العديد من المراقبين يجمع بين خصال رجل الدولة الرّصين والدبلوماسي الناجح.

  • لكن الحاضر الغائب في هذا السّياق المحموم نحو قرطاج هو بلا منازع السيد منذر الزنايدي الوزير السّابق الذي اختار المنفى الأوروبي بعد سقوط نظام بن علي ليطلق حملة علاقات عامّة أعادته إلى واجهة إعلام مغلق وموجه ليكسر الحصار ويقفز فوق السياج الذي أقامته الأحزاب حول الحياة السياسيّة.

والمثير في هذا المعطى الخاص هو سعة العلاقات التي أقامها السيد منذر الزنايدي، والذي يعبر كل الحدود الحزبية والإيديولوجية فالكل يعترف له بخصاله كرجل دولة يجمع بين صفة التكنوقراط المقتدر والسياسي الشعبي والحذر الذي تمكن من توفير قاعدة شعبية داعمة له تحت نظام بن علي حيث يحرّم على أية شخصية سياسية كسب تعاطف شعبي من أيّ نوع كان ويذكر في هذا الصّدد انحدار منذر الزنايدي (من جهة والده المهندس الرّاحل عبد العزيز الزنايدي من محافظة القصرين وهي إحدى المدن الحاضنة للثورة إضافة إلى انتمائه إلى ارستقراطية العاصمة من جهة والدته.

وإذا كانت الأوساط الإعلامية والسياسية ترشحه للعب الأدوار الأولى في صلة بالموعد الانتخابي الرئاسي فإن الطبيعة الحذرة للرّجل تدفع إلى تشريط عودته وترشحه بتوفّر ضمانات داخلية وخارجيّة.

بل إنّ الوزير منذر الزنايدي يضع نفسه خارج مساحة التجاذبات الحزبية على الرّغم من سعي بعض التشكيلات الحزبيّة الدستورية إلى وضعه كورقة ضمن أوراقها الانتخابية، من ذلك أن الدكتور حامد القروي الوزير الأول السّابق وزعيم الحركة الدستورية كان قد صرّح للصحافة التونسية بأن حركته قد ترشح للموعد الانتخابي الرئاسي الوزير منذر الزنايدي أو الوزير عبد الرحيم الزواري (الرئيس المدير العام الحالي لبيجو تونس للسيارات)، علما وأن الوزير عبد الرحيم الزواري قد عيّن عن نيّة الترشح للرئاسات القادمة وشرع عمليا في حشد دعم العديد من الفاعلين السياسين والمراهنة خاصة على سعي المجتمع التونسي إلى استعادة استقراره وتوازنه كمجتمع وعسطي معتدل.

هذا ونفيد تجاوز عدد المرشحين الثلاثين مرشحا وهو رقم سينحدر حتما بالنظر إلى صرامة الشروط المنصوص عليها بالفصل 38 من الدستور حيث يفترض من المترشح الحصول على تزكية عشر نواب على الأقل من مجلس النواب على الأقل أو أربعين من رؤساء مجالس الجماعات المحلية المنتخبة (المجالس المحلّية) أو من عشرة آلاف من الناخبين موزعين على الأقل على 10 دوائر انتخابية على أن لا يقل عددهم عن 500 ناخب.

وإذا كانت جل الترشحات هامشية فإن بعضها يمثل منهجا لدخول الساحة السياسية والتموقع داخل معادلة ما بعد الانتخابات مثل ترشح القاضية كلثوم كنوّ والقاضي علي الشورالي والناشط اليساري بالمهجر جلال بن بريك والاعلامي الاسلامي المنشق الهاشمي الحامدي.

اشكالية البرامج وعقدة الايديولوجيا :

تبدو قضية البرنامج العقدة الأساسية لجل الأحزاب التي تسود المشهد السياسي الرّاهن في تونس وهي نقطة الفصل بين مرحلة المزايدة بالشعار وهيمنة الخطاب السلبي على المنابر الإعلامية والمواجهة الفعلية بملفات التنمية وما يشترطه من منهجيات علمية دقيقة من جهة تقييم الواقع العام والقطاعي وطرح البدائل الواقعية الملائمة لاقتصاد مطبوع بالهشاشة الهيكلية في ظرف فاقم من عجزه وتأزمه.

وعليه فإن البرنامج العام المطروح معرفته على الناخبين لن يكون هيين الصياغة والتأسيس إذا ما اعتبرت حدّة الأزمة الاقتصادية التي تعدها البلاد وقهرية السياسات الاجتماعية المترتبة عنها.

فسياسة التقشف المؤلمة التي تطبقها حكومة السيد مهدي جمعة، تبدو في ذات الوقت ضرورية ولا شعبية من ذلك أن نسبة التضخم قد بلغت 8% خلال الثلاثي الأخير ويقدر الخبراء إمكانية ارتفاعها في قادم الأيام.

وليس أدلّ على المأزق الذي تواجهه الأحزاب على هذا الصعيد من النقد المحتشم والسطحي الموجه إلى قانون المالية التكميلي المعروض من الحكومة على المجلس الوطني التأسيسي بل إنّ الطبيعة السياسية لا تزال طاغية على خطاب المعارضة في صلة بالملف الاجتماعي عموما.

أمام هذا الإحراج تركز مختلف القوى السياسية على الملف الأمني والسياسي ويعود بعضها إلى محاكمة النظام السابق في قراءة أخلاقية ركيكة وتحميل إكراهات المرحلة الرّاهنة على تلك الفترة. والحال أن هذا.في توسيع الهوة بين أوسع قطاعات الجماهير وهذه التشكيلات السياسية المتشبثة بنقي النظام السابق كالتاجر المتمسك بأصل تجاري تجاوزته قوانين السّوق وآلياته.

ويمثل الإخراج الإيديولوجي صعوبة أخرى تنضاف إلى الأحزاب والشخصيات السياسية البارزة وخاصة منها تشكيلات اليسار المدفوعة بحكم الواقعية إلى تقديم تنازلات جوهرية على سجل مبادئها المركزية – واقعيّة تفرضها على واجهة أخرى، مصادر تمويلها الرأسمالية والمتوقع أن يقود سجال البرامج إلى فضح الطبيعة المصلحية لبروز جل الأحزاب وتشكلها حول شخصيات لم تكن "تناضل" ولا تزال تختلف إلاّ لإشباع رغبة الحكم لدى قياداتها.

فجل الأحزاب ستلتقي حول برنامج ليبرالي معدّل تحت عنوان "الليبرالية الاجتماعية" أو "الاشتراكية الديمقراطية" أو "الاقتصاد التشاركي". ولن تشد حركة النهضة عن القاعدة فهي في آخر التحليل حاملة لمشروع اقتصادي ليبرالي تحمله عباءة التقوى الدينية وتلطفه أخلاق القناعة وأشكال القدريّة المسكنة لالام الفقراء الموجهين لساحات القتال خارج البلاد – وإذا ما اعتبرنا سبق الانتخابات التشريعية للرئاسية فإن مفعول العددي سيضع مرشحو الرئاسة أمام ضرورة تقديم تصور واضح بصدد رؤيتهم لأهم ملفات الراهن الوطني والدّولي.

وتبين ضيق صلاحيات رئيس الجمهورية حجة للقول بأن المرشح للرئاسة غير مطالب بعرض تصور واضح لأهم الملفات فالسياسة الخارجية ليست مجرد آداب بروتوكول بقدر ما هي معرفة دقيقة بالمصالح الوطنية والبحث عن تحصيلها وضمانها خارجيا تماما كما أن الدّفاع يتعدى تجهيز العسكر وتدريبه إلى مفهوم الأمن الشامل.

ومع اعتبار معطي اللاشعور الجمعي في الظاهرة الانتخابية وأهمية حضور المرشحين وخصالهم الشخصية وقدرتهم على الإقناع الخطابي فإن الواضح أن الانتخابات الرئاسية ترجح كفة الشخصيات السياسية ذات الخبرة في إدارة الدولة والشمولية في الإحاطة بأهم الملفات.

وهو معطى تداخل مع ارتفاع نسبة المسجلين بالقائمات الانتخابات ومشروط بارتفاع نسبة الناخبين الفعلين يوم الاقتراع.

وتبقى الأوضاع الأمنية وسلامة العلمية الانتخابية الشروط القاعدية لنجاح الموعد الانتخابي في محطتيه التشريعية والرئاسية إضافة إلى ما ستقود إليه تحقيقات رئاسة الحكومة بعدد المال السياسي الفاسد المسرّب من الخارج نحو بعض الأحزاب السياسية.

النشرة الالكترونية

كلمات دليلة

عاجل

x