داعش أربع محطات.. من النشأة إلى الصحوة الجديدة

بقلم : هاني نسيرة هاني نسيرة
الأربعاء هـ - 11 يونيو 2014م

" المالكي أحيا داعش وقتل الصحوات وشوه علاقة الجيش بالشعب"

يطلق اسم داعش إعلاميا على الدولة الإسلامية في العراق والشام، ولا يتسمى به أصحابها، فهم يشيرون لتنظيمهم بالدولة أو الإمارة الإسلامية، كما جاء في تسجيل أبو محمد العدناني في 12 مايو الماضي 2014، كانت نواتها الأولى دولة العراق الإسلامية التي تم إعلان تأسيسها في 15 أكتوبر سنة 2006 ثم سقطت عام 2007 وعادت بقوة العامين الأخيرين 2013 و2014.. أما ولايتها السورية فقد تم إعلان تأسيسها س في 10 نيسان/ أبريل سنة 2012، بعد يوم واحد من استتباع فرع القاعدة في العراق على لسان أميره أبو بكر البغدادي ل جبهة النصرة بقيادة أبو محمد الجولاني، ولكن الأخير لم يقبل فحدث انقسام لتضم النصرة غالبية السوريين المقاتلين معها، وينشق عنها 70% من عناصرها مؤسسين لداعش بقيادة مباشرة من أبي بكر البغدادي الذي تولى قيادة التنظيم في أبريل سنة 2010، ويقدر المنشقون المؤسسون ل داعش بحوالي 12 ألف عنصر مقاتل تقريبا في سوريا...

المحطة الأولى: دولة العراق الإسلامية أكتوبر سنة 2005:

تم إعلان ما يسمى دولة العراق الإسلامية أول مرة في العراق في15 أكتوبر 2006، واتخذت من الأنبار عاصمة لها، وقد أسقطتها صحوات الأنبار، عام 2007 وطردتها من عاصمتها الأنبار، وظلت في تراجع كبير عامي 2008 و2009 بفعل مجالس الصحوات التي ظهرت عامي 2006، 2007، ولكن استهداف المالكي للصحوات والقضاء عليها عام 2009 وسياساته في التمييز الطائفي أعطى لعناصر القاعدة في بلاد الرافدين أو عناصر الدولة فرصة كبيرة في العودة واحياء دولتهم كما نشاهد الآن، وهو ما سبقوه في وثيقة استراتيجية أعلنوها في 15 يناير سنة 2010، حيث أكدوا أن إقامة هذه الدولة المشروع الأساسي للقاعدة في العراق الآن

سيطرت دولة العراق الإسلامية( داعش فيما بعد) أثناء قيامها على المناطق التالية [بغداد، الأنبار، ديالى،صلاح الدين، نينوى، بالإضافة إلى كركوك، كما ضمت مناطق أخرى مثل بابل و الأوسط) واتخذت من الأنبار عاصمة لها واعلنت ذلك سنة 2006. 

أعلن قيامها حينئذ الشيخ ابو عبد الله الجبوري المتحدث باسم دولة العراق الإسلامية، يبين سياق إقامتها في ظل الكونفيدراليات المحتملة في العراق، قائلا:" فبعد أن انحاز الأكراد في دولة الشمال، وأقرت للروافض فدرالية الوسط والجنوب، وبدعم من اليهود في الشمال والصفويين في الجنوب، تحميهما مليشيات عسكرية سوداء الفكر والقلب والعمل، مالت على أهلنا أهل السنة فأوغلت في دمائهم، وعرضتهم لأبشع صور القتل والتعذيب والتهجير، حتى صار أهل السنة كالأيتام على مؤدبة اللئام"[1]

ثم يجدد ضرورة قيامها قائلا:" صار لزاما على شرفاء وأحرار أهل السنة من المجاهدين والعلماء العاملين والوجهاء تقديم شيء لإخوانهم وأبنائهم وأعراضهم، خاصة في ضل هذه المسرحية الهزيلة المسماة "دولة المالكي"، والتي شارك في أدوارها - وللأسف - خونة أهل السنة، فلبسوا على الناس دينهم وأضاعوا عن عمد حقوق شعبهم"[2].

ثم يضيف: " وعليه يزف إليكم إخوانكم في "حلف المطيبين"؛ بشرى إنشاء وإقامة "دولة العراق الإسلامية" في بغداد والأنبار وديالة وكركوك وصلاح الدين ونينوى وأجزاء من محافظة بابل وواسط، حماية لديننا وأهلنا، وحتى لا تكون فتنة وتضيع دماء وتضحيات أبنائكم المجاهدين سدى"[3].

وأعلنت هذه  الدولة المحطة الأولى لداعش عن التضامن و الاندماج بين عدد من المجموعات السلفية الجهادية مثل [جيش الفاتحين، جند الصحابة، كتائب أنصار التوحيد والسنة] وجميعها كانت تحت قيادة "أبي عمر البغدادي( قتل سنة 2010)" العراقي الجنسية، حيث قدم نفسه "كأمير للمؤمنين" في الدولة الإسلامية العراقية. وبعد ذلك بفترة قصيرة جدا، انضمت إليه جماعات أخرى هي [سرايا فرسان التوحيد، سريا ملة إبراهيم][4]. طبعا لابد من الإشارة هنا إلى انضمام الكثير من زعماء القبائل السنية[ خوفا أو رغبة] إلى أمير هذه "الدولة" مع احساس السنة هناك بالتهميش والغبن.

المحطة الثانية: السقوط الأول.. ومعركة الصحوات

اعتمدت الاستراتيجية الأمريكية قبل الخروج الأمريكية، في مواجهة القاعدة على تكوين مجالس للصحوات العشائرية، قادها في البداية الشيخ عبد الستار أبو ريشة شيخ الدليم في قبيلة الأنبار، الذي اغتالته القاعدة في 13-9-2007 بتخطيط مما سمته وزارة الأمن فيها[5]، لكن استمرار الصحوات ونجاحها في مواجهة القاعدة ودولة العراق الإسلامية وطردها من كثير مناطق نفوذها في الأنبار والفلوجه وبعض مناطق الشمال العراقي، مثل تحديا كبيرا وتراجعا مؤثرا وواضحا لم تعده سوى سياسات المالكي في استهداف الأنبار والصحوات والتمييز الطائفي مجددا. 

اعترفت دولة العراق الإسلامية بسقوط دولتها في وثيقتها الاستراتيجية أوائل يناير سنة 2010 ولكن أكدت إمكانية العودة، مستغلة التخبط والتبدل في الأجندة الأمنية الحكومية العراقية، وتغيرها من استثمار الصحوات إلى استهدافها واستهداف عناصرها المستهدفين من القاعدة وقواتها ابتداء، ساعد في عودة القاعدة وقيامها بعدد من العمليات الكبيرة منذ سبتمبر سنة 2009 حتى أبريل سنة 2010 رغم استهداف ومقتل أميرها ونائب أمير الدولة أبي حمزه المهاجر وأميرها أبي عمر البغدادي في العشرين من أبريل 2010.

المحطة الثالثة: سوريا وفك الارتباط بالقاعدة:

بعد مقتل أبي عمر البغدادي في أبريل سنة 2010 وتولي أبو بكر البغدادي بعده في نفس الشهر، أكد الأخير على ولائه لزعيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن، وأعلن بيعته له، كما استعاد نشاط القاعدة بقوة، واستطاع تنفيذ استراتيجية الثانية في استعادة الدولة والقضاء على الصحوات وتنشيط عملياتها والتمدد في سوريا، ولكن بعد وفاة بن لادن في مايو سنة 2011 الذي هدد البغدادي بأن يثأر له بمائة عملية ضد الأمريكان انتقاما لمقتله في 15 أغسطس سنة 2011، وتولي الظواهري لم يسارع البغدادي ببيعته ووصلت المراحل في النهاية لفك الارتباط....ويمكن القول إن داعش ترى نفسها الآن أولى واقعيا وعمليا بقيادة الجهادية العالمية، من القاعدة، وأثبت ركنا وغلبة منها....

تأكد ذلك في 12 مايو الماضي 2014 حيث قطعت داعش أو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام علاقتها مع القاعدة، بل طالبت تنظيم القاعدة وأميرها الظواهري ببيعتها كإمارة ودولة، كما فعل وفعل شيخه بن لادن مع طالبان والملا عمر سابقا، على لسان أبي محمد العدناني المتحدث باسم داعش في العراق والشام. وتوالت انتقادات قيادات القاعدة لتنظيم الدولة بعد مقتل أبي خالد السوري أواخر فبراير سنة 2014، الذي اتهمت فيه داعش، رغم تبرؤها منها،ـ واتسعت الهوة بينها وبين القيادة المركزية للقاعدة وغيرهم، وتوالت انتقادات الظواهري وآدام غادان وآخرين كأبي قتادة الفلسطيني في مارس وأبريل، لها بالغلو والشطط والتطرف! ولكن الحقيقة أن هذا التنظيم الجهادي العنيف صار الأقوى سوريا وعراقيا وحقق  دولة لم تنجح القاعدة في إقامتها وظلت مجرد تنظيم تابع لطالبان، في ظل الفوضى والتوحش والأنظمة الفاشلة في العراق وسوريا..

 

المحطة الرابعة: فشل المالكي.. واستعادة داعش دولتها في العراق:

كانت عودة داعش القوية منذ العام 2013 بعد فض قوات المالكي الأمنية اعتصام الأنبار بالقوة في الأول من يناير هذا العام 2013، واستمرار سياسات والقمع والتهميش والتمييز الطائفي التي يتبعها المالكي منذ الجلاء الأمريكي في ديسمبر سنة 2011 وغدت العراق أكثر بلد في العالم يتعرض لعمليات إرهابية وعنفية في العالم، ووفقا لمنظمة "ايراك بادي كاونت" غير الحكومية كان العام 2013 الاكثر دموية منذ 2008 مع مقتل 9475 مدنيا.

قتل المالكي الصحوات وأحيا داعش.. التي يبدو أنها قد تعاطفت معها عناصر من العشائر.. واستمرت معارك الأنبار والفلوجة بين الجيش الذي توالت أخطاؤه في استهداف مدنيين ومشافي وأبرياء، وعناصر داعش ووقعت عشائر الأنبار بين مطرقتها وسندان سياسات المالكي وقواته التي لا تحسن إدارة المعاك كما شهدنا في الموصل مؤخرا...

  في 11 يونيو سقطت الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، وبقية مدن محافظة نينوى. وقبلها، سقطت مناطق واسعة من محافظة الأنبار، ومحافظة صلاح الدين على الطريق. كل ذلك تم في ظرف زمني قياسي، فاجأ العالم، وأخافه. وصارت «داعش» الإرهابية، المنسلخة عن «القاعدة»، تحقق أكبر انتصارات للتنظيم منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 على نيويورك وواشنطن، تعبر حدود الدول، وتقطع أنابيب البترول، وتستولي على المدن واحدة تلوى الأخرى![6] تركت له قوات الأمن معداتها وفرت هاربة، ليتسلم المال والأسلحة و450 مليون دولار في بنوك الموصل ونينوى، ويحرر آلافا من أنصاره.

 يقدر البعض عدد المهاجمين من داعش على الموصل ب 3  آلاف مسلح، استطاعوا السيطرة على المدينة واطلقوا سراح اكثر من 2500 معتقل من سجن بادوش"[7]، وهو عدد خطير إذا كان هؤلاء رصيدا مضافا لانتحاريي داعش وعناصرها!  خاصة وأن داعش اتجهت جنوبا الى بيجي والصينية التابعتين لمحافظة صلاح الدين.
نجح المالكي في أن يقتل الصحوات وأن يمكن لسوء العلاقة بين الجيش والأهالي الذين يشتكون دوما من الإهانات والاعتقالات العشوائية التي توجه لهم من عناصر القوات الأمنية، وهو ما يجعل طرح أو خيار اللجان الشعبية الذي طرحه محافظ الموصل أثيل النجيفي خيارا مستبعدا أو غير ممكن! 

فشل المالكي يتجلى في معارك الفلوجة التي تدخل الازمة فيها شهرها السادس دون حسم. ويخاف أن يتكرر نفس السيناريو طويلا ببقاء الموصل بيد المسلحين ويقوم الجيش بقصفها عن بعد بالطيران والمدفعية...سيناريو الفلوجة الذي لم يحل مشكلتها بعد..!

ختاما نجحت داعش في العودة للتمكين لدولتها في العراق، وبعد أن كانت محصورة في الأنبار في دولتها الأولى سنة 2007 غدت تتمدد من سوريا والعراق معا، لتكون بفضل فشل المالكي والأسد معا الدولة الإسلامية في العراق والشام.. طالبان جديدة أكثر خطورة على ما يبدو! وتبدو أكثر قدرة وإرادة من القاعدة وقد ترثها في قيادة الإرهاب العالمي كما ورثت تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين سابقا! .

المصادر

[1]  بيان إعلان دولة العراق الإسلامية في 15-10—2006، على الرابط التالي: الرابط

[2]  المصدر السابق.

[3]  المصدر السابق.

[4] ـ اصدر هذه المجموعات بيانا تعلن فيه ولاءها "لأمير مؤمنين" الدولة الإسلامية في العراق، يمكن العودة إليه على الرابط التالي : الرابط

 

[5]  راجع بيان دولة العراق الإسلامية حول اغتيال عبد الستار أبو ريشة في 14-9-2007، على الرابط التالي:الرابط

[6] عبد الرحمن الراشد، هل تستولي داعش على بغداد أيضا؟ جريدة الشرق الأوسط في 11 يونيو سنة 2014

[7]  جريدة المدى العراقية في 11 يونيو سنة 2014.

عاجل

x