فاصل كوباني وتطورات الخارطة السياسية الكردية

بقلم : إيهاب عبدالله عوض إيهاب عبدالله عوض
الخميس هـ - 20 نوفمبر 2014م

مع فاصل "كوباني" ظهرت تغيرات جديدة على خارطة الأكراد في سوريا، فالكثير من الأكراد يعتقد أن ظهور "تنظيم الدولة الإسلامية" يصب في مصلحتهم القومية، ويسرع من خطاهم نحو إقامة دولة كردية مستقلة في المنطقة، بعد أن دفع تحدي "داعش" المتصاعد والمهدد للوجود الكردي في "كوباني" وغيرها، في سوريا والعراق، وجددت الانتصارات التي تمت بمشاركة داخلية من بعض مجموعات "الجيش الحر" والأكراد السوريين الذين تم تدريبهم على أيدي "البشمركة"، ومع ضربات التحالف الأميركي الجوية؛ إلى تجديد الأمل في دولة كردستان، أو إدارة ذاتية للكرد في سوريا. ويزيد من هذا الأمل أن الأميركان وحلفاءهم مازالوا يبحثون عن شريك لهم في الأراضي السورية، من أجل مواجهة تنظيم "داعش" في المناطق التي يسطر عليها بسوريا.

القوى السياسية الكردية:

يشكل أكراد سوريا القومية الثانية بعد العرب، فبحسب الإحصاءات غير الرسمية يقدر عددهم بنحو مليونين ونصف مليون نسمة، ونسبتهم 12 في المئة من التعداد السكاني العام للبلاد (1). وبعد انسحاب القوات الحكومية من المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال وشمال شرق سوريا، صيف العام 2012، سيطر "حزب الاتحاد الديمقراطي" (PYD) - المقرب من "حزب العمال الكردستاني" - تدريجياً على المنطقة الممتدة من ريف حلب، "كوباني" و"عفرين"، مروراً بمنطقة "رأس العين" أو "سري كانيه" و"تل تمر" و"الدرباسية" و"عامودا"، إضافة إلى القسم الأكبر من مدينتي "الحسكة" و"القامشلي" مع ريفيهما، انتهاء بالمالكية أو "ديركا حمو" بحسب التسمية الكردية. "حزب الاتحاد" وبالتحالف مع قوى سياسية كردية وعربية وأشورية - مسيحية، أعلن نهاية العام الماضي الإدارة الذاتية المشتركة، والتي تتمتع باستقلالية لامركزية، وقسمت المنطقة على ثلاث مقاطعات: مقاطعة الجزيرة، ومقاطعة كوباني، ومقاطعة عفرين (2).

أفرزت معارك عين العرب "كوباني" السورية الحدودية، واقعاً سياسياً وعسكرياً جديداً، يتيح لقوى سياسية كانت مغيبة عن صدارة المشهد السياسي الكردي العودة مجدداً، والمشاركة في صنع القرار السياسي لأكراد سوريا، سواء وفق التحالف الذي قاده "حزب الاتحاد الديمقراطي"(PYD)  مع بعض القوى الكردية، أو وفق "اتفاقية دهوك" التي وقعتها القوى السياسية الكردية في إقليم كردستان العراق الشهر الماضي؛ حيث توصل المجلس الوطني الكردي في سوريا، ومنظومة المجتمع الديمقراطي، الطرفان الرئيسيان في سوريا (غرب كردستان)، إلى اتفاق لإنهاء المشاكل بينهما، بدعوة من بارزاني، بعد مباحثات دامت بينهما تسعة أيام متتالية في مدينة دهوك العراقية الشمالية، حيث وقع الجانبان بحضور بارزاني "اتفاقية دهوك". ووصف بارزاني في كلمة خلال مراسم خاصة، توقيع الاتفاقية "باليوم التاريخي والمبارك"، وأشار إلى أن هذه الاتفاقية هي بداية لانتصار الشعب الكردي في غرب كردستان (3).

أعلن الأكراد في شمال شرق سوريا، في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014، عن تشكيل إدارة مدنية انتقالية ذاتية، بعدما حققوا تقدماً ميدانياً كبيراً في مواجهة المجموعات المسلحة، وأصدروا بياناً في هذا الصدد بعد مشاورات جرت في مدينة "القامشلي" السورية، ذات الغالبية الكردية، وذلك بعد أربعة أشهر من إعلان قادة أكراد عزمهم تشكيل إدارة انتقالية، لكن سيطرة "داعش" على معظم تلك المناطق في وقت لاحق؛ خلطت الأوراق، واستدعت الاتفاق على استراتيجيات كردية جديدة لمواجهتهم (4).

ولكن هل تنفصل المسألة الكردية عن الحالة السورية، خصوصاً أن هناك أزمة ثقة بين الأكراد والمعارضة السورية؟ فالكثيرون يرون أن الحقوق القومية الكردية تأتي على حساب القومية العربية، وينظرون إلى أن الأحزاب الكردية والتحالفات التي تبرمها ما هي إلا خطوات أولى نحو الانفصال الكامل، وأن التجربة العراقية مع الأكراد ستتبعها نفس التجربة في سوريا؛ لذلك يعول كثيرون من القوميين السوريين على هذه التجربة، ويطالبون القوى السياسية الكردية بمحاولة إثبات عكس ذلك؛ ففي مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية، الذي عقد صيف العام 2012، اعترض الكثيرون على مصطلح "الشعب الكردي"! ووقتها انسحبت الكتلة الكردية كاملة، وقاطعت أعمال المؤتمر (5).

فاصل معركة عين العرب "كوباني"

 

لـ"عين العرب"، أو "كوباني" بالكردية، أهمية مفصلية في الوجدان الكردي عموماً، والكردي السوري خصوصاً، فالمدينة والمنطقة المحيطة بها تقعان في صلب المشروع الاستقلالي الكردي العلماني، ومن خلال ضرب هذه المدينة الكردية بامتياز، يضرب "تنظيم الدولة الإسلامية" هذا الحلم الكردي التاريخي، ويكسر بذلك فكرة القومية الكردية، باسم "مشروعه الإسلامي"، مبرهناً على أن صراعه مع الفصائل الكردية ليس عرقياً بل دينياً عقائدياً.

وكان "تنظيم الدولة الإسلامية" يعتقد أن الاستيلاء على مدينة "عين العرب" لن يستمر طويلاً، لكنه فوجئ بالمعارك الشرسة التي دارت هناك؛ فحتى الآن لم يستطع التنظيم إسقاط المدينة، بل على العكس؛ فإن غارات التحالف الدولي والمقاتلين الأكراد، إضافة إلى "الجيش الحر" الذي دخل المدينة بوساطة تركيا للقتال إلى جوار الأكراد، أوقفت زحف "التنظيم" نحو المدينة، وقال قيادي عسكري كبير في "تنظيم الدولة الإسلامية"، إن مقاتلي "الدولة الإسلامية" فوجئوا بالمقاومة الشرسة التي أبدتها وحدات "حماية الشعب الكردي" في المدينة، على الرغم من تفجيرهم أكثر من 20 عربة مفخخة! وإنهم كانوا يعتقدون أن الأمر سوف ينتهي خلال أيام أو أسبوع من اقتحامهم المدينة، مثلما حصل في مناطق أخرى، و"إن معركة "كوباني" استنزفت المئات" من مقاتليهم.

وأيضاً مؤخراً حقق المقاتلون الأكراد تقدماً ملحوظاً في مساعيهم للسيطرة على مدينة "كوباني" (عين العرب)، التي يحاصرها مقاتلو "تنظيم الدولة الإسلامية"، واستطاع المقاتلون الأكراد الاستيلاء على المباني الستة التي يستخدمها "التنظيم" على أطراف المدينة، وعلى قاذفات صواريخ وبنادق وذخائر لمدافع رشاشة. وقد أسفرت الاشتباكات الأخيرة عن مقتل حوالي 13 مقاتلاً من "الدولة الإسلامية"، من بينهم اثنان من القادة.

 ورغم ذلك، لا نستطيع أن نجزم أن المعركة في "عين العرب" (كوباني) قد انتهت، وحتى إذا انتهت بهزيمة "تنظيم الدولة الإسلامية" (داعش)، فـ"الجيش الحر" لا يزال موجوداً بالمشهد السياسي للمدينة، ولن يترك المدينة في أيدي الأكراد وحدهم، "فهناك العديد من مقاتلي الجيش الحر بالمدينة يقاتلون جنباً إلى جنب مع القوات الكردية" (6).

الموقف التركي

يزداد الموقف التركي غموضاً يوماً بعد يوم، في ما يتعلق بتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" عموماً، والحرب الدائرة بمدينة كوباني خصوصاً؛ فالتزام الجانب التركي الصمت بهذه الطريقة، إلى أن كادت أن تسقط المدينة في أيدي "تنظيم داعش"، دون أي تدخل مع التحالف الدولي؛ يؤكد أن الدولة التركية تحاول الضغط على التحالف الدولي، للحصول على عدد من المكاسب على الأرض، خصوصاً في ما يتعلق بمشكلة أكراد تركيا، فرغم مصادقة البرلمان التركي - بأغلبية كبيرة - على تفويض الحكومة التدخل ضد مقاتلي "تنظيم الدولة الإسلامية" في سوريا والعراق، والسماح لقوات أجنبية باستخدام القواعد العسكرية على الأراضي التركية للغاية نفسها، إلا أن حكومة أنقرة مازالت تمتنع عن أي تدخل عسكري ضد "التنظيم الإرهابي"، الذي بات يسيطر على جزء من مدينة "كوباني" الواقعة على حدودها مع سوريا. وكان نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، سبق أن أكد - قبل أن يتراجع عن ذلك - أن تركيا تدعم منذ وقت طويل مجموعات المعارضة السورية الأكثر تطرفاً، وضمنها "تنظيم الدولة الإسلامية"، أملاً في تسريع إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد.

وتضع تركيا شروطاً للانضمام إلى التحالف العسكري بقيادة واشنطن، وترى أن "رحيل النظام السوري"، وإسقاط النظام في دمشق، يجب أن يبقى من الأولويات، وأن الضربات الجوية التي يقوم بها الحلفاء حالياً وتستهدف الجهاديين، يمكن أن تفضي إلى تعزيز موقف النظام السوري، وهو ما تسعى أنقرة لتفاديه. وتريد الحكومة التركية في ظل التزايد الكبير والمقلق لأعداد الإرهابيين في سوريا والعراق، والتهديد الذي يشكلونه على دول المنطقة، أن تشمل العمليات العسكرية لمكافحة الإرهاب كلاً من العراق وسوريا، واتخاذ التدابير اللازمة لتجفيف هذا "المستنقع" من الإرهاب فيهما، وتأمين الاستقرار في المنطقة، وعدم تركها للفوضى بعد نجاح العمليات العسكرية.

وتفضل تركيا إقامة منطقة عازلة، ومنطقة حظر جوي، لكسر شوكة نظام الأسد وحماية المدنيين، ووقف التدفق المستمر للاجئين السوريين منذ اندلاع النزاع في سوريا في العام 2011. فمن جراء الحرب التي تدور رحاها في "كوباني"، قتل في المعارك هناك مئات المقاتلين من الطرفين، ونزح أكثر من 300 ألف، وعبر أكثر من 180 ألفاً منهم الحدود نحو تركيا (7).

كما يشكل تسليح الأكراد هاجساً لأنقرة، التي تريد تجنب تعزيز موقف الأكراد، ووصول الأسلحة المقدمة من دول التحالف الدولي لهم. إضافة إلى ذلك تبدي أنقرة قلقها إزاء احتمال أن تنتهي الأسلحة الغربية التي يتم تسليمها الآن للمقاتلين الأكراد، بأيدي "حزب العمال الكردستاني"، وأن يتم إنشاء إقليم كردي في تركيا على نمط كردستان العراق. وتريد القيام بكل شيء ممكن لتتفادى أن تتحول الحرب ضد "تنظيم الدولة الإسلامية" لصالح الأكراد.

سيناريوهات الإدارة الذاتية الكردية

 

تجربة الإدارة الذاتية الكردية تعود رسمياً إلى نحو عام تقريباً، وتحديداً في شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، ولم تشمل جميع التيارات والقوى السياسية الكردية، رغم أن البداية العملية كانت قبل ذلك. كذلك فإن المؤسسات والقوى العسكرية التابعة للإدارة الذاتية ("قوات حماية الشعب"، "قوات حماية المرأة")، لم تضم مقاتلين وعناصر من بقية الأحزاب الكردية، ما خلق تيارين في الشارع الكردي، ما بين مؤيد ومعارض لهذه الإدارة. لكن استطاعت معارك "عين العرب" تغيير هذا المشهد، حيث شكلت جميع الأحزاب الكردية قيادة سياسية مشتركة لإدارة المناطق الكردية.

ويذكر أن مقاتلين من أكراد سوريا، تم تدريبهم في إقليم كردستان شمال العراق على يد "البشمركة"، دخلوا مدينة "عين العرب" للقتال، ودعم "قوات حماية الشعب" الكرديةYPG  هناك (8).

قد يكون الأكراد متحدين في موقفهم من "تنظيم الدولة الإسلامية"، واتجاهات مدنية غير دينية هي من الأبرز في مشهدهم؛ إلا أن هذا العامل المشترك لا يستطيع بمفرده أن يجمع الشتات السياسي الكردي الحاصل نتيجة الإرهاصات الإقليمية؛ فأكراد المنطقة لديهم برامج سياسية مختلفة، وتطلعات متباينة على صعيد تحصيل حقوقهم القومية في دولهم؛ فأكراد العراق مكتفون بحكمهم الذاتي كما يبدو، رغم استخدامهم ورقة الانفصال بين الحين والآخر، وأكراد تركيا يريدون المزيد من الصلاحيات، على صعيد الإدارة المحلية التي باتت أقصى مطالبهم في السنوات الأخيرة، وأكراد سوريا يحاولون إنشاء كيان سياسي شبيه بذلك الموجود في العراق، لكن تطلعهم هذا مرهون بالوضع السوري العام، وما ستؤول إليه الأوضاع في حال سقوط النظام في دمشق. أما بالنسبة لأكراد إيران، فوضعهم يُعتبر الأسوأ مقارنة مع أكراد الدول الأخرى؛ ذلك أن نظام الملالي في طهران، غير مستعد للتعاطي مع مشكلته الكردية في الوقت الحالي .

المصادر

(1) أكراد سورية وخرائط "الشرق الأوسط" الجديد، (صوت راية): الرابط

 (2) السابق.

(3) بارزاني يؤكد دعمه للإدارة الذاتية لأكراد سوريا عسكرياً وسياسياً، (إيلاف): الرابط

 (4) السابق

 (5) مصدر سابق: أكراد سورية وخرائط "الشرق الاوسط" الجديد.

(6) المرصد السوري.

(7)  كوباني بين مطرقة داعش وسندان حسابات تركيا، DW: الرابط

(8) العربية نت. الرابط

النشرة الالكترونية

عاجل

x