ليبيا معركة استعادة الدولة

من بنغازي إلى طرابلس والطريق الصعب

بقلم : زياد فرج زياد فرج
الإثنين هـ - 17 نوفمبر 2014م

تشهد ليبيا الأن معركة أستعادة الدولة من سيطرة الميليشيات والجماعات المسلحة، لإعادة فرض دولة القانون، بدلاً من دولة الميليشيات، والتي فرضت نفسها رغماً عن إرادة الشعب الليبي، في محاولة للسيطرة علي الدولة النفطية، والتحكم في مواردها الضخمة، تحت مزاعم واهية، من شرعية زائفة، يتم إختلاقها بالقوة المسلحة.

وأحرزت الحكومة الليبية برئاسة "عبدالله الثني"، المنبثقة عن "مجلس النواب" الليبي، الممثل الشرعي للدولة الليبية، والذي تم انتخابه في شهر يونيو الماضي، تقدماً ملحوظاً في الأسابيع الماضية، علي مختلف الأصعدة.

تقدم سياسي

ففي تطور مهم، وتحديدا في 15 نوفمبر الجاري أصدر أعضاء من مجموعة الـ94 بـ "المؤتمر الوطني العام" المنتهية ولايته في شهر فبراير 2014، والذي يزعم نفسه البرلمان الشرعي، في مواجهة "مجلس النواب" الليبي، بيانًا [1]، بشأن دعوة بعض أعضاء المؤتمر للاجتماع يوم 16 نوفمبر، حيث رفضوا فيه محاولة إحياء المؤتمر الوطني، وأعلنواً اعترافهم بمجلس النواب ممثلاً شرعيًا وحيدًا للشعب الليبي، ورفضهم ما صدر عن رئاسة المؤتمر من قرارات وتكليفات.

وجاء في البيان "بالنظر إلى التطورات الخطيرة التي تشهدها بلادنا على مختلف المستويات، خاصة منها الأمني والسياسي، بعد أربع سنوات تقريبًا من انتصار ثورة فبراير وإعلان التحرير.. وأمام ما يحدث من علو لصوت السلاح واقتتال بين أبناء الوطن الواحد، ومحاولة إحياء المؤتمر الوطني العام.

فإننا نحن أعضاء المؤتمر الوطني العام السابقين في مجموعة الـ 94 التي تشكل أكثر من 50 % من أعضاء المؤتمر، مع تفهمنا لموقف بقية الأعضاء الذين تحفظوا على ذكر أسمائهم في هذا البيان حفاظًا على سلامتهم وسلامة عائلاتهم، نعلن الآتي:

أولاً: رفض أي محاولة لإحياء المؤتمر الوطني العام المنتهي قانونيًا، واعتبار أن ذلك يمثل تحديًا لإرادة الشعب الليبي الذي اختار ممثله الشرعي وهو مجلس النواب المنتخب، وإخلالاً بالمبدأ المنصوص عليه في المادة الأولى من الإعلان الدستوري وهو أن الشعب هو مصدر السلطات.

ثانيًا: الاعتراف بمجلس النواب المنتخب الذي اعتمدت نتائج انتخابه من قبل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ممثلاً شرعيًا للشعب الليبي."

ويعتبر ذلك الإعلان ضربة قاضية لمزاعم الشرعية التي تدعيها جماعة الإخوان المسلمين الليبية وحلفاؤها، وذراعها السياسي، حزب العدالة والبناء، والذين يسيطرون علي "المؤتمر الوطني العام" المنتهية ولايته، ومحاولتهم الألتفاف حول إرادة الشعب الليبي، والتي أسقطتهم في انتخابات "مجلس النواب" الليبي، وفرض أنفسهم بالقوة المسلحة، معتمدين علي أدعاءات بأخطاء شكلية في إجراءات إنعقاد "مجلس النواب"، لا تؤثر بأي حال من الأحوال علي شرعيته.

تقدم القتال

وعلي الصعيد الميداني، أحرز الجيش الليبي إاتصارات واضحة علي الجماعات المسلحة المتطرفة في مدينة بنغازي، فأستعاد معسكرات الجيش التي سقطت تحت سيطرتهم في شهر أغسطس الماضي، وفرض الجيش سيطرته علي جزء كبير من المدينة، ليحصر المسلحين في عدد محدود من الأحياء الجاري تطهيرها منهم.

ففي 14 نوفمبر أعلن الجيش ألليبي أحكام سيطرته علي عدد من الشوارع الهامة في مدينة بنغازى، مؤكداً أن قواته تحكم الآن سيطرتها على كامل شارع عبدالمنعم رياض ومستشفى 7 أكتوبر، مع تواصل الاشتباكات المسلحة بين عناصر مجلس شورى ثوار بنغازي وقوات الجيش الليبي التي يساندها شباب حي سيدي حسين وشارع عمرو بن العاص وشارع الاستقلال (شارع جمال عبدالناصر سابقاً).

كما قال آمر سرية الحماية والإسناد الأمني للشرطة العسكرية جلال يوسف العبيدي: إنه تسلم ومجموعته محور وسط البلاد وأوزو وتيبستي وأمنّوا الميناء ومستشفى 7 أكتوبر، في مؤشر إلي أبتعاد القتال عن تلك المناطق، والتي أصبحت محررة، وأضاف العبيدي في تصريحات صحفية "إنه ومجموعته كلفوا بحراسة محل إقامة اللواء خليفة حفتر والعقيد ونيس بوخمادة، ولديهم حاليًّا قوة تتحرك في مدينة درنة قوامها 60 عسكريًا، وفي بنغازي عددهم قرابة 150 عسكريًا، بالإضافة إلى ست آليات، أربع منها تعمل مع كتيبة شهداء الزاوية، واثنتان منها في محور الشرطة العسكرية في منطقة بوهديمة".

وأصدرت رئاسة الأركان العامة للجيش الليبي، يوم 15 نوفمبر، قرارًا يقضي بتشكيل غرفة عمليات للجيش الليبي تحت مسمى "غرفة عمليات المنطقة الوسطى"، أستعداداً لتطوير الهجوم ناحية الغرب، وأوضحت رئاسة الأركان الليبية أن مقر مركز الغرفة بمدينة البريقة، ويمتد حدودها شرقًا منطقة سلطان 60 كيلو شرق أجدابيا وغربًا منطقة الوشكة 100 كيلو غرب سرت، وتصل شمالاً إلى البحر المتوسط وجنوبًا إلى منطقة الجفرة والواحات، وكلفت رئاسة الأركان العميد رجب سالم أمرًا لغرفة العمليات، مشيرة إلى أن أعضاء الغرفة هم: العقيد عبدالله الناجي آدم، مسعود إدريس صالح الدواس، بشير عبدالقادر بوضفيرة، بوسيف عبدالقادر الزواوي، المقدم طيار يوسف راتب خليفة الجازوي، والمقدم المتقاعد سعيد سالم عوض الجضران.

ويتوقع أن يتجه الجيش الليبي بعد الأنتهاء من معركة بنغازي لتحرير مدينة درنة، والتي أعلنت الجماعات المسلحة المتطرفة التي يسيطر عليها مبايعة تنظيم داعش الإرهابي، وهو ما تباهي به زعيم تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي، عندما أعلن في تسجيل صوتي له، أن تنظيمه تمدد إلي دول، من بينها ليبيا، وقد بالغ البغدادي بحديثه أن ليبيا أصبحت أمارة تابعه ليه، متناسياً أن من بايعه مدينة ساحلية صغيرة، محدودة السكان والتأثير!

وكان ما يعرف بـ "مجلس شوري ثوار بنغازي" (يتكون المجلس من عدد من الجماعات الإرهابية المتطرفة، أكبرها جماعة "أنصار الشريعة")، قد قام بفرض سيطرته علي ثاني أكبر مدينة في ليبيا، مدينة  بنغازي في شرق البلاد، مدعومه بقوات الدروع التابعة لمدينة مصراته، والمدعومة من جماعة الإخوان المسلمين الليبية.

معركة طرابلس

وفي نفس السياق وكجزء من معركة استعادة الدولة الصعبة في ليبيا، اندلعت اشتباكات في العاصمة الليبية طرابلس في 16 نوفمبر، وقال متحدث باسم هيئة الطيران المدني إن مطار معيتيقة بطرابلس أغلق بسبب الوضع الأمني، ويعتبر المطار الرئيسي في العاصمة منذ أن تسبب القتال خلال الصيف في إلحاق أضرار بمطار طرابلس الدولي وإغلاقه، وكانت المدينة تشهد هدوءا إلى حد بعيد منذ سيطرت قوات فجر ليبيا عليها، ما يعد تطوراً مهماً في أتجاه تحرير المدينة من سيطرة الميليشيات المسلحة المعادية للدولة، والحكومة الشرعية.

وكان مسلّحون ينتمون إلى ما يسمى بـ "فجر ليبيا" قد قاموا في 15 نوفمبر باقتحام مقر شركة ليبيا للاتصالات والتقنية في طرابلس، وأجبروا الفنيين على قطع خدمات الـ "واي ماكس" والـ "ماي فاي" اللتين يعتمد عليهما معظم سكان المدينة في تشغيل خدمة الإنترنت، ومن بين الأحياء التي قُطعت عنها الخدمات أحياء: صلاح الدين والخلة وادي الربيع وحي دمشق وفشلوم الدريبي وغوط الشعال، وهي أحياء معروفة بموقفها الرافض لما يُسمى بـ "عملية فجر ليبيا".

وكان شهود عيان قد أفادوا بإطلاق رصاص مجهول المصدر تجاه متظاهرين بطرابلس يحيون ذكرى أحداث "غرغور" الدامية، والتي شهدتها العاصمة الليبيّة طرابلس قبل عام، هاتفين تأييدًا لمجلس النواب المنتخب وما يُعرف بعملية الكرامة، وقال أحد المتظاهرين أنّه شاهد مسلحين مدنيين قبل أن يسمع إطلاق الرصاص، مما أدّى إلى حالة من الهلع والارتباك تفرّق على أثرها المتظاهرون، وأضاف أنَّ عددًا من المتظاهرين أغلقوا الشوارع المؤدّية إلى ميدان القدس حيث يتجمعون، فيما ترددت معلومات عن إغلاق الطرق المؤدية إلى حي الغرارات بسوق الجمعة، وهو من الأحياء المعارضة لما يُسمى بـ "فجر ليبيا"[2].

وكانت ميليشيات الدروع، التي تتشكل في معظمها من قبائل مصراتة، المؤيدة لـ "لمؤتمر الوطني العام"، والمعادية لـ "مجلس النواب" الليبي، البرلمان الشرعي للبلاد، قد قامت بفرض سيطرتها علي العاصمة الليبية طرابلس غرب ليبيا في شهر أغسطس الماضي، وأعادت إحياء "المؤتمر الوطني العام"المنتهية ولايته في شهر فبراير 2014.

الوضع الإنساني

في 15 نوفمبر، أعلن مجلس النواب الليبي مدينة بنغازي "مدينة منكوبة"، حيث أصدر المجلس بيان قال فيه "إنَّ الأوضاع التي تشهدها مدينة بنغازي والصراع الحتمي بين قوات الجيش الوطني والشعب المنتفض من جهة والجماعات الإرهابية من جهة أخرى، وما أسفرت عنه من خسائر بشرية وأضرار مادية، وانعدام فرص تقديم الخدمات للمواطنين، دعا المجلس إلى اتخاذ عدة إجراءات من بينها إعلان المدينة منكوبة"، وأكَّد البيان دعم المجلس "الكامل والمُطلق" للشعب والجيش في حربه الحتمية المصيرية لاجتثاث الإرهاب.

ودعا المجلس كافة الجمعيّات والمؤسسات الإغاثية والدولية والعربية والمحلية والمدن المجاورة إلى تحمل مسؤولياتهم الأخلاقية والإنسانية بإغاثة بنغازي، كما طالب مؤسسة الهلال الأحمر بتوفير ممرات آمنة للمدنيين، كما طالب المجلس بدعم ممثل ليبيا بالأمم المتحدة لتوضيح "أنَّ خارطة الصراع في ليبيا محدودة بمناطق معينة"، وبالتالي تحفيز الأمم المتحدة ومؤسساتها المعنية لتوفير جسر جوي وبحري لإغاثة المدنيين والنازحين بالمواد الغذائية والدوائية، وقال البيان إن "الشعب الليبي خاصة في بنغازي اليوم ضحيَّة الإرهاب الذي تُغذيه مجموعات فجر ليبيا الإرهابية، والتي لم تتوقّف ساعة عن إمدادهم بالسلاح والدعم والمقاتلين الأجانب، كما أنَّ شعبنا ضحية أعمال الانقلاب والتمرد والسطو على أموال الشعب الليبي بمصرفه المركزي ومصارفه التجارية وبقية المؤسسات القابعة بطرابلس عاصمة الليبيين المخطوفة".

واختتم بيانه بدعوة المجتمع الدولي ولجنة العقوبات إلى تحمل مسؤولياتهم وتطبيق القرار الدولي 2174 لسنة 2014م وذلك بمنع وصول السلاح والمقاتلين المتطرّفين الفارين من حرب العالم الحر على "داعش" إلى بنغازي "عبر منافذ مصراتة الجوية والبرية القادمين إليها من دولة إقليمية ترفع شعار الإسلام السياسي المعتدل عنوانًا ودعم الإرهاب ممارسة".

وفي نفس السياق ذكرت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، في تقرير لها نشر في 14 نوفمبر على موقعها الرسمي، أن حوالى 400 ألف ليبي تركوا منازلهم وهربوا بسبب القتال الدائر في ليبيا في الستة أشهر الأخيرة.

حيث تشهد مناطق جنوب غرب طرابلس وبنغازى ودرنة وأوباري اشتباكات عنيفة، أدت لمقتل وإصابة العشرات، وأشارت المنظمة إلى أنه في الشهر الماضى وحده فر أكثر من مائة ألف ليبي من منازلهم بسبب القتال، بينما بلغ عدد النازحين منذ شهر مايو الماضي حوالي 400 ألف شخص، وأضافت أنه بسبب الوضع الأمني المتدهور يتعذر على المنظمات الإنسانية تقديم المساعدة الكافية لهؤلاء النازحين.

ختاما مع أقتراب إنتهاء معركة تحرير وتطهير بنغازي، وبداية معركة طرابلس، تتجه ليبيا لأستعادة الدولة من أيدي الميليشيات المتطرفة، تبدو ساعة الحسم في معركة أستعادة الدولة الليبية تزدد قربا عبر تطهير الأراضي الليبية من الجماعات والميليشيات المتطرفة، والتي أنتعشت في السنوات الثلاثة الماضية، وأستفادت من حالة إنعدام الأمن، لتمارس الإرهاب ضد الشعب الليبي، وتفرض سيطرتها علي مناطق نفوذ واسعة، أشبه بعصابات منها لدولة، وتساوم للسيطرة علي موارد النفط والثروة، لتحتكرها بعيداً عن الشعب الليبي، وتقاوم قيام دولة مركزية قوية، ستؤدي بالضرورة للقضاء عليهم.

 

المصادر

[1] لقراءة نص البيان كاملاً علي موقع "بوابة الوسط" الليبية علي الرابط التالي: الرابط

[2] تقرير لـ "بوابة الوسط" الليبية بتاريخ 15 نوفمبر 2014

عاجل

x